حركة الشّبيبة الأرثوذكسيّة
أتكلَّم كمراقب ولا أتكلّم كناقد. لذلك لا تهمّني المعطيات، أحداثًا وتواريخ وأرقامًا، بل حركة الرّوح، روح الرّبّ، في ما جرى ويجري في حركة الشّبيبة الأرثوذكسيّة. أقول ذلك لا من باب تقييمها، لأنّي أقلّ من أن أُقيِّم أحدًا، على هذا الصّعيد، بل من باب الإحساس بالقوى الفاعلة في النّفوس، من منطلق الوجدان الّذي تكوّن فيّ، بعد سنين من تعاطي نفسي والآخرين، كواحد من أبناء الكنيسة الأنطاكيّة الأرثوذكسيّة. ولا يستأذن أحدٌ أحدًا في أن يفتح عينيه ليُبصر ويتكلّم بما عاين!
حفنة من الشّبّان تداعت لأنّ هاجس الأرثوذكسيّة الأنطاكيّة كدّها، ومسحها روحُ الرّبّ جماعةً تتشوّف ليسوع ثمّ أطلقها فكانت الحركة. مذ ذاك ارتعشت الحياة والغيرة، من فوق، في العظام الأنطاكيّة شبه الرّميمة وانشدّ العظم إلى العظم، فعاد الكلمة يتردّد صداه على امتداد الكرسي الأنطاكيّ كما لم يتردّد لسنين طال فيها تبلّدها واشتدّ سباتها. قلّما تجد، اليوم، أحدًا، من أجيال شبه النّهضة المرتجاة، إلاّ أكل من الخبز الرّوحيّ واللاّهوتيّ والفكريّ واللّيتورجيّ الّذي انعجن وانخبز بصلوات وعقول وأكباد وأتعاب مَن انمسحوا خدّامًا لإنجيل الخلاص في الحركة، في السّتّين إلى السّبعين سنة الأخيرة.
بلى لو لم يتحرّك الرّوح لإيلاد حركة الشّبيبة الأرثوذكسيّة لكنّا، اليوم، جوعى، على نحو مأساويّ، إلى كلمة الحياة، أو لكان سمك القِرش، أي البِدع والهرطقات، ابتلعنا أو يكاد، لأنّ البحر كان، عبر هذه السّنين، ولا زال مزدحمًا بكلّ فكر إبليسيّ غريب وعثرة. مَن لا يعترف بما قدّمه الرّبّ الإله بالحركة لأرثوذكسيّة أنطاكية، خلال هذه الحقبة، أعمى يكون أو حسودًا أو موتورًا!
وكان متوقَّعًا لما مسحه روح الرّبّ وأطلقه للخدمة والكرازة والشّهادة أن يعمل المقاوِمُ، روحُ الإثم، على مسخه. لذا كان بديهيًّا أن تتعرّض الحركة إلى تجارب وأضاليل وفخاخ شتّى. تجربة التّجارب كانت ولا زالت أن تتحوّل الحركة من حركة تتبتّل ليسوع المسيح، بالرّوح والحقّ، إلى حركة تتحكّم فيها أهواء العباد، بطاركةً أو أساقفةً أو كهنةً أو بعضًا من عامة المؤمنين البارزين، في الحركة أو خارجها، في كنيسة المسيح. صحيح وبديهيّ، في المبدأ، أن تطيع الحركة غبطة البطريرك أو السّادة الأساقفة أو الآباء الكهنة، كلاً في موقعه، ولكن في الحقّ وفي إطار اللاّهوت الكنائسانيّ وفي الحقّ وحده. يسوع أطلق الأبناء من عبوديّة الخطيئة والنّاس إلى حرّيّة أبناء الله في الرّوح والحقّ. فقط مسيح الرّبّ يجمعنا. "معنا وفيما بيننا". انتماؤنا هو، أوّلاً وأخيرًا، إلى فوق، على قولة الرّسول المصطفى بولس: "لأنّي لم أعزم أن أعرف شيئًا بينكم إلاّ يسوع المسيح وإيّاه مصلوبًا" (1 كو 2: 2). الحركة هي في الكنيسة وخادمةُ يسوع في الكنيسة وملتزمةٌ التّراث، نصًّا وروحًا، في الكنيسة، لكنّها بإزاء ذاتها، أوّلاً وأبدًا، تتعاطى النّقد الذّاتيّ، وبإزاء الجميع أيضًا، أيًّا كان موقعهم، حفظًا للأمانة ليسوع واتّقاءً لعبادة الذّات واجتنابًا لمحاباة وجوه النّاس. نشأتها كانت بدءًا في أنطاكية شبه متصحِّرة كنسيًّا، ولكن كان عليها، لتخضوضر النّهضة في أنطاكية، أن تلازم صحراء ربّها بتواتر لا بإزاء أنطاكية وحسب بل العالم بأسره. إن كانت الحركة لا تحفظ تبتّلها لربّها تنفسد عجنتها. كثيرون يشاؤونها قوّة يتدرّعون بها لغايات سلطويّة غير نقيّة في نفوسهم ولو حكوا لغة الكنيسة وتذرّعوا بترجمة مسيح الرّبّ بين النّاس حجّة. السّياسيّون أرادوها ذيلاً لمراميهم السّياسيّة، والسّادة المطارنة لسلطتهم، والكهنة لتصوّراتهم. لكن لم توجد الحركة دعمًا لمواقع النّاس وأفكارهم وطموحاتهم، بل خادمة ليسوع المسيح، وليسوع المسيح وحده في الجميع. إذًا هي إلى الكلّ وليست لأحد حصرًا لأنّها بإزاء الجميع في آن معًا. تخدم، بلا منّة، حتّى الأخير وتبذل نفسها إلى المنتهى وتمّحي أمام الجميع، هذه ماهيتها، لكنّها لا تقول غير كلمة مَن استودعها الكلمة حتّى الشّهادة وحتّى تساهم في خلاص الجميع. لذلك تقيم، أبدًا، في صحرائها الدّاخليّة، متقشّفة متبتِّلة لربّها، على مسافة من الجميع ولكن في وحدة مع الجميع في الحقّ وفي الحقّ وحده. فمَن ظنّوا أنّ الحركة حركة المتروبوليت جاورجيوس مثلاً أخطأوا التّقدير، وكذا مَن ظنّوا أنّ الحركة لم يعد لها مبرّر وجود بعدما أوصلت قومًا إلى الأسقفيّة أو الكهنوت أو الرّهبنة. الّذين تكرّسوا منها تشدّ أزرهم وسواهم متى سلكوا في حقّ الإنجيل، لكنّها تقف بإزائهم إن جرّبهم المجرِّب وحادوا عن الحقّ، وهذا وارد في كلّ حين. الإزائيّة لازمة وحيويّة في كنيسة المسيح لأنّها تقي الجميع التخثّر وعبادة الذّات! في نهاية المطاف، نحن كنيسة شورى لا كنيسة أحديّات سلطويّة!
خطأ جسيم أن يُنظَر إلى الحركة باعتبار خدمتها التّعليميّة في نطاق أُسَر الطّفولة أو الإعداديّين أو الثّانويّين أو الجامعيّين أو العائلات، أو باعتبار خدمتها في مجالس الرّعايا أو مجالس الأبرشيّات. هذه وغيرها خدمات تنخرط الحركة فيها إذا ما طَلب الرّعاة منها ذلك بلا قيد ولا شرط إلاّ محبّة المسيح، لكن حضورها وشهادتها ليسا حصرًا وقصرًا على هذه الخدمات بحال. موهبة الحركة هي الإزائيّة ومن ثمّ النبوءة وإلاّ لا قيمة لها! عجبتُ لمنطق يقول إنّ خدمة الحركة للأسر المذكورة أعلاه أساسيّة لها لأنّها تستمدد الأجيالَ الحركيّة المستقبلة منها. هذا نقضٌ لاعتماد الحركة على النّازل من فوق، المحرِّكِ الأفئدةَ إليها، واستعاضةٌ عن عمل الله بما يتمخّض عن تصوّرات النّاس! الأجيال الحركيّة المتعاقبة تأتي من فوق يحرّكها الرّوح أو هي أجساد تتكدّس!
خدمة الحركة الّتي هي في أساس كلّ خدمة تؤدّيها هي أن تبقى صوتًا صارخًا للكلمة الحقّ في البرّيّة: "أعدّوا طريق الرّبّ. اصنعوا سبله قويمة". نشأت في الأساس بروح إيليّا ولا استمرار لها إلاّ إذا استمرّت كذلك. يوم تستحيل الحركة مؤسّسة في هذه الأبرشيّة أو تلك، في هذه الرّعيّة أو تلك، تفقد هوّيتها وتضيِّع فرادتها. لا تستمدد الحركة وجودها واستمرارها من شرعنة المجمع المقدّس لها أوّلاً، ولا من اعتراف الأساقفة بها ولا من سماح الكهنة لها بالعمل في رعاياهم، بل من ولائها ليسوع المسيح وسلوكها في روح الرّبّ أوّلاً وأخيرًا. الحركيّون أبناء الله في كنيسة الله أوّلاً وثانيًا وأخيرًا وطليعة أمة أنبيائه وقدّيسيه، أو هكذا ينبغي أن يكونوا. قد يعترف بعض ناس الكنيسة بها وقد لا يعترفون، قد يقرِّبونها وقد يستبعدونها. لهم أهواؤهم! ولكن لا همّ! هذا واقع الأنبياء والقدّيسين في كلّ زمان. وما الحركة بمدعوّة لتكون أقل من جماعة أنبياء وقدّيسين! إن كان بعض الحركيّين يكتفي بخدمة رعائيّة في هذه الرّعيّة أو تلك الأبرشيّة فلا حاجة لانتمائه إلى الحركة. مَن ينتمي إلى الحركة يأتي إلى موت عن نفسه وإلى فقر في اهتمامات هذا الدّهر ليملأه ربّه من حياته ومن غنى نعمته، ليقف، في الحقّ، في وجه الأكابر، إذا لزم الأمر، ويغسل أقدام الأصاغر، وإلاّ ليندرجْ في الهيكليّة الكنسيّة المعهودة. هذا أسلم له وأجدى! أمّا مَن أراد أن ينضوي إلى الحركة فعليه أن يكون إلى روحها، أن يقدّس نفسه لأجل الإخوة، بالفقر إلى العليّ والتماس الفضيلة هاجسًا في كلّ حال، بالصّوم والصّلاة ومساهمة الأسرار وإفراغ الذّات التماسًا لمشيئة الله، بقول كلمة الحقّ، بالالتزام والتّصريح بمشيئة الله في كلّ حين. هذا يستدعي إيمانًا كبيرًا ينفرج عن تواضع كبير وطاعة لا هنّة فيها للعليّ. الحركة حركة صحراويّة نبويّة تقديسيّة في الكنيسة وبإزاء الدّنيا. لو شاء روح الرّبّ للحركة أن تكون حركة نشاطات رعويّة وتعليم دينيّ لما أوحى لمَن حرّكهم، أوّلاً، بها، ولمَن شرّعوها، بدءًا، بالصّيغة الّتي أتت عليها لتكون على حرّيّة في الحركة لم تعهدها أنطاكية في كلّ تاريخها! الحركة من فوق ولا تستمدد ولا تستجدي الوجود من أحد! والحركيّون إلى فوق أو يلغيهم الرّوح!
إذا كانت الحركة، اليوم، عرضة للضياع فلأنّ الدّهريّة أغرت العديد من الحركيّين. المال أغواهم والسّلطة خلبتهم وما زالت تفرّقهم وهاجس الفكر والعلم غلب فيهم هاجس النّقاوة والقداسة. لم تعد الرّوحيّات إلاّ همّ القلّة فيهم. الأكثرون مالوا إلى الاجتماعيّات والنّشاطات والتّنظير فيها. كَثُرت الثّرثرة ونما التّعالي وروح الإدانة! الرّهبانيّة في منظور العديدين، في الحركة، صارت رمزًا للأصوليّة المقيتة والتّخلّف! محبّتها فترت! الإيمان برد! اسمع ما يقولون تفرح، انظر ما يفعلون تحزن! لا شكّ أنّ في الحركة، وجوهًا نيِّرة، بعد، لكنّ العديدين، بكلّ أسف، ماعوا وتبلّدوا وانصرفوا إلى شؤونهم الخاصّة! لا نَفَس قويًّا، بعد، لا على الصّوم ولا على الصّلاة. كلام الفضيلة لا يحرّك الكثرة! هيكل الحركة امتلأ لصوصًا فكريّة!
لذا الحركة اليوم عرضة للضّياع لا لأنّ ثمّة مَن يحاربها، هذا لا جديد فيه، بل لوهن الأمانة فيها. الحركة إن ثبتت على الكلمة فلا مَن يقوى عليها. "السّماء والأرض تزولان وكلامي لا يزول". فطبيعيّ أن يكون ثمّة مَن يسعى إلى إخراسها اليوم بالكامل! ومع ذلك نقول: هذا، في القصد الإلهيّ، افتقاد من فوق حتّى تصحو الحركة وترتدّ إلى محبّتها الأولى وهمّتها الأولى ورسالتها الأولى. الحرارة فترت فيها وروح النّبوءة خبا. السّيل آت! الوقت وقت شدّ الأحقاء والدّخول في صحراء التّوبة والتبتّل، مرّة أخرى، ليُستعاد روح الرّبّ من جديد وإلاّ استحالت الحركة أطلالاً لأنّ إبليس طالب أن يبدّد شمل الحركة لا فرق بِمَن!
رغم كلّ شيء أقول: الحركة لم تولد لتموت بل لتبقى قبلة حياة ووحدة روح لأنطاكية من فوق! المهمّ الصّحوة!
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما
المفضلات