والآن جاء دور الشهداء. هؤلاء أخذوا مكان ومجد الجند الملائكية العظيمة التي سقطت من السّماء مع إيُسْفورس. وهكذا صار الشهداء ملائكة ورؤساء الطغمات السماوية. أحضرت الملائكة لهم للوقت عدداً كبيراً من الأكاليل ووضعتها على رؤوسهم المتقدّسة، وكما تضيء الشمس هكذا أضاءت هذه الأكاليل. وهكذا كان الشهداء القدّيسون المتألّهون يبتهجون ويُسرُّون على منوالٍ لا ينطق به.
بعد ذلك دخل جوق رؤساء الكهنة، والكهنة، والشمامسة، وباقي الإكليروس، وتمّ تتويجهم أيضاً بأكاليل بهيّة، يما يتناسب مع غيرة كلِّ واحدٍ، وصبره، ونشاطه الرعائي. كلُّ إكليلٍ يختلف عن إكليلٍ في المجد، كما يختلف مجدٌ عن مجد. وهكذا كان هناك كهنةٌ وشمامسةٌ أكثر مجداً وسطوعاً من رؤساء كهنةٍ كثيرين. أعطي كلُّ واحدٍ منهم كنيسة، لكي يقدّموا ذبيحة مقدّسة كاملةً مرضيّة عند الله على المذبح العقلي
بعد ذلك، دخل جوق الرهبان القدّيسين. فاح منظرهم عطراً سريّاً، وصدرت عنهم أشعة إلهية كمثل الشموس. زيّنهم الربّ بستّة أجنحة، وصاروا بقوّة الروح القدس مثل الشيروبيم والسيرافيم المجنّحة. وشرعوا يهتفون بصوت الرّعد، ويقولون:
" قدوسٌ، قدوسٌ، قدوسٌ ربّ الصباؤوت، ملآنة الأرض من مجده" كان مجدهم عظيماً يفوق الخيال، وإكليلهم متنوّع الزّينة وساطعاً بالنور. ونالوا كراماتٍ بحسب جهاداتهم وأتعابهم.
ثم تبعهم الأنبياء، فمنحهم الملك نشيد الأناشيد، مزامير داود، طبولاً، أجواقاً، نوراً لا هيولياً مشّعاً، وبهجةً لا تُحدّ، وتمجيد الرّوح القدس. عندها طلب منهم سيّد الخدر الإلهي أن يرتّلوا شيئاً. فرنّموا تسبيحاً مُطرباً جداً بحيث قفز الجميع من الفرح
وبعد أن نال القدّيسون هذه العطايا من يديّ المخلّص الطاهرتين، مكثوا في انتظار تلك التي" لم ترها عين،و لا سمعت بها أذن، ولا خطرت على قلب بشر"
ثم دخل جوق البشر الذين خلصوا وهم في العالم، فقراء ورؤساء، ملوكاً ومملوكين، عبيداً وأحراراً. وقفوا جميعهم أمام الربّ، وهو انتخب من بينهم الرحماء والأطهار، ومنحهم رخاء فردوس عدن، وقصوراً سماوية منيرة، وأكاليل كاملة، وتقديساً وسروراً، وعروشاً وصوالجة وملائكة تخدمهم
بعد ذلك جاء كلّ الذين صاروا : فقراء الروح" لأجل المسيح، والآن رُفعوا عالياً جداً. أعطاهم المسيح بيده إكلياً منيراً وورثوا ملكوت السماوات ودخل بعدهم "الحزانى" على خطاياهم، الذين نالوا تعزية الثالوث لقدّوس العظيمة، وبعدهم دخل"الودعاء" عديمو الشر، الذين ورثوا الأرض السماوية، حيث يقطر روح الله حلاوةً وطيباً. فاختبروا ابتهاجاً لا يوصف، ولذةً، وهم يشاهدون كيف يمنحهم الأرض المغبوطة، ونشرتْ أكاليلهم بريقاً ورديّاً
ثم تبعهم "الجياع والعطاش إلى البرّ" وأُعطي لهم أجر البرِّ لكي يشبعوا. ونيّتهم الصالحة ابتهجت في رؤيتها المسيح المَلِك يعلَّى ويُمجَّد من الملائكة القدّيسين
وبعد ذلك دخل "المضطَهَدون من أجل البرّ" ووُهِبت لهم تمجيدةٌ إلهية، وحياة عجيبة جداً، كما خُصِّص لأجلهم عرشٌ مدهشٌ ليجلسوا عليه في ملكوت السّماوات. وكانت أكاليلهم من ذهبٍ إلهي لا هيولي، يشعّ كثيراً بحيث ابتهجت أجواق الملائكة من مجدهم
وبعد ذلك دخل جوق" المطرودين" لأجل المسيح إلهنا العظيم، ومُخلّص نفوسنا، وأُصعدوا على عروشٍ ذهبيةٍ متنوّعة، ونالوا مديح الله لهم
وبعد هؤلاء دخل حشدٌ كبيرٌ من عبدة الأوثان، الذين لم يعرفوا ناموس المسيح، ولكنّهم بالطبيعة حفظوه طائعين لضميرهم. كان كثيرٌ منهم يُضيئون مثل شموسٍ من جرّاء طهارتهم ونقاوتهم. ووهبهم الرب الفردوس، وأكاليل مجيدة مُحاكة بالورد والزّنبق. ولكن بما أنّهم محرومون من المعمودية المقدّسة فقد كانوا عمياناً! لم يكونوا يُشاهدون مجد الله مطلقاً لأن المعمودية المقدِّسة هي نور النّفس وعينها. ولذلك فالشخص الذي لم ينل المعمودية إن عمل أعمالاً صالحة لا حدّ لها، فهو يرث الراحة الفردوسيّة بالتأكيد ويختبر نوعاً من عبقها وحلاوتها، ولكنه لا يرى شيئاً!...
وبعد هذه كلها رأى نيفن عروسةً تسطع بنورٍ إلهي، تأتي وتمثلُ أمام الختن، وفاح من حولها عبقُ الأطياب السماويّة. وكانت ترتدي على رأسها تاجاً ملكياً لا يُضاهى، يشعُّ منه النّور، وحدّق فيها الملائكة مندهشين، والقدّيسون منذهلين، وكانتْ نعمة الرّوح القدس تنسكب فوق قمّة ذاك الإكليل السماويّ الطاهر
وبينما هي تدخل الخِدر الإلهي، كان يتبعها جمعٌ غفير لا عدَّ له من العذارى اللواتي كنَّ يسبحنَّ الله بتمجيداتٍ ونشائد
وعندما وصلتْ الملكة العظيمة إلى قرب الختن، سجدت ثلاث مرّات مع جميع العذارى القدّيسات، حينئذٍ شاهدها "البهيّ في الحُسْن" وابتهج. أومأَ برأسه وكرّمها كأمٍّ طاهرةٍ له. فاقتربت تلك بتقوى جزيلةٍ ونعمة، وقبّلت عينيه الساهرتين أبداً، ويديه الحنونتين
بعد القبلة الأموميّة المقدّسة، منح الربّ العذارى أرديةً كليّة البهاء، وأكاليل كليّة الضياء. وبعد ذلك جاءتْ جميع القوّات العقليّة مسبّحةً ومغبِطةً وممجّدةً أمّ الرب
بعئذٍ نهض الختن من على عرشه، وإذ كانت امّه عن يمينه، وسابقه النبيّ الكلي الإكراك العظيم عن يساره، خَرَجَ من الخِدْر، وذهب إلى الحجرة الإلهية، حيث توجد الخيرات التي "التي لم ترها عين، ولم تسمع بها أذن، ولم تخطر على قلب بشر"، المجهّزة لجميع الذين أحبّوا الله. وتبعه جميع القدّيسين. وحالما شاهدوا الخيرات، فاضوا بالبهجة، وطفقوا يبتهجون، معيِّدين داخل الحجرة الإلهية، ولكن لم يستطع عبد الله نيفن أن يصف لتلميذه تلك الخيرات، مع أنّه (أي التلميذ) طلب إليه أن يخبره على أقل شيءٍ ممكنٌ قوله، وهو كان يقول له:
-لاأستطيع يا بنيّ أن أسف بلساني، أو أن أشبّه الأشياء التي هناك بأيّ شيءٍ أرضيّ. كانت تفوق ملّ فكرٍ وخيال، وتسمو على كلّ المنظورات وغير المنظورات
-إذاً حين وزّع الربّ على القدّيسين كلّ الخيرات التي لم يُسمع بها ولا يُعبّر عنها، أمر الشيروبيم أن يطوّقوا الحجرة الأبدية، كما يحيط السّور بالمدينة، ثمّ أمر السيرافيم أن يطوّقوا الشيروبيم، والعروش أن تطوّق السيرافيم، والأرباب العروش، والرئاسات الأرباب، والسيادات الرّئاسات، وفي النهاية أن تُطوِّق قوَّاتُ السّماوات السيادات، كما يُطوِّق السور المدينة، هكذا طوَّقتْ كلّ طغمةٍ من الطغمات الطُّغمة الأخرى
وعن يمين حجرة الدّهور وقف ميخائيل بكلّ جلالٍ مع طغمته. وعن اليسار وقف جبرائيل مع طُغمته، ووقف أوريئيلُ عن غربها ورافائيل عن شرقها
حدثتْ كلّ هذه الامور بأمر الربّ يسوع المسيح، الإله العظيم، ومخلّص جميع القدّيسين. كانت هذه الصّفوف الأربعة كبيرةٌ جداً، وهكذا طوّقتْ طٌغمات القوّات الأربع الخِدرَ الإلهيّ بسطوعٍ جزيل
وعندما تمَّ كلّ شيء، حينئذٍ خضعَ يسوع الإله الإنسان "للذي يخضع له الكلّ"، الله، الآب. وقدّم له كلّ السيادة والسّلْطة والرّئاسة لتي كان قد أخذها منه. ثمّ دخل يسوع وارث الآب، الملِكُ ورئيس الكهنة مع كلّ قدّيسيه الوارثين معه، إلى الحجرة الإلهية التي لا يُدنى منها
وفي نهاية الأسرار كلّها التي شاهدها القدّيس نيفن، عاين الرُّؤيا الأكثر رهبةً من كلّ الرّؤى الأخرى: أبو الابن الوحيد، الوالد، النّور الذي لا يُدنة منه غيرُ المُدرك، أشرق فجأةً ساطعاً فوق تلك الحجرة غير المحدودة، فوق القوّات الطاهرة، وفوق جميع دوائرهم وصفوفهم، وكان يُنير تلك الحجرة الفائقة النّقاوة كما تنير الشمس العالم. هكذا كان ينير أبو المراحم. وكما تمتصّ الإسفنجة النبيذ وتَضبُطُه، كذلك فاض القدِّيسون من ألوهيّة الآب التي لا تُوصف ومَلكوا معه بدون انقطاعٍ إلى الدّهور.
ومنذ ذلك الحين لم يكن يوجد لهؤلاء لا ليلٌ ولا نهار. الموجود هو فقط الآب والابن الرّوح القدس، نورٌ ورخاء، حياةٌ ورَغَد، سرورٌ ولذّة
بعد ذلك سادَ صمتٌ عميق، ومُنح لعينيّ البارّ نورٌ نقيٌ لا يُحدّ، لتتمكّن من الرؤية التالية:
أُعطي للطُغمة الأولى التي كانت تطوّق الحجرة الحجرة نشيدٌ مثل ميراثٍ دائمٍ لا ينتهي. وكانت لذّتها فائقة الجمال ولا يَضاهيها شيء. وللوقت بدأتْ الطّغمة المخيفة الإلهية تمجيداً لا يُنطق به
ومن ثمّ سَلّمت الطّغمة الأولى التسبيح التمجيديّ البهيّ للطُغمة الثاني من السيرافيم. وبدأت هذه الطغمة في ترتيل تسبيحٍ فائق الفهم. وكمثلِ عسلٍ شديد الحلاوة كان تمجيدع يتردّد في آذان القدّيسين، وابتهجوا بما يفوق الحدّ بكلِّ حواسهم. وكانت عيونهم ترى نوراً لا يُدنى منه. وحاسّة الشمّ لديهم تنشّقت عبيرَ الألوهية. وكانت آذانهم تسمع مديح القوّات الطّاهرة الإلهي، وفمُهُم يتذوّق جسد ودم الربّ يسوع المسيح جديداً في ملكوت السماوات، وأيديهم رفَعَتِ الخيرات الأبديّة، وأرجلهم كانت ترقص داخل الحجرة. وهكذا شَبِعوا بكلِّ حواسِّهم بالسّرور غير المدرَك وغير الموصوف
وقد قليلٍ سُلِّم ذاك التسبيح الإلهي من الطغمة الثانية إلى الثالثة، ومن الثالثة إلى الرابعة، وهكذا حتّى الطغمة الأخيرة، مُتسدعيةً لذّةً وابتهاجاً أحلى من العسل في قلوب القدّيسين، والأمر المُستغربُ هو أنّ الطغمات الملائكيّة لم تكن ترّتل التسبيح ذاته باستمرار، بل كان هناك تنوّعٌ لا يوصف في التسبيح الذي كانت ترّتله
وحين انهتِ الطُّغمات السبّع تمجيدها النّقيّ،حينئذٍ بدأت طغماتُُ رؤساء لملائكة التسبيح المثلّث تقديسه، رتّل ميخائيل فجاوبه جبرائيل. ثمّ رتّل رافائيل فجاوبه أورِئيل، وكان المر يسمع نغماتٍ فريدة تُسمع لأول مرّة. الأعمدة الناريّة الأربع، رؤساء الملائكة افترقوا وكان تسبيحهم ملتهباً ورّعدياً
فابتدأ جميع القدّيسين متحرّكِين بدافع ذاك الرّخاء غير المحدود، يرتّلون داخل الحجرة الإلهية مسبّحين عظائم الله
وهكذا كان التسبيح يتردّد في الداخل والخارج، وفي كلّ مكان، نشائدُ تعييديّة كانت تُلهب القلوب المقدّسة بلّذةٍ مغبوطةٍ إلى الدهور التي لا نهاية له
وجين رأة نيفن المثلّث الغبطة كل هذه الأمور، كان في حالٍ عظيمةٍ من النشورة الروحيّو الثّيُوريا، وسمع صوت الله يقول له:
·نيفن، نيفن، رائعةٌ كانتْ رؤيتٌك النبويّة، ولكنْ، أكتبْ كل تلك الأمور التي رأيتها وسمعتها، بكلّ تدقيقٍ لأنها هكذا ستحدث. أنا أظهرتها لك لأنّك صدّيقٌ أمين، وولدٌ حبيبٌ لي، ووراثٌ لملكوتي. فثق الآن بأنني أهتلك أن تصير معايناً الأسرار الغامضة الوصف، بسبب محبّتي الجزيلة العظيمة لجميع الذين يسجدون بتواضعٍ لملكوتي وسيادتي، لأنني أنا أُسَرُّ بأنْ " أطّلِعَ على الوديع والهادئ الذي يرتعد أمام كلماتي"
وبعد أن قال له الربّ هذه الأقوال، أطلقه من المعاينة (الرّؤيا) العجيبة جداً والمخيفة، التي كانت قد تملّكته لمدّة أسبوعين...
ولكنْ، أيها الربّ ربّي
نجّني من النّار
ومن صريف الأسنان
ومن العذاب
آهٍ، آه، أيَّ فرحٍ، وأيّ حبورٍ
أي إشراقٍ بالنّور ينتظر القدّيسين في السماوات!
وكم أخافٌ متسائلاً: هل يا تٌرى سأُحرم منه!
ياربّ أعن نفسي المظلمة وخلّصها
المفضلات