باسم الآب والابن والروح القدس إله واحد , آمين



لقد زرع الرب حسّ الحقيقة في قلوب الأطفال, علّموا أولادكم أن يحبوا الصدق.


أيها الأحباء:

اهتمّوا كثيراً بأولادكم. نحن نعيش في زمن يُعطى فيه الكثير من الحرية للتعبير عن الرأي، والقليل من الاهتمام بضرورة أن ترتكز الأفكار على الصدق. علموهم أن يحبّوا الصدق. (القديس مكاريوس الذي من أوبتينا).

بين الفضائل التي ينبغي غرسها في قلب الولد بمثابرة خاصة، هناك مكان أساسي ومهم للصدق، أي، إحساس بمحبة الصدق ومقت للكذب.

بعد الطاعة، يجب أن تُعطى هذه الفضيلة المرتبة الثانية. إذا كان الكذب جذر كل خطيئة، الصدق هو بداية وأساس كل الفضائل تقريباً، ولهذا السبب على الأهل أن يوجّهوا انتباههم بالدرجة الأولى نحو تغذية الصدق في أبنائهم. كيف ذلك؟


يسأل الأولاد عن كل شيء تقريباً، ويقبلون كلّ ما يقوله لهم أحد الراشدين على أنه حقيقة صادقة، إلى أن يُخدَعوا. الطفل البريء غير الفاسد من كثرة الدلال، لا يعرف شيئاً عن الكذب والنفاق؛ على العكس، إنه يتورّد خجلاً، ليس فقط عندما ينطق كذباً عن غير إرادة، بل حتى عندما يسمع الآخرين يكذبون. لقد زرع الرب حسّ الحقيقة في قلوب الأطفال. يبقى فقط أن نحفظ هذه البديهة الطبيعية وننميها ونقويها. هذه المهمة هي بالدرجة الأولى مسؤولية الأهل وهم يتمكنون من إتمامها بطريقتين: أولاً بأن يزرعوا في أطفالهم، منذ المهد، احتراماً عميقاً ومحبةً للصدق، وثانياً بأن ينمّوا فيهم ضغينة عميقة ومقتاً لكل كذب.



في الحالة الأولى ينبغي إتّباع ثلاث مبادئ أساسية:

أ) علّموا أولادكم أن يحبوا الصدق على أساس إيماني، أي بسبب محبتهم لله وطاعتهم له. ينبغي أن يحبّ الأولاد الله الأزلي الذي هو حقيقة ثابتة، ولأنه يرغب بأن نقول الصدق، ولأنه يمقت الكذب. تثبت محبة الحق فقط إذا كانت مؤسَّسة على الإيمان بالله وعلى توقير عميق له.

ب) عاملوا أولادكم بصراحة مطلقة وإخلاص، وأظهروا أن ثقتكم بهم كاملة. صدّقوا أقوالهم إلى أن تتطلعوا على بعض الكذب. لا تطلبوا منهم أن يثبّتوا صحة أقوالهم بقسم أو حلفان، ناقلين إليهم "ليكن كلامكم نعم نعم أو لا لا" على ما يرِد في الإنجيل، واكتفوا بذلك. من ناحية ثانية، إذا كان لديكم ما يكفي من الأسباب لتشكّوا في كلامهم، فعند أول مرّة يحدث هذا لا تدعوهم يلاحظون أنكم لم تصدقوهم. حاولوا أن تتأكدوا مما إذا كانوا فعلاً يكذبون. إذا كانوا قد كذبوا فعلاً، فينبغي عندها أن يدعو الأب أو الأم الولدَ وأن ينظروا في عينيه بجدية وصرامة، لكن بمحبة، وأن يقول له: "الله يحرّم الكذب؛ وهو يعرف كل شيء، ليس فقط أعمالنا بل أيضاً أفكارنا السرية؛ اللسان الكاذب ممقوت من الله". احمرار وجه الطفل خجلاً سوف يلزمه على أن يعترف بالكذبة ويكون له درساً للمستقبل".

ج) بصفتكم والدَين، عليكم أن تبرهنوا لأولادكم محبة للحقيقة واحتراماً لها؛ في كل أقوالكم وأعمالكم كونوا صادقين ولا تكذبوا. فوق كل شيء، أظهروا أنكم أصدقاء الحقيقة والديانة والإيمان الإلهيين. احذروا من اللامبالاة نحو الإيمان وانتبهوا بشكل خاص ألاّ تعطوهم انطباعاً بأن الحياة الشخصية مستقلّة عن الإيمان. إذا سمحتم لأنفسكم بالتعبير عن هكذا أفكار بحضور أولادكم فهذا ليس مجرد نزع لمحبة وتوقير الحقيقة الدينية من قلوبهم، بل هو قتل للإحساس بالحق. إن لم يكن مهماً امتلاك الفهم الصحيح لله ولخليقته، أو اتّباع ديانة صحيحة أو مزيفة، فلماذا على الإنسان أن يهتم بالحقيقة في الأمور العادية؟ وإذا كان وقوع الإنسان طوعياً في الدين الكاذب وإنكاره الوحي الإلهي أمرين مرضيين لله مثل الاعتراف بالإيمان الصحيح، فلماذا هذا الاحترام الفائق للحق؟ ختاماً، إذا كان الذين يدّعون أنّه لا يوجد دين إلهي على حق، وإذا كان الله الحق لم يعتبر أن كشف الحق في أمور الحياة المهمة أمر مستحق العناء، فكيف يُطلب من الإنسان، وحتى من الولد، أن يكون صادقاً في أمور أقل أهمية منها؟ لهذا السبب، أيها الأهل المسيحيون، إذا أردتم أن يحبّ أولادكم الحق، عليكم أن تزرعوا فيهم أولاً محبة الحقيقة الإلهية واحترامها. احفظوا قلوبكم وقلوب أولادكم من اللامبالاة نحو شؤون الإيمان. إذا لاحظ الأولاد أن موقفكم من حقائق الأمور فاتر وأنكم لا تؤمنون بكلمة الله، ألا تتوقعون منهم أن يتبنوا الموقف نفسه من الحقيقة؟ عليكم إذاً أن تظهروا بأنفسكم محبة الإلهيات وتغذّوا هذه المحبة في أولادكم.



(يتبع في الجزء الثاني)