التعايش الوجداني
بقلم الأرشمندريت د. ميلاتيوس بصل
عصرنا الحديث، يتخبط بعلومه وفلسفته الحديثة التي تسعى بكل قواها إلى هدم حضارة الماضي وبناء حضارة جديدة، ترتكز على معتقدات جديدة تخالف بأغلب الأحيان معتقدات الماضي.
المشكلة اليوم هي أن العصرنة مهما تطورت ونمت لا تستطيع تحقيق الاستقلالية الكاملة من الماضي. فما زال الماضي معشعش في العصرنة وكثير من الأحيان تعود إلى الماضي لتنهض من جديد.
إنسان اليوم لا يستطيع ترك ماضيه مهما حاول، فمعتقداته وبالأخص الدينية هي أسس تربى عليها، ومع أنه يبتعد عنها، في أغلبية الحال، إلا أنه يبقى متمسك ببعض الأمور، ولو جزئية من معتقداته.
مشكلة الأديان اليوم، أن بعض أتباعها يريدونها عصرنتها، فكيف يحدث هذا؟!! ليس موضوعنا اليوم البحث به. فلنعود إلى موضوعنا الأساسي التعايش الديني بين أفراد المجتمع.
كثيراً ما تعقد ندوات ومنتديات في محاولات وغالباً ما تكون محاولات لبناء حوار جديد في بحاثأبحاث
بلدنا بين ديانتين كبيرتين. جميعها عبارة عن نداء لنا جميعاً من أجل ديمومة هذا الحوار. والحوار يفترض التلاقي لا التعايش وحسب، إذ التعايش هو تعايش اجتماعي، ولكنها ليست تداخل الحياتي الفكري.
اللقاء بين الأديان أو التحاور فيما بينهما هو إحدى مشاكل العصر، والموضوع مطروح كثيراً في بلادنا. كثيراً لا ينتج من الندوات والحوارات نتائج فعلية، لأن هناك عوائق كثيرة أهمها العصبية. التي هي أفتك شهواتنا، إنها أبعد أذى مما نتصور، هي في أدنى المراتب، دفاع عن من تربطنى بهم قربى أو يجمعنا بهم الدين أو الوطن أو صلة أخرى. فالعصبية لا يخفف العلم دائماً أو الندوات من وطأتها بل كل جماعة تجد لنفسها من يفلسف غباوتها أو يثأر لها لحق هضيم.
كثيراً ما يعتقد البعض المثقف أن بالعقل وحده يمكن أن يتخطى انقسامات البشرية. فليس العقل أو العلم يجعل الناس في لقاء الوجدانيات، ولكن القلب يلقى القلب.
في بلدنا عاش آبائنا ونعيش اليوم حياة المصير الواحد مسلمين ومسيحيين، الوضع الاقتصادي الأمني السياسي الاجتماعي والحضاري. كان التعايش هو تعامل القلب أحيى أحزانه وأفرح أفراحه، دون أن أدخل في جدال الدين، كل ما أعرفه هو أنه جاري وابن بلدي التعايش معه بكل صدق وأمانة.
التعايش، التلاقي الوجداني العقلي يحول دونه أولاً تداخلات جهات غريبة، وثانياً نقص الثقافة نحو الآخر، وشيوع أفكار مغلوطة. وينتج من هذا مواقف دفاعية. أما الفكرة المغلوطة التي تجعلنا نتلاصق دون لقاء فاحتسابنا أن أي بحث ديني إنما هو مدعاة تفريق.
اليوم، عصر إنزوائية الإنسان، عصر تجريد الإنسان من قيمه الاجتماعية وترابطه العائلي وجعله فرداً لا شخصاً، تدخل عوامل جديدة تضر وتزعزع أسس التعايش بين أبناء البلد الواحد، وبالأخص بين أتباع الأديان. ولا يخفى على أحد أن هناك من يريد فقدان روح التعايش بين الأسرة الواحدة وبين أبناء البلد الواحد وجعل العصبية والفردية انتماء الجميع.
لهذا يجب علينا مواجهة الأمر، كيف؟ وجد البعض طرق الحوار بين الأديان، وهذا جيد، ولكن ماذا تعني المحاورة؟ هي، قبل كل شيء، الإيضاح وليس الجدل لأن الجدل يستهدف اقناع الآخر بأخطائه في حين أن التوضيح إيجابي. وكثيراً ما يقوم الجدل على ما تفترضه أنت عند الآخر وهو تفسير منك لنصوصه وأنت تنطلق من ذهنيتك وتستشرف منها على تعليمه في حين أن المعرفة الحقة أن تستنطق وتنتقل ذهنياً وروحياً إلى كيانه لتدرك ذلك الادراك الداخلي المحب وتكتشف الرصانة في تراثه الروحي. فالاستخفاف بعقائد الآخر يحول دون وصولك إلى الرؤى الفريدة التي تتجلى في كل ديانة أخرى.
التعايش الحق لا يكون مسايرة ومجارات الآخر لكي لا تحصل إشكاليات، بل تفهم ولقاء وجداني. اللقاء والتعايش يفرض أن أبحث عن إيجابيات الآخر، اكتشف نقاط تلاقينا ونطورها في تعايش حقيقي مسنود بمحبة الإنسان للإنسان. فعندما يوجد اللقاء يوجد الموقف الروحي الحقيقي والعقلية النضرة وتحل بدلاً من الدفاعية والجدل. ويبدأ الحوار حيثما يضطرني الآخر، لمجرد وجوده الواعي، أن أطرح عبر نفسي تساؤلات لم تكن او لم يكن الآخر رفيق حياتي. والتساؤل فيما عندي لا يعني الشك إطلاقاً. ولعل الحوار يقود إلى الينابيع في فورتها الأولى وإلى رؤية الوثبات الخلاقة التي انطلقت منها ديانة الآخر.
المحاورة لا تنحصر في المحبة ولو كانت المحبة أصل وجودنا وغايته. ولكنها ترسبها على الصعيد الفكري. المحاورة ليست معايشة وحسب بل محاولة تفاهم ورحابة تجعل أحدنا وكأنه الآخر وهو لم يفقد هويته الإيمانية.
التعايش الحق ليس هو أن يتحدث الإنسان عن التجديد الذي قد يظهر في صفوف الآخرين، ولا أن يتصيد أخطاء الآخر ويستغلها، بل، التعايش هو التواجد الوجداني وتطبيقه في كل مراحل الحياة.
التعايش يحارب اليوم، جهات كثيرة تقاومه، ترغب في التقاتل لتنفيذ مآربها، ولكن كيف سيكون اللقاء والتعايش الحقيقي في ظل ظروف عصرنا المقاوم؟
من هذا ينتج أن الحوارات والمنتديات وكلها غير مجدية إن كانت بلا منهاج محلي لا أجنبي. نجلس نتحاور نندهش باتساع فكر الآخر نتصافح ونعود أدراجنا ولا شيء يحدث مما قلناه. هنا يجب أن يرافق الحوارات والمنتديات منهاج عمل تطبيقي، هكذا يترسخ اللقاء والتعايش وتنمو المحبة الوجدانية.
من هذا يمكن أن ينتج دراسات علمية عن الأديان القائمة عندنا من خلال البرامج الثقافية المذياعية والمرئية وغيرها، وكذلك منذ المدرسة الابتدائية وانتهاء الجامعة. فإلى جانب التربية الدينية التي يعطينا إياها مذهبنا من أجل الترويض على الإيمان والتقوى فإن ثمة دروساً نظرية تبتغي المعرفة المجردة لكل دين. فيذهب هكذا بعض مما نبقيه من تهم باطلة على المذاهب الأخرى ولعل تاريخ الآخرين يبدو أقل ظلاماً مما كنا نتصور وتتجلى لنا عظمة الرؤية الروحية عند اعلامهم وقد نتبين معالم طريق واحدة لحياتنا الاجتماعية نكون قد رسمناها معاً، لا بالرغم من الديانات القائمة بل بفضل منها ونكون هكذا ساعين إلى تقريب حياتنا المجتمعية والمادية إلى حياتنا الروحية لا إلى الفصم بينهما.
هكذا نتعايش حقيقياً ووجدانياً، فإذا تمّ شيء من هذا فنحن في تعايش وحوار ولقاء وجداني.