المجــــــد البـــــاطـــــــلمن استكبر فرأى نفسه ذا شأن، من أحس نفسه ذا مقام في السياسة، في الاكاديمية، في رئاسة كنيسة او امامة مسجد فهذا وقع في المجد الباطل. من افتخر بعائلته واستعظمها وفاضل بينها وبين سواها يكتسب بذا تفاهة تخرجه في العمق عن اي بهاء ولا تُكسبه علوا. الذي يعرف انما يعرف من أجل الحقيقة وخدمة الناس وليس ليتباهى بما يعرف. الصالح تسحره الحقيقة وتشده اليها لأنها بذاتها تهذبنا فما تصير ملكاً لاحد. من سكر بما اقتناه وقال انه صاحب ما بين يديه أليس يعلم اننا لسنا مالكين لشيء واننا فقط مؤتمنون (بفتح الميم الثانية)؟ مَن رأى انه قريب الى الله يرميه الله في الجحيم منذ الآن اذ رأى نفسه أهلاً لسكنى الفردوس. وهذه الاهلية ليست عند احد. من طلب الولاية تهرب منه الولاية اذ حسب نفسه يستحقها فرفع نفسه الى مقاماتها فتأذى بخياله.
بقلم سيادة المطران جورج خضر
لما كنت في السادسة عشرة من عمري وكنت قد تخرجت عرفت ان في احدى الشركات الكبرى وظيفة دنيا تساعدني على العيش. وذهلت اني ما نلت ذلك المنصب الا بعد مروري بمسابقة. تعجبت لأن هذا العمل لم يكن يتطلب كل ما كنت حصلته ولكني فرحت بأن القيمين على هذه الشركة كانوا يسعون الى كفاءة من يعينون.
جاءني واحد منذ ايام يطلب مني انتخاب احد القسس اسقفاً على احدى المدن. طبعاً أنا أليف لهؤلاء الذين يحسبون أنفسهم مؤهلين لمقام عظيم كهذا. كيف يحسّ هذا الأخ ان روحانية المسيح نازلة عليه او انه حصل علماً يدرجه في مصف العارفين وانه محب حتى سكب نفسه في سبيل الأخوة وغسل ارجلهم وتالياً محو نفسه في الوجود المشترك؟
من يدفع مواطنين الى التماس مسؤولية نائب ألا يعرف ان المتنطح هذا ليس عنده لسان يناقش فيه مشروع قانون؟ دائماً افكر بالمديرية العامة لوزارة النفط اذ المدير العام هو التقني. من من شبابنا يحمل دكتوراه في العلوم النفطية من هيوستن مثلاً؟ هل كل طالب زواج يعرف نفسه مهيئا للحياة المشتركة أم انه عاجز عن ان يواجه وضعاً اثنينياً؟ هل عرف ملتمس الرهبانية نفسه قادراً على الانعتاق من وطأة الجسد عليه؟ هل كل منا هو في المكان المناسب كما أراد ذلك أفلاطون؟
هذه دنيا مريضة بالمجد الباطل.
• • •كتب احد أمراء مولدافيا لوليّ عهده في القرن الرابع عشر لمّا كانت مولدافيا مستقلة: يا ابني لا تشته ان تصبح اسقفاً ولا رئيس دير ولا أميراً (هذه الوظيفة كان معداً ان يشغلها عند وفاة أبيه) لأن كل هذا من مجد العالم. نظرياً لك ان تصبح اميراً او ملكاً وتبقى على تواضعك. على غرار هذا لا أفهم ان يتمنى بعض الكهنة ان يصبحوا اساقفة لاحتسابهم انهم يكسبون بذا نفوذاً وسلطة وهم لم يختبروا مشقة هذه الرسالة والمظلومية التي يكونون فيها احياناً كثيرة. لماذا هذا التنافس بينهم وبين رفاقهم؟ ألا تخفي المنافسة انهم افضل من الآخرين؟ من قال لهم هذا؟ أنت، راهباً، تبقى قابعاً في زاوية من ديرك حتى يبرق لك البطريرك أن المجمع المقدس انتخبك وتلتحق بمكان عملك بنعمة الطاعة اذا نزلت عليك.
في الحياة الدنيا انت تدرس كثيراً وتتفوّق وتلتمع فيدفعك ذووك الى منصب مسؤولية او تناديك الدولة او يعينك حزب او كتلة سياسية، لكنك في لبنان تبرز نفسك اذ ليس فيه من آلية ترشيح تقدمك بسبب المعرفة. كل تنافس على هذا الصعيد كبرياء. أنا أحب في الجمعيات الرهبانية الكاثوليكية ordres أن يصل الراهب الى الرئاسة العليا وان يُعاد الى أدنى موقع في الترتيب الهيكلي. ذلك لأن الرئاسة عندهم خدمة والموقع الأدنى خدمة. لا تدع المجد يقرع باب قلبك. اذ ذاك، تصبح عبداً للمجد. أما اذا أفرغت نفسك من هذا الشغف فيأتي الله الى نفسك ويسكنها. كل الموضوع هو هذا هل الله سيد حياتك أم الأنا الصلبة، المتقوقعة.
كل قصتنا مع الذات هي هل نحن ندرك ان شيئاً لا يزاد عليها لأنها ان تواضعت فهي كل الوجود. هذا ما أراده الناصري لما قال إنك لا تستطيع ان تزيد على قامتك ذراعاً واحدة. بهذا السياق لا تقدر ان تملأ نفسك من غير عطائها فإن اعطيتها قويت وجوداً.
من هنا أن المال لا يضاف اليك فإن بددته على المساكين كما تقول المزامير: "يدوم برّك الى الأبد". وإن اعتبرته ضرورياً فانك لا تعتبر نفسك الضرورة الوحيدة. القول إنك والعالم شيء واحد يعني انك جزء من العالم في حين ان ما هو خارج عنك عبد لك. والعبد لا يسودك، انت تسوده لأنك حر منه. افهم ما قاله آباؤنا الكبار في الكنيسة: انت مؤتمن على المال لأنه ليس ملكك. انت تتصرف به لتجعله في خدمة المحتاجين اليه. هؤلاء بعطائك يصيرون اخوة لك. ليس لك إلا الحب لتشعر انك اخ للآخرين. تحرر اذا من كل شهوة لأن كل شهوة تفتتك او تبعثرك.
• • •أشد فتكاً من اشتهائك المال شغفك بالسلطة، فقد جاء على لسان روحاني كبير: "كل سلطة تُفسد والسلطة المطلقة تُفسد مطلقاً". بعض الأحوال تجعلك في موقع السلطة. أقبض عليها وانت حر منها. "فذكّر أنما انت مذكّر. لست عليهم بمسيطر" (الغاشية، 22.21) وحقيقة الآية ان أمرك ان شئت الأمر هو بالتذكير لأنه يعطى بالمحبة. وأما إن سيطرت عليهم تفصل نفسك عنهم فيبغضونك. اذكر انك لست بإله وانك باللطف وحده تجذب الناس الى إلههم.
لك ان تواجه وتناقش وان تبرز للناس الحقيقة التي لا بد أن يحسوا بها نافعة لهم ومنجية. بكشف الحقيقة يأتي التوافق بل الوفاق والتداخل البشري الصافي. اعتبر ان كل انسان يستحق الحق. قده اليه لا ليكون لك ولكن ليكون للحق. لا تطلب ان ينضم احد اليك. حرره من نفسك يصر من محبي الله. لا تسأل عن ان تكون محبوباً بل اسع فقط الى ان تحب. غالباً ما يرد الود اليك بود أعظم. مع ذلك لا تطلب التبادل. ادفع الآخر الى ان يسعى الى ربه فينعم عليه ربه بالبذل. حسبك أنت ان تكون حياتك في حياة الآخرين فيكون مجدك في قلب الله.
تعلم قول الكتاب: "باطل الاباطيل، كل شيء باطل" (جامعة 2:1). كل شيء باطل ما عداك وما عدا الاخوة في أعماق نفوسهم. الوجود تلا في الذات، والذات لا تصادم مسيطرين. تلاقي الذوات في فقرهم الى الله وفقر الواحد الى الآخر اذ لا شيء خارج القلب. الوجود ملكوت الله في القلوب واذ ذاك، هي واحدة فيه ويصبح كل منها عرشه. اذ ذاك، ينزل عليها المجد الحقيقي. هذا هو وجه الله اليها.
المطران جورج خضر

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات