السؤال لا أقصد به المعنى العقائدي ولا أقصد به الذكرى التاريخية، بل أقصد الانعكاس المباشر على كل منا، لماذا أعيد عيد الفصح هذه السنة، ومالذي من الممكن أن يحدث أو يتغير في حياتي في هذا العيد؟
لنبدأ من طريقة ترتيب أعياد الكنيسة المختلفة فلربما يساعدنا هذا على فهم بعض الأمور.
من المعروف أن السنة الكنسية تبدأ في بداية شهر أيلول، وبذلك يكون أول عيد كبير في السنة الكنسية هو عيد الصليب الذي يأتي في 14 أيلول، أي قبل بدء الخريف بأسبوع، فصل الخريف هو فصل الضعف والمرض، الجو المحيط هو جو كئيب وصعب، ويبدو لذلك أنه من المناسب ورود عيد الصليب فيه حتى نشعر بمشاركة الرب لنا وتشديده لنا في آلامنا.
عيد الصليب إذاً هو عيد الألم، مثل ألم مخاض المرأة الحامل قبل الولادة.
بعد ذلك تأتي سلسلة من أعياد كبار قديسي الكنيسة ومعلميها، ولربما وضعت هنا لتكون تهيئة لاستقبال عيد الميلاد، كلمات معلمي الكنيسة وآبائها شيء بسيط من الكلمة الحقيقية نفسها التي ستتجسد لنا، وفي عمق البرد والظلمة يأتينا الرب مولوداً طفلاً بشرياً وذلك في وقت قريب من أقصر نهار في السنة الذي هو 21 كانون الأول، وبعده بفترة قصيرة يأتي عيد معمودية الرب.
فعندما يكون الإنسان في قمة ضعفه وألمه يأتيه الرب مولوداً جديداً، وبذلك كل مؤمن يولد بدوره من جديد في الرب، ويصير لديه القدرة على أن ينمو في الرب، أو بالحري أن ينمو الرب فيه.
الولادة طبعاً لا تعني أن الشخص وصل لمرحلة النضج، فهناك طريق طويل بعد من الخبرة الحياتية يجب على كل واحد أن يمر فيها حتى ينمو وينضج بشكل صحيح. بعد هذا يأتينا الصوم المقدس، إنه زمن الجهاد والتعب، ومع بداية الربيع يأتي العيد الكبير، عيد الفصح، الذي يدعى بحق عيد الأعياد وموسم المواسم.
في الربيع كل الدنيا تصير جميلة، يبدأ اليوم بالتحول فيصير النهار أطول من الليل، إنه البدء والانطلاق، وبالنسبة للمؤمن هذا العيد يعني أنه قد نضج روحياً، وأنه مستعد للانطلاق في العمل الروحي.
هل عيد الفصح هو نهاية؟ لا بل هو بداية، والفترة الفصحية التي هي أربعون يوماً ذكرى للأربعين يوماً التي قضاها الرب بعد قيامته على الأض وهو يعلم تلاميذه الأمور التي ما كان يمكن أن يفهموها قبلاً، عيد الفصح هو بمثابة شهادة التخرج للطالب ولكن بعد ذلك لا بد من فترة تدريبية قبل دخوله ميدان العمل.
بعد عيد الفصح نبدأ في الكنيسة بقراءة أعمال الرسل في الكنيسة، بعد قيامة الرب لم يعتبر التلاميذ أن كل شيء قد تم بمعنى أنه صار بإمكانهم الآن الاستراحة والانصراف إلى التمتع بملذات الحياة، بل اعتبروا القيامة موعداً للانطلاق إلى البشارة والعمل.
الفصح إذاً مثل التخرج من الجامعة، ولكن التخرج لا يعني النهاية بل بداية الدخول في حياة العمل، هو زواج النفس مع خالقها، ولكن الزواج ليس النهاية بل بداية حياة مشتركة، فيها تعب وألم ولكن فيها فرح مع ذلك.
بعد ذلك يبدأ صوم الرسل وينتهي في عيد القديسين بطرس وبولس في 29 حزيران، وهو موعد قريب من أطول يوم في السنة 21 حزيران. في هذا العيد نقرأ إقامة بطرس لطابيثة، والذي يعرف كتاب أعمال ارسل يعرف أن القسم الأول يتحدث عن بطرس وينتهي بإقامة بطرس لطابيثة من الموت، ومن تم القسم الثاني يتحدث عن بولس وينتهي بإقامة بولس لأفتيشيوس من الموت ومن ثم يأتي القسم الثالث وهو رحلة بولس إلى روما.
إن إقامة بطرس وبولس للأموات يدل على أن الرسل وصلوا إلى مرحلة مماثلة الرب في عظم أعماله، والرحلة إلى روما تعني أيضاً وصول البشارة إلى العالم أجمع التي تمثل روما عاصمته في وقت كتابة أعمال الرسل.
إذاً إن عيد الرسل هو عيد إنهاء المؤمن لعمله وتتميمه بنجاح، ماذا يأتي بعد ذلك؟ إنه تجلي الرب للمؤمن ولذلك نعيد لعيد تجلي الرب في 6 آب، وهو الوقت الذي يكون فيه حر السنة في أقصى درجاته، وبعد هذا بأيام قليلة جداً يأتينا عيد انتقال والدة العذراء، العذراء التي بلغت أقسى درجات القداسة التي يمكن لإنسان بلوغها، وهي لا تقل شيئاً عن كامل قداسة الرب التي يمنحها الرب لكل لمحبيه.
إذاً لقد عشنا الآلام قبلاً، ومن ثم ولد المسيح فينا وصرنا ننمو ونتعلم حتى بلغنا التخرج أو الزواج وبعد ذلك انطلقنا في العمل الروحي وأتمنناه في عيد الرسل ومن ثم ظهر الرب لنا وبلغنا عيد السيدة الذي هو عيد القداسة، أقصى القداسة.
فعيد الفصح إذاً ليس نهاية بل هو بداية، ولكنها بداية سعيدة لحياة فيها تعب وجهد ومع ذلك مليئة بالفرح، فرح الرب.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات