إنجيليّون يهتدون إلى الكنيسة الأرثوذكسية

الخدمة الكهنوتية دعوة أولاً , وهي في الوقت عينه مهنة , وفي العام 1987 حظي القسّ المعمداني (ويلبور إلسورث) بفرصة العمر. فبعد عقدين من رعاية كنائس صغيرة في كاليفورنيا و أوهايو , دُعي (إلسورث) , البالغ من العمر (43) عاماً , إلى رئاسة الكنيسة المعمدانية الأولى في (ويتن) , (إلنوي) , وهي التي تُعتبر من أكبر الكنائس البروتستانتية وأهمّها , وفي أشهر مدينة بروتستانتية في العالم , خلال تلك الحقبة , إذ كان يُطْلَق على (ويتن) إسم " الفاتيكان الثاني " .
و (ويتن) هذه هي إحدى ضواحي شيكاغو , وتتميّز بمعهد اللاهوت الإنجيلي , الذي تخرّج منه المبشّر (بيلي غراهام) , وتعيش فيها شخصيات بروتستانتيّة بارزة .
من الناحية المهنيّة كان النجاح حليف (إلسورث) إذ شُيّدَ في عهده بناء ضخم يضم كنيسة تتّسع لـ (600) شخص , وبرجاً يرتفع أكثر من (20) م يشرف على شارع (ويتن) الرئيس . وبحكم هذا المنصب الجديد , تعرّف (إلسورث) إلى أشخاص نافذين في الكنيسة البروتستانتيّة , فكان فعلاً في قلب أحد أكبر المراكز الدينيّة في الولايات المتحدة , وكانت هذه نقلة نوعية بالنسبة إليه .
إلاّ أنّ هذا المجد لم يكن كافياً , لأنّ (إلسورث) كان يتألّم من الناحية الروحيّة . فخلال العشرين سنة الماضية , انضمّ عدد كبير من الكنائس البروتستانتية إلى ما يُعرَف بـ " حركة النمو الكنسي " , التي تُؤيّد عصرنة الكنيسة , وتعتمد موسيقى (الروك أند رول) بدلاً من الموسيقى الكنسيّة التقليديّة , إضافةً إلى العروض المسرحيّة عوضاً عن الوعظ , وهذا كلّه لتتماشى مع العصر, فتجذب أكبر عدد ممكن من الناس . وكنيسة (ويتن) لم تكن بعيدة عن هذا التّوجّه , فوجد (إلسورث) نفسه يُصارع أبناء رعيّته معارضاً أسلوبهم في العبادة والصلاة . وهو يقول بهذا الشأن : " إنّهم يريدون إبدال الأرغن بالطبول ويخالفون العقيدة في قضايا كثيرة . لكن هذا لن يحدث ما دمت موجوداً في هذه الكنيسة " .
ولكن في العام 2000 , وبعد (13) عاماً من الخدمة في الكنيسة المعمدانيّة الأولى , أُخرِجَ (إلسورث) من هذه الرعيّة .
وهكذا وجد القس المعمداني (إلسورث) نفسه أمام أزمة مهنيّة وروحيّة , فقرّر أن يواجه وضعه الجديد بالانصراف إلى مطالعة الكتب اللاهوتيّة وتاريخ الكنيسة . في البدء , رأى أن يتّجه نحو الكنيسة المُصْلِحة أو الكنيسة الأنكليكانيّة , إلاّ أنّه تابع أبحاثه وقراءاته ومناقشاته , مُتخطّياً حركات الإصلاح في الكنيسة ومُتعمّقاً في التاريخ الكنسي . وتدريجيّاً , ويا لدهشته , ألِفَ نفسه مهتماً بكنيسة لايعرف عنها شيئاً : إنّها الكنيسة الأرثوذكسيّة . ويقول صديقه (آلان جاكوبز) الأستاذ في معهد (ويتن) : " ظننتُ أنّه سيذهب إلى كانتربري , لكنّه أخذ منعطفاً آخر , وانتهى في القسطنطينيّة " .
وشرع (إلسورث) يقرأ الكتب الأرثوذكسيّة واحداً تلو الآخر , صارفاً أكثر من عشرة آلاف دولار . ومع حلول العام 2005 , أصبح يرتاد كنيسة أرثوذكسيّة في شيكاغو تابعة لبطريركيّة إنطاكية وسائر المشرق . وفي نهاية العام 2006 , أدرك (إلسورث) أنّه يريد أن يُصبح أرثوذكسيّاً . وفي الأحد الأول من شباط عام 2007 , اقتبل المعموديّة والميرون المقدّس , وبعد حوالي الشهر شُرْطِنَ كاهناً أرثوذكسيّاً وهو في الـ (62) من العمر .
قصة (إلسورث) ليست فريدة , فهو يخدم رعيّة تتألّف من (150) شخص , جميعهم من البروتستانت الذين اهتدوا إلى الأرثوذكسيّة . حتى أن انتقال (إلسورث) من الخدمة في الكنائس البروتستانتيّة إلى الكهنوت في الكنيسة الأرثوذكسيّة ليس بالأمر غير المألوف .
ففي الأبرشيّة الأرثوذكسيّة الإنطاكيّة في شمال أمريكا , أكثر من (250) رعيّة , و (60%) منها يرعاها كهنة مُهتَدون , معظمهم يأتي من كنائس بروتستانتيّة .
وبحسب (برادلي ناصيف) , الأستاذ في جامعة (نورث بارك) والخبير في الحوار الأرثوذكسي البروتستانتي , شهدت الأبرشيّة الإنطاكيّة نمواً بنسبة (150%) خلال العشرين سنة الأخيرة , (75%) من هذا الازدهار مرده إلى المُهتدين . ومع أنّ عدد المؤمنين الأرثوذكسيين الأنطاكيين لايتجاور المليون والمئتي ألف , إلاّ أنّ الكنيسة الأرثوذكسيّة لاتشكّل أي خطر على المسيحيّة الإنجيليّة في الولايات المتحدة الأمريكيّة . لكن المهم هو العدد المتنامي للمعمدانيين وغيرهم من الإنجيليين الذين تركوا كنائسهم وانضمّوا إلى كنيسة غريبة وشرقيّة في آن . ما يعني أنّهم غير راضين وغير مقتنعين بالحالة التي آلَتْ إليها كنائسهم, وبانجرارها نحو مغريات العالم المعاصر ومواكبتها كل جديد .
لكن هذه القصّة أخذت منعطفاً آخر منذ عشرين سنة , عندما اهتدت إلى الأرثوذكسيّة مجموعة من الإنجيليين قوامها ألفا شخص . وبالفعل استمرّت عمليّة التحضير لهذه الردّة عشرين سنة .
ففي العام 1968 سئم (بيتر غيلكويست) من الجو الموجود في كنيسته , ولم يجد ما يُشبع حاجاته الروحيّة . ومع بضعة أصدقاء لايتجاوز عددهم الـ (12) , أخذ يبحث عن الكنيسة المُثلى . وكما يذكر (غيلكويست) في مذكراته "Becoming Orthodox" : " كان سؤالنا الأساس , ماذا حلّ بهذه الكنيسة التي قرأنا عنها على صفحات العهد الجديد ؟ هل ما زالت موجودة ؟ وإذا نعم , فأين ؟ فنحن نريد أن نكون جزءاً منها " .
وكما فعل (ويلبور إلسورث) , انكبّ (غيلكويست) ورفاقه على قراءة كتب التاريخ الكنسي حتى وصلوا إلى العام 1054 سنة الانقسام في الكنيسة . فطريق قادهم إلى روما والغرب , وآخر إلى القسطنطينية والشرق . ورأى (غيلكويست) أنّ الشرق كان على حق في معارضته تجاوزات بابا روما , وأن الشرق على حق في مساواته بين الثالوث القدوس . وهكذا قررت المجموعة أنها أرثوذكسية . لكن, على عكس (إلسورث) لم يعتنق هؤلاء الأرثوذكسيّة . وعلى مدى (10) سنوات أسّسوا منظمة عُرفت باسم الكنيسة الإنجيليّة الأرثوذكسيّة وانضمّ إليها كُثر .
• في العام 1985 سعوا وراء قبول البطريرك المسكوني بهم (اسطنبول) , إلاّ أنّ السلطات اليونانية الأرثوذكسيّة لم تقبلهم , خشيةً من أن لايكون (غيلكويست) وجماعته مهتمّين بنشر الثّقافة الهلينية .
• المتروبوليت فيليب (صليبا) , راعي الأبرشيّة الأرثوذكسيّة الأنطاكيّة في شمال أمريكا , هو من سارع إلى نجدتهم , والذي كان يراوده حلم نشر الأرثوذكسيّة ونموّها في تلك البلاد . المهم في الموضوع هو أنه لم يُفكّر بأيّة عنصريّة أو قوميّة أو إثنيّة , ففي حين كان الأرثوذكس الروس أو اليونان يقيمون الصلوات بالسلافونيّة أو اليونانيّة , كانت الكنيسة الأنطاكيّة تستخدم اللغة الإنكليزيّة في الخدم . وكان ذلك عام 1987 , حيث استقبلهم كهنة وعلمانيين . ومنذ ذلك التاريخ ارتفع عدد الرعايا بشكل مذهل , وكان ذلك بسعي من (غيلكويست) الذي عُيّن مديراً لدائرة التبشير في الأبرشيّة الأرثوذكسيّة الأنطاكيّة . وما زال حتى اليوم , وبعد أن بلغ السبعين من العمر , يجوب أنحاء الولايات المتحدة مبشّراً بالإيمان الأرثوذكسي .
بالرجوع إلى شخصيّة (ويلبور إلسورث) , فعندما كان قسّاً معمدانيّاً يخدم في الكنيسة المعمدانيّة يوم الأحد , ببدلته السوداء وياقته , كان يكتفي بالوعظ والترتيل وبالمناولة (الرمزيّة) مرّة واحدة في الشهر . أمّا اليوم , وفي كنيسة التّجلّي , فالشعور مختلف تماماً , فالأب (إلسورث) اليوم يرتدي الثّياب الكهنوتيّة ويقف داخل الهيكل , الذي تُغطي جدرانه مئات الأيقونات الصغيرة , وخلف الأيقونسطاس يرفع الصلوات , في حين يقف المؤمنون معظم الوقت أو يركعون وهم يرسمون إشارة الصليب أكثر من مرة , وفي القداس الإلهي يصطفّون , ليتناولوا القربان المقدّس .
لهذا تجد أنّه من السهل على من تربّى في كنيسة إنجيليّة أن يعتقد بأنّ الكنيسة الأرثوذكسيّة آتية من عالم آخر . وهذا ما يُفسّر انتساب العدد المتنامي من الإنجيليّين إلى الكنيسة الأرثوذكسيّة .
أهم ما دفع (إلسورث) إلى الأرثوذكسيّة هو تماسكها وصلابتها وعدم اكتراثها بالحياة العصريّة . فيقول : " تُحافظ الكنيسة الأرثوذكسيّة على الإيمان القويم , فلا يطرأ تغيير في شكل العبادة والصلاة كل أسبوع تماشياً مع صرعة ما " .
(غليكويست) و (إلسورث) كانا من بين الذين شعروا بأنّ الإنجيليّة , وعلى خطأ منها , زعزعت أساسها عندما اعتبرت الخبرة المسيحيّة الخاصة , بدلاً من الأساس الصلب الذي تُوفّره العقيدة اللاهوتيّة . وفي هذا السياق يقول (إلسورث) : " اللاهوت الإنجيلي يعود فقط إلى آخر (25%) من تاريخ الكنيسة , أي إلى ما بعد حركة الإصلاح . في حين تعود الأرثوذكسيّة إلى آباء الكنيسة , وإلى أول (75%) من تاريخ الكنيسة , فهناك إذاً استمراريّة أكيدة . ومن دون هذه الاستمراريّة , على الإنجيليّة أن تتأقلم مع الحياة العصريّة وهذا ما يُعيق نموّها الثقافي . وغدت العبادة نوعاً من التسلية والترفيه . لكن هذا لايدوم طويلاً وسرعان ما يبدأ الناس بالبحث عن شيء أعمق . فنختار نحن هؤلاء المسيحيّين الجديّين العطاش إلى المزيد " .
وفي بعض الحالات هناك عطش أقل . ويبدو أن صراع الحضارات هو ركن أساس في الحياة الإنجيليّة , إلاّ أن المُهتدين يُظهرون تعباً متزايداً من هذا النزاع الدنيوي . وإحدى ميّزات الكنيسة الأرثوذكسيّة أنها لاتنغمس كثيراً في السياسة , وهذا لايعني أنها ليست محافظة .
يقول (غيلكويست) : " نحن كأرثوذكس لانُؤمن بأنّ اللواط طريقة حياة بديلة وشرعيّة , إنه شذوذ وانحراف , ونقول أيضاً أنّ الإجهاض جريمة . ولكن على عكس كنائس إنجيليّة عديدة , هذه المواضيع , رغم الاهتمام بها , لاتبرز في طريقة العبادة " .
(جوردان دورنزو) كانت من ضمن المجموعة التي اهتدت مع (إلسورث) , وهي تتكلّم بشغف عن كنيستها وعن الصوم والأيقونات , وتقول : إنّها بفضل الصوم تصالحت مع روحها , وتأمل أن تلتحق بمدرسة لتتعلّم كيف ترسم الأيقونة . وتابعت (جوردان) : " أن تكون في الكنيسة الأرثوذكسيّة هذا يعني أنك في وحدة مع هذه الكنيسة أينما كنت في العالم , حيثما حللت تستطيع أن تحتفل بالقداس الإلهي عينه , وتُصلّي بالطريقة ذاتها . أنت في وحدة مع شعوب أخرى , ولست وحيداً في هذا الكون , إنّها كنيسة كبيرة ومثيرة للاهتمام " .

المصدر : نشرة "العربيّة" – العدد الثالث – السنة التاسعة (2009) – بتصرّف –
المقال بقلم : جيسون زينغرلي
ملاحظة : (بيتر غيلكويست) هو كاهن أنطاكي ويشغل منصب مدير قسم الدراسات الإنجيليّة في الأبرشيّة الأنطاكيّة الأرثوذكسيّة .
من يود الاضطلاع على كامل الموضوع بإمكانه زيارة موقع مجلة النور من خلال الرابط أدناه :
http://www.mjoa.org/cms/index.php?op...169&Itemid=154