رؤيا القدّيس نيفُن العظيمة للدينونة الأخيرة


من كتاب




القدّيس نيفُن الأسقفُ النّاسك



إصدار مكتبة البشارة (بانياس)






ذات مساء وبعد أن أنهى البار صلاته الليلية المحددة، استلقى لينام فوق الحجارة مثل العادة، وعند منتصف الليل، كان لا يزال ساهراً يُحدّق في القمر والنجوم في السّماء.
وهو في وحدته هذه، أخذ يفكّر بخطاياه ويئنُّ لأجلها، لأنه استحضر إلى ذهنه ساعة الدّينونة المخيفة. وإذ به فجأة يشاهد جَلَد السّماء ينسحب مثل الغطاء، ويظهر الربّ يسوع المسيح بحجمٍ هائل، كان يقف في الهواء مُحاطاً بالقوّات السماوية، الملائكة، و رؤساء الملائكة، الطغمات المخيفة والسلطات، مرتّبةً بكلّ خشية
أشار الرب الإله لقائد أحد الطغمات، فاقترب ذاك وهو منيرٌ مخيف، ومرهوبٌ، وقال له الربّ:
ميخائيل، ميخائيل، يا رئيس العهد، خذْ أنت و طغمتك عرش مجدي الناريّ، واذهب إلى تلّة يوشافاط، وضع هناك كعلامةٍ أُولى على ظهوري لأنه اقتربت الساعة التي سينال فيها كلّ واحد حسب أعماله. نفّذِ الأمر سريعاً لأن الوقت قد حضر...
سوف أدين أولئك الذين سجدوا للأوثان ورفضوني أنا خالقهم. والذين سجدوا للصخور والأخشاب التي أعطيتهم إياها من أجل احتياجاتهم. سوف يُسحقون جميعاً "مثل وعاءٍ من فخّار"
كذلك الأمر بالنسبة لأعدائي الهراطقة الذين تجاسروا على فصلي من أبي، والذين تجرّؤوا أن يُحدِروا الرّوح المعزي إلى مستوى الخليقة. الويل لهم، فأي جحيمٍ ينتظرهم!
سوف أظهر الآن أيضاً لليهود الذين صلبوني ولم يؤمنوا بألوهيّتي. قد أُعطِيتْ لي كلّ سلْطة وكرامة وقدرة. أنا قاضٍ عادل. في ذاك الحين حين كنتُ على الصليب كانوا يقولون" آه يا ناقض الهيكل... خلّص نفسك" وأمّا الآن " لي الإنتقام وأنا أُجازي". أنا سوف أَدينُ جنس اليهود العنيد الشرير بقسوة وأوبّخه وأُعاقبه لأنّه لم يتب. منحته فرصاً عديدة للتوبة، ولكنّه أهملها والآن سأُجري الإنتقام.
الشيء الذي سأصنعه للسدوميين الذين دنّسوا الأرض والهواء برجاستهم، في ذلك الحين أحرقتهم وسوف أحرقهم مرة ثانية، لأنهم رفضوا لذّة الروح القدس، وأحبّوا لذّة الشيطان.
وسوف أعاقب الزّناة، والحمقى المظلِمين الذين يشبهون البهائم المولعة بالزّنى. إنهم لم يكتفوا برفيق حياتهم الشرعي بل استداروا صوب الرذيلة بحماقةٍ ورمى بهم الشيطان مقيّدين في هاوية النار. ألم يسمعوا أنه " مخيفٌ الوقوع بين يديّ الله الحيّ"؟ لقد دعوتهم إلى التوبة ولكنّهم لم يتوبوا.
وسأُعاقب أيضاً اللصوص الذين جمعوا كومةً من المال بالشرّ، وارتكبوا قتلاً أيضاً. وجميع الذين اقترفوا جمّاً من الخطايا. لقد أعطيتهم فُرصاً لكي يتغيروا ولكنّهم لم يُلقوا بالاً إلى الأمر. أين هي أعمالهم الصالحة؟! قد أظهرتُ لهم الابن الشاطر كمثلٍ يحتذون به، بالإضافة إلى أمثلةٍ كثيرةٍ أخرى، حتى لا يخوروا فييأسوا بسبب خطاياهم، ولكنّهم تجاهلوا وصاياي ورفضوني. تركوني وأحبّوا الشّطارة (أي ماثلوا الابن الشاطر). مقتوني وصاروا عبيداً للخطيئة. فليسلكوا إذاً في اللهيب الذي أوقدوه هم بأنفسهم وسوف أسلم كل الذين ماتوا وهم حاقدين، إلى عذابٍ مرعب، لأنهم لم يتوقوا إلى سلامي، بل استمرّوا في حياتهم يعيشون بغضبٍ مُمَرمِرون وساخطون.وسوف أبيد الطماعين، والمرابين، وكلّ الذين استعبدوا ذواتهم للطمع، الذي هو نوع ثان من عبادة الأوثان، وسأسكب عليهم جام غضبي، لأنهم وضعوا رجاءهم على الذهب، وتجاهلوني أنا كما لو أنّي لم أكن أهتمّ بهم.
وأما المسيحيون المزيفون الذين يزعمون أنه لا توجد قيامة أموات، أو يؤمنون بأن هناك نوعٌ من التقمّص، فسوف أذيبهم في جهنّم مثل الشّمع. وحينذاك سوف يقتنعون أنه يوجد قيامة أموات.
وسوف يُعاقَب السّحرة، وواضعو السّموم وكلّ الذين يتقسّون بالضلالات.
الويل للذين يسكرون، ويهرّجون مستعملين القيثارات، والذين يغنّون، ويرقصون، ويتحامقون( يتصرفون بحماقة)، ويتخيّلون الشرور...، لقد دعوتهم ولم يسمعوني بل سخروا منّي، الآن سوف يلتهم الدّود قلوبهم. لقد منحت الكلّ رحمةً وتوبة، ولكنْ لم يبالِ أحدٌ بهذا.
وسوف أغمرُ بالظلمة كلّ الذين تجاهلوا الكتاب المقدّس الذي كتبه الروح القدس بواسطة القدّيسين.
وسأَدين كل الذين ينشغلون بالخرافات، ويلقون رجاءهم على المناجل، والفؤوس والسكاكين وما يشبهها. حينئذٍ سوف يدركون أنه كان من واجبهم أن يلقوا رجاءهم على الله وليس على مخلوقاته، سوف يتعذّبون ويرجعون عن هذا، ولكن لن يكون لديهم قوة بعد ذلك، لأنه " لي الانتقام، وأنا أجازي"
سوف أعاقب الملوك والرؤساء الذين مرمروني بظلمهم باستمرار. لقد ظلموا في أحكامهم محتقرين الناس بازدراء، هؤلاء كانوا يدفعون لهم المال. وأما سيادتي فلا تقبل تَقدِمة الهدايا. سوف أعذبهم وفقاً لظلمهم. وسيفهمون عندئذٍ أنّي أنا الرهيب الذي يزيل سلطان الرؤساء. ويعلمون أنّي مخيفٌ أكثر من جميع ملوك الأرض. الويل لهم! أي جحيمٍ ينتظرهم! لقد صرفوا بأسنانهم وأراقوا دماً بريئاً، دم أبنائهم وبناتهم ولكن، إلى أي سخطٍ سأُسلم الفعلة الذين لم يكونوا رعاة أصيلين!؟ هؤلاء الذين حطّموا كرمتي وشتّتوا خرافي! الذين رَعُوا الذهب والفضة( وليس النفوس) والتمسوا الكهنوت لأجل مصالحهم الشخصية! كم سيكون عقابهم شديداً! كم سيكون نحيبهم! سأسكبُ فوقهم كل غضبي وسخطي وسأجازيهم! لقد اهتمّوا في أن يقتنوا الخراف والثيران الفانية، وأما خرافي الناطقة فلم يبالوا بها، سأضرب بعصا آثامهم، وبالسّوط سأجلدُ ظلُْمهم، وأما الكهنة الذين يضحكون أو يتماحكون داخل كنائسي المقدّسة، فماذا سأفعل بهم؟! سوف أؤدبّهم في النار وفي الجحيم...
أنا أتيت وآتي. من لديه القوة فليواجهني...
ولكن، الويل للذي يكون خاطئاً ويقع بين يديّ، لأن كل واحد سيقف بين يديّ "عارياً". أين تتجاسر وقاحة الخطأة بأن تظهر؟ أين سيختفون من أمام وجهي؟! أين سيذهبون بخجلهم؟! سوف يخورون أمام قوّاتي الطاهرة، وسأَدين أيضاً جميع الرهبان الذين تكاسلوا عن القيام بواجباتهم، وخالفوا نذورهم التي قطعوها أمام الله والملائكة والبشر. لقد وعدوا بشيء وعملوا شيئاً آخر. سوف أُحدرهم من أعلى السّحب إلى الهاوية، إذ لم يكفهم هلاكهم الشخصيّ، بل سبّبوا العثرة للآخرين. لقد كان من الأفضل لهؤلاء لو أنهم لم يرفضوا العالم من أن ينكروه ويعيشوا بقسوة، ممتزجين بالشطارة( أي على غرار الابن الشاطر)... "لي الانقالم، وأنا أجازي".
كل الذين لم يُريدوا أن يتوبوا، أنا سأدينهم كديّان عادل.
ملأت هذه الأقوال، التي تفوّه بها الرب بصوتٍ مرعد إلى ميخائيل رئيس الأجناد السماوية، بالرعدة قوّات الملائكة التي لا حصر لها.
وبعد ذلك أمر الرب أن يُحضروا له دهور تأسيس العالم السبعة. فبدأ ميخائيل تنفيذ الأمر الإلهي. ولهذا ذهب مباشرةً إلى بيت العهد وأحضرها. كانت مثل كتبٍ عظيمة، وقام ميخائيل بوضعها أما الديان. وبعد ذلك وقف جانباً يراقب بتقوى كيف يقلّب الرب تاريخ الدهور...
أخذ الرب الدهر الأول وفتحه وقال:
· هنا يكتب في البداية: الآب، الابن، والروح القدس، إلهٌ واحدٌ في ثلاثة أقانيم
وُلد الابن من الآب، وهو خالقُ الدهور، لأنه بكلمة الرب، بالابن، صارت الدهور وخٌلقت القوّات العادمة الأجساد، وبُسطت السماوات والأرض، وما في جهنّم والبحر والأنهار" وكلّ مافيها"
وبعدما قرأ قليلأ إلى الأسفل، قال:
- يقول هنا: إن آدم مع أمرأته حوّاء، هو صورة الله غير المنظور. أعطى الله الضابط الكل، خالق كلِّ ما يرى وما لايرى، آدم وصيةً، وهي ناموس ينبغي أن يتمّ حفظه بكل دقةٍ وتأكيد، بحيث يتذكّر آدم خالقة، ولا ينسى أنه يوجد إله فوقه.
ثم تابع القراءة إلى الأسفل:
· التعدّي، الذي سقطتْ فيه صورة الله من جرّاء الضلال أو على الأغلب من عدم اليقظة والكسل. لقد سقط الإنسان وطُرد من الفردوس بقضاءٍ عادل، وبأمر الله. و لا يمكن أن يتواجد الإنسان ضمن كلّ هذه الخيرات، وهو المتعدّي العاطل
ثم قرأ إلى الأسفل قليلاً:
· ألقى قايين يده على هابيل وقتله بحسب مشورة الشرير. سوف يحترق في نار جهنّم لأنه بقي بدون توبة، بينما سيحيا إلى الأبد
وعلى هذا المنوال تصفّح كتب الدهور الستّة الأخرى.. ثم تناول في النهاية الكتاب السابع وقرأ:
· بداية الدهر السابع يعني نهاية الدهور. يبدأ الشرّ والقسوة يسودا في كل مكان. أناس الدهر السابع هم أناسٌ أشرار، حاقدون، كذابون، محبتهم كلها مُراءة، وهم محبّون للرئاسة، ومُستعبدون لخطايا السدُّوميين
ثم تابع القراءة قليلاً، قرأ شيئاً ما، وبعد ذلك أدار نظَره حزيناً إلى العلى. وضع يداً على ركبته، وباليد الأخرى غطّى وجهه وعينيه، ومكث يفكّر على هذه الحال لوقتٍ طويل. بعد قليل همس قائلاً:
· الحقّ، هذا الدّهر السابع فاق بالظلم والشرّ كل الدّهور السابقة
وبعدها قرأ للأسفل:
· لقد حُطّم اليونانيون وأوثانهم بواسطة الخشبة والرمح والمسامير التي أدخلوها في جسدي الحامل الحياة، صمت لحظات وبعد ذلك تطلّع في الكتاب وقرأ:
· إثنا عشر رئيساً من رؤساء الملك العظيم، بِيضٌ كالنّور، هزّوا البحر، سدّوا أفواه الوحوش، أغرقوا التنانين العقليّة، أناروا عمياناً، أشبعوا جياعاً، أفقروا أغنياء، واصطادوا نفوساً مائتة كثيرة مانحين لها الحياة. عظيمٌ هو أجرهم!...
وبعد قليل قال:
· أنا الحبيب اخترت شهوداً مُنتصرين لأجلي. وَصَلَتْ صداقتهم إلى السماء، ومحبتهم إلى عرشي. إنّ توقَهم هو بحسب قلبي، وعبادتهم تلهبُني بقوّة، ومجدي وقوّتي معهم!...
وبعد أن قلّب صفحاتٍ كثيرة، همس برضى وهو مُبتسم:
· الإنسان الذي أمسك بتقوى مقبض التلال السبع، وصار ملكاً عليها، كان عبداً لمحبّتي، يستحقّ ملكوت السماوات لأنه ثَبَتَ غيوراً، ومقلّداً لربّه( لسيّده)!...
وبعد أن تصفّح الكثير من الصفحات هتف:
· أيتها العروس الكلية الجمال، والفائقة الشرف، كم تاق الكثير من القساة أن يدنّسوك! هرطقاتٌ كثيرة هدّدتك ولكنّ الصخرة التي أنتِ مؤسسةٌ عليها لم تتزعزع، لأن" أبواب الجحيم لن تقوى عليها"...
· إلى الأسفل قليلاً كانت جميع خطايا البشر مسجّلة، تلك الخطايا التي صادفها الموت، ولم تكن قد مُحيت بالتوبة، وكان عددها كبيراً جداً مثل رمل البحر... قرأها الربّ بامتعاضٍ وهزّ رأسه متنهّداً...
كان حشد الملائكة الذي لا يعدّ ولا يحصى، واقفاً برعدة من خوف الغضب العادل للديّان، وعندما وصل الرب إلى منتصف هذا الدّهر، أعطى الملاحظة التالية:
· هذا الآتي هو مليءٌ برائحة الخطايا النتنة، بسبب الأعمال البشريّة، التي كلّها كاذبةٌ وملوّثة: حاقدون، قاتلون، عداوات، أحقاد.. هذا يكفيّ! سوف أُوقف هذا الّدهر في منتصفه! فللوقّف سيادة الخطيئة!
وإذ تفوّه الرب بهذه الأقوال بغضبٍ، أعطى لرئيس الملائكة ميخائيل الإشارة بالدينونة. وللوقت أخذ هذا مع طغمته العرش غير الموصوف الفائق الضياء، وغادروا. كانت الطغمة الملائكية كييرة جداً بحيث أن الأرض لم تكن تسعها، وكانت قائلة فيما تُغادر:
" قدوسٌ، قدّوسٌ، قدّوسٌ، مخوفٌ وعظيمٌ، مُتعالٍ وعجيبٌ وممجَّدٌ الربّ إلى دهر الداهرين"
وبعد ذلك تحرّك جبرائيل مع طغمته مرتّلين:
قدوسٌ، قدّوسٌ، قدّوسٌ ربّ الصباؤوت، ملآنةٌ الأرض من مجده.
فاهتزّت السماء والأرض من تلك الصرخة...
ثم انطلق رافائيل، رئيس الملائكة الثالث مع طغمته مردّدين الترنيمة:
قدوسٌ واحد، ربٌّ واحدٌ، يسوع المسيح لمجد الله الآب آمين.
وفي النهاية انطلقت المجموعة الرابعة. كان قائدها أبيض ومضيئاً كالثج، ومنظره حلو. وهو يُغادر، بدأ يرتّل بقوّة قائلاً:
" إله الآلهة، الرب نادى الأرض وكلها من مشرق الشمس إلى مغربها، من صهيون جَودَة حُسْنه. الله سيأتي علانيةً وإلهنا لا يصمت. قدّامه نارٌ متوقّدة، وحوله زوبعةٌ شديدة"
وتابع بقية المزمور. بينما أجابه مشاركوه قائلين:
" قم يا الله واحكم في الأرض، لأنك ترثُ جميع الأمم"
وبعد قليلٍ أحضروا صليب الربّ أمامه.....
وكان الصليب يسطع بالنور كمثل كوكبٍ مرعب، وفاح من عبقٌ لا يعبّر عنه. وكان يرافقه طغمتان ملائكيتان بتكريمٍ استثنائي، هما السلطات والقوّات، وبدا المشهد مهيباً جداً، القوات التي لا حصر لها كانت ترّتل بانسجامٍ فائق. بعضها كان يقول بخشية عظيمة:
"أرفعك يا إلهي ومَلِكي، وأباركُ اسمك إلى الدّهر"
والبعض الآخر كان يقول:" ارفعوا الربّ إلهنا، واسجدوا لموطئ قدميه، لأنّه قدّوسٌ هو" هللويا، هللويا، هللويا.
وبعد ذلك أُصدر أمرٌ إلهيٌّ يقضي بأن يأتي ثانيةً ميخائيل رئيس الملائكة العظيم، حتى يمثل إلى جانب عرش الربّ، ظهر ملاكٌ كان يحمل بوقاً مرعداً، تلقّفه الديّان في يديه ثم بوّقَ ثلاث مرّات، وقال ثلاث كلماتٍ، وبعد ذلك أعطاه لميخائيل وقال له:
· إذهبْ إلى الجلجلة حيث بسطتُ يديَّ الطاهرتين (على الصليب)، وبوّق هناك ثلاث مرّات
وبعد ما مضى ميخائيل، استدعى الربُّ طغمة الرئاسات وقال لقائدها:
· آمرك أن تأخذ طغمتك الإلهية وتنتشروا في كل العالم، لكي تُحضروا القدّيسين على السّحب، من الشرق والغرب، من الشمال والجنوب. سوف تجمعهم جميعاً حتى يستقبلوا ظهوري حالما يصوّت البوق.
وبعد هذه الأمور ألقى الديّان العادل بنظره إلى الأرض، وشاهد ضباباً وظلاماً، رِثاءً وويلاً وقرْع صدورٍ كثيرٍ من تعذيب التّنين الذي حطّم كلّ شيء ساحقاً إياه كالعشب، لأنه رأى ملائكة الله تجهّز له النار الأبدية
وحالما أبصر الربّ هذه الأشياء كلها، استدعى ملاكاً نارياً مخيف المنظر، قاسي الملامح، لا إشفاق لديه، كان هو رئيس الملائكة التي تُشرف على نار الجحيم وقال له:
· خذْ معك عكّازي الذي يعطي ويُعاقب. وخذْ معك عدداً لا يحصى من ملائكة طغمتك، يكونون الأكثر إخافةً وهم المعاقِبون للذين في الجحيم...
· ستذهبون إلى البحر العقلي لكي تقتفوا آثار الرّئيس المدلهمّ. اختطفْه بقوّةٍ وإحكام، واضربه بالعكّاز بلا شفقة، إلى أن تستسلم طغمة االأرواح الشريرة
وبعد أن تقيّدها جميعاً بقوة عكّازي، وبحسب أمري، سوف تلقيها في تلك الجحيم الموحشة والتي لا شفقة فيها أكثر من أية جحيمٍ أخرى!
وبعد ذلك، حين كان كلّ شيء جاهزاً، أُعِزتْ إيماءةٌ إلى رئيس الملائكة الذي كان يحمل البوق كي يبوّق بقوّة، وللحال ساد صمتٌ كسكون الأموات، وكأنَّ الأكوان كلها قد أقفَرَتْ
بصوت البوق الأول، اجتمعت أجساد الأموات كلها...
وبصوت البوق الثاني أدخل روح الربّ النفوس في الأجساد المائتة. ساد الرّثاء والعويل كلّ المسكونة. وارتعدت السماويّات والأرضيات...
وبعد ذلك صوّت البوق الثالث الأكثر رعباً، وهزّ العالم بأسره، وقام الأموات من القبور في"ومضة عين" منظرٌ مرعب!... إذ فاق عدد القائمين من القبور عدد رمل البحر
وفي هذه الأثناء انحدرت الطغمات الملائكية من السماوات نحو الأرض، كمثل مطرٍ كثيف، متّجهة صوب عرش التهيئة، وهي تصرخ قائلة:
" قدّوسٌ، قدّوسٌ، قدّوسٌ ربّ الصباؤوت، ملآنةٌ الأرض خوفاً ورعدة"
كان الشعب الذي لا يحصى كلّه مع الملائكة ينتظرون. كانوا يرتعدون ويرتجفون أمام السيادة الإلهية المخيفة التي تنحدر إلى الأرض!...
ولكن، بينما وقف الجميع ينظرون إلى العلاء، ابتدأتْ تحدث فجاةً زلازل، وبروقٌ ورعودٌ، في وادي الدّينونة، وفي الهواء، بحيث ارتعد الجميع. وآنذاك سُحبَ جَلَد السّماء مثل الكتاب، وظهر الصليب الكريم مضيئاً كالشّمس ومُصدِراً أشعة إلهية. وكانت الملائكة تحمله أمام ربنا يسوع المسيح، ديّان المسكونة الذي كان آتياً، وبعد قليلٍ، سُمع صوت تسبيحٍ وهو ترنيمة لم يسمعها أحد من قبل" مباركٌ الآتي باسم الربّ، الله هو الربّ، الديّان، المتسلّط ورئيس السّلام"
وحالما انتهى هذا التمجيد الّرعديّ الصوت، إذا بالديّان العادل يظهر فوق السحب، جالساً على عرشٍ ناريّ، وأحرق نوره النقيّ الجزيل، السماء والأرض
وفجأة من وسط حشد الأموات القائمين، بدأ بعض الناس يسطع بالنّور مثل شموسٍ! وللوقت اختُطفوا من السّحب في الهواء ليُقابلوا ربّهم. ولكن الغالبية بقيتْ أسفلْ. لم يأخذوهم إلى السماء، فانتحبوا بمرارةْ، لأنهم لم يستأهلوا أن يختطفوا هم أيضاً في السّحب، وكان الحزن والألم في نفوسهم كبيراً. سقطوا جميعاً على ركبهم أمام الديّان العادل ثم نهضوا مرةً أخرى
كان الديّان االمرهِب قد جلس على "عرش التهيئة"، واجتمعت حوله كلّ القوّات السماوية بخوفٍ ورعدة. كلّ الذين اختُفطوا في الغيوم إلى لقائه، تموضعوا على يمينه، وأما الباقون من اليهود الرؤساء، رؤساء الكهنة، الكهنة، الملوك، وجمعٌ غفير من الرهبان والعلمانيين. كان هؤلاء يقفون بخجلٍ كبير، يتوسّلون الرحمة لنفوسهم، ويرثون لأنفسهم على هلاكهم. وكانت وجوههم كالحةً، ويتنهّدون عميقاً بخشية. ساد نحيبٌ مميتٌ على الجميع، ولم تبْدُ أية تعزية لهم
ولكن، كان جميع الذين يقفون عن يمين الديّان ممجَّدين، منيرين كالشموس، ممجَّدين، بيضاً كالنّور، نارييّن، قلْ وكأنّهم صُنعوا من برقٍ إلهي ساطع بالنّور، وكانوا يُشبهون( وإن كان لا يتجاسر المرء أن يقول) ربّهم وإلههم
وحالاً ألقى الديّان المخيف بنظره إلى كلا الجهتين! نظر إلى اليمين وهو سعيدٌ وكان يبتسم. ولكن عندما أجال ببصره إلى اليسار، عبس، وغضب كثيراً، ثمّ أشاح بوجهه عنهم سريعاً. وأخذ يقول بصوت قوي للذين" عن ميامنه":
· " هلمّوا يا بني أبي، رِثوا الملْك المعدّ لكم منذ تأسيس العالم. لأني جعت فأطعمتموني. عطشت فسقيتموني. غريباً فآويتموني كنت عرياناً فكسوتموني ومريضاً فزرتموني. ومحبوساً فأتيتم إليّ"
فيجيب هؤلاء ويسألون: " يا ربّ متى رأيناك جائعاً فأطعمناك. عطشاناً فسقيناك. غريباً فآويناك وعرياناً فكسوناك أو مريضاً فزرناك. أو محبوساً فأتينا إليك؟"
" الحقّ أقول لكم، بما أنكم فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء، فبي فعلتموه"
ثم يتّجه صوب الذين عن يساره ويقول لهم بحدّة:
· " إذهبوا عنّي يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدّة لإبليس وملائكته. لأني جعت فلم تُطعموني. عطشت فلم تسقوني. غريباً فما آويتموني. وعرياناً فلم تُكسوني. ومريضاً ومحبوساً فلم تزُوروني:
فسألوه متحيّرين:
" ياربّ متى رأيناك جائعاً أو عطشاناً أو ... ولم نخدمك؟!"
فيُجيبهم الربّ ويقول لهم" الحقّ أقول لكم، بما أنكم لم تفعلوه بأحد إخوتي هؤلاء، فبي لم تفعلوه. اغربوا من أمام عينيّ يا ملعونيّ الأرض! إلى العذاب! إلى صريف الأسنان! هناك يكون العويل والنّحيب الذي لا ينتهي
وحالما أصدر الديّان العادل هذا القرار، انفجر من الشرق نهرٌ ناريٌ هائل، وكان يجري بغضبٍ صوب الغرب، كان واسعاً كمثل بحرٍ عظيم، وحين شاهده الخطأة الذين عن اليسار، ارتعبوا وبدأوا يرتجفون بعنفٍ بسبب يأسهم. ولكنّ الربّ أمر أن يعبر الجميع، أبراراً و خطأة، في وسط نهر النّار الملتهب كي تختبرهم النار...
في البداية ابتدأ الذين عن الميامين، فعبروا جميعهم وخرجوا مثل الذهب الممحصّ، لم تحترق أعمالهم، بل ظهروا أكثر ضياءً بالتجربة، ولهذا السبب فاضوا بالبهجة
وبعدهم جاء الذين عن اليسار ليعبروا داخل النار، جتى يتمّ اختبار أعمالهم. ولكن لما أنّهم كانوا خطأة، ابتدأ اللهيب يحرقهم مثل القشّ، بينما بقيتْ أجسامهم حية، وهم يحترقون لسنين ودهور لا تنتهي مع إبليس وشياطينه. لم يستطع أحدٌ منهم أن يخرج من ذاك النهر الناري، سَبتْهُمُ النار جميعاً لأنهم كانوا يستحقّون الدينونة والعقاب.
وبعد أن سُلّم الخطأة للجحيم، نهض الديّان المرهِب، عن عرشه، وتحرّك، باتّجاه القصر الإلهي، يرافقه جميع قدّيسيه. كان القدّيسون يحيطون به دوماً بخوفٍ جزيلٍ ورعدة، مع سائر القوّات السماويّة وهي ترتّل:
" ارفعوا أيها الرؤساء أبوابكم، وارتفعي أيتها الأبواب الدهرية ليدخل ملك المجد"، الربّ، وإله الآلهة، مع جميع قدّيسيه الذين سيتمتّعون بميراثٍ أبدي
فأجابت طغمة أخرى وقالت:
" مباركٌ الآتي باسم الربّ" مع سائر الذين أهَّلَتْهم نعمته أن يُدعَوا أبناء الله، " الله هو الرب" مع سكان صهيون الجديدة "ظهر لنا"
ورؤساء الملائكة الذين كانوا يمشون أما الرب، كانوا يمجدونه مرتلين تسبيحاً سماوياً بشكلٍ متناوب(أنديفوني):
"هلمّوا نبتهج بالربّ، ونرتّل لله مخلّصنا، لنطلبنَّ وجهه بالاعتراف، ولنهتفنَّ له بالمزامير"
وصرخت ضغمةٌ أخرى مرتّله:
:إن الله ربٌّ عظيم، وملكٌ عظيم على الأرض كلها. في يده أقاصي الأرض، وله أعالي الجبال"
كان الملائكة القدّيسون يرتّلون تسابيح أخرى مشابهة، بحيث أن السامع لها يبتهج ابتهاجاً لا يوصف. وهكذا دخل القدّيسون مع الرب يسوع المسيح إلى حجرة البلاط الإلهي السماوي بقلوب تطير من الفرح وللحال أُغلقت أبواب الخدر..
حينئذٍ استدعى الملك السماويّ رؤساء الملائكة. وأوائل الذين ظهروا هم ميخائيل، جبرائيل، ورافائيل، وأوريئيل، ورؤساء الطغمات
ثم تبعهم الرسل، كواكب العالم الساطعة، فأعطاهم الرب مجداً ساطعاً، واثنا عشر عرشاً ناريّ الشّكل، لكي يجلسوا بقرب المسيح معلّمهم، بكراماتٍ عظيمة. كان شكلهم يسطع بنورٍ أبديّ لا يوصف، وكانت ثيابهم بهيّة مثل الكهرمان(حجر كريم). حتّى أن رؤساء الملائكة كانوا يتعجّبون منهم. وبعد ذلك أعطاهم اثني عشر إكليلاً كريستالياً فاخراً مزيناً بحجارة كريمة جداً. و كانت الاكاليل تشعّ بنورٍ يعمي الأبصار، بينا كان الملائكة مَجيدون يحملون هذه الأكاليل على رؤوسهم
وبعد ذلك وقف الرسل السبعون أمام الربّ، ونالوا هم أيضاً كراماتٍ مشابهة وأمجاداً، ولكنّ الفرق الوحيد هو أن أكاليل الرسل الإثني عشر كانت أكثر جمالاً
والآن جاء دور الشهداء..... يتبع قريباً جداً