مبارَك الآتي باسم الربّ!... أخيراً بعد انتظار طال، إثر وفاة المثلّث الرحمات المتروبوليت الياس قربان، جرى، الثلاثاء، السادس من تشرين الأوّل الجاري، اختيار ملاك جديد على أبرشية طرابلس والكورة وتوابعهما، الأرشمندريت المتوحّد أفرام (ميشال) كيرياكوس. أكان هذا اختياراً من العليّ أم من ترتيب أهل الأرض؟ لا شكّ، والوجدان في العمق شاهد، أنّ الروح تكلّم بالآباء الأساقفة فانعطف الحنّان على خرافه في أبرشية الشمال بلطف ولا أحلى! لذا بفرح وشكران نرفع الصوت: "مبارَك الآتي باسم الربّ!" "عظيم أنت يا ربّ وعجيبة أفعالك!" لمّا تذهب الأدعيةُ التي رُفعت، هنا وثمّة، سُدى، ولا يمكنها. أصوات الباطل تبقى أبداً ضجّاجة، لكنّها وحدها همسات الروح القدس تخترق الحجب لتستقرّ في عمق الكنيسة وقلوب العباد. "لأجل شقاء المساكين، لأجل أنين البائسين، الآن أقوم يقول الربّ".
أهمّ ما حدث أنّ الربّ الإله أعطانا مَن عرفناه سنين له. و"الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به لكي يكون لكم أيضاً شركة معنا. وأمّا شركتنا نحن فهي مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح. ونكتب إليكم هذا لكي يكون فرحُكم كاملاً" (1 يو 1: 3 – 4).
يا أخانا وأبانا أفرام الحبيب،
يأتون بك، اليوم، مسمَّراً على الصليب لتكون خبزاً يحوّله معلِّمك قرباناً من جسده يكسره ليطعم الجائعين إلى الحياة الأبديّة. مكسوراً تأتي والدمع ربيبك لأنّه كُتب عليك وإيّانا أن نحمل في أجسادنا سمات الربّ يسوع (غلا 6: 17). ليس سهلاً أن يأتي المرء من الرهبانيّة إلى الأسقفيّة. الرهبانيّة، أصلاً، صليبٌ وإخلاء ذات. واليوم، إذ تَرِدُ إلى الأسقفيّة تجدك في أعلى الصليب وفي عمق إخلاء الذات. كأنّي بالأسقفيّة، وقد أمعنتَ في السيرة الرهبانيّة القانونيّة، سنين مديدة، إيغالٌ في الصحراء الداخليّة. العادة أن يختار الرهبان، متى بلغوا الأشدّ، روحياً، صحراءهم الخاصة ابتغاء النسك الأكمل والتوحّد الأوحد الذي لا عزاء فيه، بعدُ، إلاّ من فوق. أمّا أنت، اليوم، وقد عرفناك، ونتكلّم عن معرفة، فلست أنت مَن يختار صحراءه الداخليّة. معلّمك اختارها لك. وكأنّي به يقول لك: تمتّعت بالرهبانيّة التقليديّة ما فيه الكفاية. كفاك قعود في بسكنتا! تعال أُرسلك إلى صحراء العالم! غريباً وردت إلى دير مار مخايل والآن صار لك فيها ومنها، إلى بقاع شتّى، أحبّة وأبناء روحيّون كثيرون، فلئلا تتبلّد وتكتفي أشاؤك أن تبدأ من جديد، في مناحٍ جديدة، في غربة أكبر، لأزيدك نعمة فوق نعمة، قبل أن تقربني بالكامل وتستقرّ فيّ إليَّ.
قلتَ، يا أخي، أن يُبعد عنك ربُّك هذه الكأس لو أمكن. ولا يكتمل قولك إلاّ بالتّتمّة: "ولكن لتكن لا مشيئتي بل مشيئتك". كخروف تساق، اليوم، إلى الذبح. ألسنا، في كلّ حال، ذريّة الذبيح؟ لا بأس عليك إذاً! على قدر غربتك في الصُقع الروحي الذي شاءه المعلّم لك يكون حضور ملاكه إليك. سلام يسوع معك في دخولك وخروجك، في ذهابك وإيابك. يُفقرك الربّ إلهك، اليوم، مما جمعتَ له ليملأك مما جمعه لك!
قالوا: أنتَ رجل صلاة ولست رجل إدارة ولا يعرفون أنّ الإدارة الكنسيّة، في عمقها، ليست علماً من علوم الدنيا. الإدارة في الكنيسة غير الإدارة في مؤسّسات هذا الدهر. مقوِّمان لمؤسّسات هذا الدهر يبرزان: التنظيم والفعالية. شيء من هذا وذاك نافع في ما هو من الكنيسة لأنّ فيها مِسحة بشريّةً لا شكّ في ذلك. لكن الأساس الأساس ليس في أيّ من هذَين المقوِّمَين ولا في كليهما معاً. الأساس هو في هذا القول السيّدي المتّاوي: "ها أنا أُرسلكم كغنم في وسط ذئاب. فكونوا حكماء كالحيّات وودعاء كالحمام" (مت 10: 16). الحكمة والوداعة! وهذان مولودا الصلاة النقيّة. نحن لا نتعاطى، في هذه الدنيا، المؤسّسات والإنجازات لذاتها. "الجسد لا ينفع شيئاً. الروح هو الذي يحيي". نحن نتعاطى كلمة الله في الناس في كلّ مِرفق. همّنا أن نأتي بالناس إلى مجاري الخلاص. "كلّ شيء لكم وأنتم للمسيح والمسيح لله". لسنا حرّاساً لإنجازات دهريّة حقّقها الذين سبقونا. نحن حرّاس للفقير حتّى يغتني بالمسيح، بعد أن نكون قد أحببناه وأشركناه بما أُعطينا مجّاناً. ونحن حرّاس للغنيّ حتّى يعي فقره إلى المسيح، بعد أن نكون قد تعهّدناه بالمودّات حتّى يُشرِك الفقير بما أُعطي مجّاناً أيضاً. الإدارة عندنا أن يكون المسيح معنا وفيما بيننا أوّلاً، أن نفسح لروح الربّ أن يديرنا كيفما يشاء لنصير واحداً وإلى الواحد. كفانا إصناماً لأوقافنا ومؤسّساتنا! هي لنا ولسنا لها. قيمتنا وكرامتنا أن نجيِّر الكلّ للأخ المحتاج حتّى يتمجّد الله بنا. بفقرنا لا بغنانا نغني كثيرين. مَن اغتنى بغير فقره إلى ربّه اكتفى بأمجاده الدنيا وسيَّب الفقير لفقره. مآل الكلام، إذاً، أنّ رجل الصلاة هو الخبير بالإدارة في كنيسة المسيح لأنّ الروح يعلّمه ولأنّه يتعاطى قلوب الناس أوّلاً، لا الحجارة والمال والبيانات. هذه لها موقعها، لكنّ روح الربّ فينا هو المدير والإدارة معاً في كلّ حال، هو الألف والياء، هو المبدأ والمآل.
وقالوا: لستَ رجلَ مواجهة تواجه السياسيّين والوجهاء والأعيان بخاصة، وطرابلس والكورة وتوابعهما بحاجة إلى مَن يواجه. لعمري ليس عدلاً أن يُحكمَ عليك في ما لم تختبره. كيف لا تكون رجلَ مواجهة وقد واجهتَ الشياطين ليل نهار بنعمة ربّك وعزمك؟! واجهتَ الأهواء والأتعاب والتجارب. إذا كنتَ قد واجهت حيل العدو أَصَعْبٌ عليك أن تواجه حِيَل الناس؟! أنتَ معلّم تمرّس في المواجهة واللطافة. ولكنَّ ما واجهتَه وتواجهه غير ما واجهوه ويتوقّعون منك أن تواجهه. لا بأس عليك إن لم يفهموك أول أمرك. المهم أن تثبت في ما أُفهمتَ من فوق، وفي النهاية سيفهمون! بالحكمة والوداعة تغلب في كلّ حال مهما حاول العدو الإيقاع بك. مَن عرف أن يواجه خطيئته عرف أن يواجه العالم!!!
لذا لا خوف عليك! مَن آزرك في الصحاري التي عبرتَ بها إلى الآن يؤازرك في الصحراء الآتية عليك. طالما بقيت إناءً لربّك واستمررت آلة صلاة إليه وعن العالم فكلّ قوى الإثم، من الأبالسة والناس، تُخضَع لك. قم! اذهب ولا تخشَ ضعفاً ولا تتردّد! لا تنظر إلى الوراء لئلا تصير عمود ملح، وحاشا! الملائكة معك، والأبالسة، بإذن الله، تحت قدميك! روح الربّ فيك أقوى ونحن، أخوتك الصغار، أبداً إليك. الله معك!
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي –دوما

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات