لأنّ لك الملك والقدرة والمجدتختم الصلاة الربّيّة بتسبيح ليتورجيّ كان المسيحيّون الأوائل يتلونه باطّراد (لأنّ لك الملك والقدرة والمجد أيّها الآب والابن والروح القدس الآن وكلّ أوان وإلى دهر الداهرين، آمين). وهذا التسبيح يخصّ المؤمنين جميعاً، ولو أنّ الكهنة يعلنونه وحدهم في الخدم الليتورجيّة.
ما يؤكّده الدارسون أنّ هذا التسبيح غير موجود في المخطوطات القديمة، ولا نجده قبل القرن الثاني المسيحيّ (في كتاب الديداكيّة). غير أنّ أهمّيّته، فيما يدعم استعماله تقليد الكنيسة الحيّ وطقوسها وإيماننا بأنّه يعكس مشيئة يسوع، أنّه يدعونا إلى إتمام الصلاة بالتضرّع إلى الله المثلّث الأقانيم. فبعد أن عظّمنا، في الصلاة التي علّمنا إيّاها يسوع، الله في سماواته وقدّسنا اسمه وطلبنا حلول ملكوته وعاهدنا مشيئته ورجونا فرحه الأخير (هنا في حياتنا أيضاً) وغفرانه وحمايته، نسبّحه، ثالوثاً، كملك وقدير ممجّد، نسبّحه لأنّ إتمام ما قلناه (في الصلاة الربّيّة) يخصّه، لأنّه القادر على أن يساعدنا عليه. فالصلاة الربّيّة لا يمكن لأحد من الناس أن يتمّمها بقدرته الذاتيّة، ولكن بنعمة الله ودعمه.
نختم الصلاة، إذاً، بتسبيح. والتسبيح أحد عناصر الصلاة الحيّة وذروتها، أو هو، كما يسمّيه المطران جورج (خضر) "الدعاء الأكبر" (رعيّتي 40/2002). هو والصلاة يطلبان بعضهما بعضاً ويحرّك أحدهما الآخر. هما معاً يساعدان المؤمن على الارتقاء نحو "وجه الآب" الكلّي القدرة والجمال. وتسبيح الله على صفاته وعلى صنائعه هو خصوصاً ركيزة رجاء المؤمنين. فكلّما وقفنا، مؤمنين، أمام الله لنسبّحه على حبّه المجّانيّ وملكه وقدرته ومجده، يزداد رجاؤنا فيسكب الله علينا ما يساعدنا على التسبيح مجدّداً.
يبدأ هذا التسبيح بلفظة "لأنّ"، التي تؤكّد أنّ الله الذي توّجهنا إليه في الصلاة الربّيّة قادر على إعطائنا ما طلبناه، لأنّنا أبناؤه، ولأنّ ما طلبناه هو ضمن إمكاناته. الملك، كما ورد معناه في المزمور 102: 19 ("ملكوته يسود الجميع") يفيد سيادة الله على الخليقة، علينا، كملك، وهو ما رجوناه في طلبة "ليأت ملكوتك". وهو الأمر الذي لا يرضى عنه الشرّير الذي طلبنا من الله في الصلاة، بإلحاح، أن ينجّينا منه ومن كلّ تجربة تصدر عنه. فالشرّير يكره التسبيح ويعتبره كذباً. ويثير المؤمنين محاولاً أن يمنعهم من إتمامه. ولذلك قلنا أعلاه بضرورة أداء المؤمنين هذا التسبيح، لأنّهم بذلك يبيّنون أنّ الشرّير الذي يريد تقويض مملكة الله هو الكاذب، كما وصفه يسوع، ومصدر الكذب، ويبيّنون، تالياً، أنّ الله هو "ملكهم قبل الدهور" الذي "يصنع الخلاص في الأرض" وينقذهم من براثين الشرّير. أمّا قدرة الله فتدلّ، كونها والمجد من صفات ملكه، على سيادته التي يظهرها في إحسانه على خليقته الحرّة. هي ليست قدرة متهكّمة أو متعسّفة، ولكنّها القدرة التي تبيّن أن الله صالح في جوهره وصالح في تدبيره الخلاصيّ. وإذا قلنا لله "لك المجد" فإنّنا نريد من قولنا أن نؤكّد أنّ الله صانعنا وفادينا. هو، الآن وكلّ أوان وإلى دهر الداهرين، مجيد في ذاته وفي ما يعمله في العالم. ونريده أن يكون مجيداً في قلوبنا التي لا يملك عليها إن لم نقدّمها له أحراراً كأبناء حقيقيّين. وهذا يفترض تعهّداً منّا بأنّنا لن نخون حبّه أبداً. وأنّنا سنلتزم، ما حيينا، تسبيحه وعبادته في كلّ وقت. ومن قدر على اتّخاذ هذا القرار، بجدّيّة كاملة، يشركه الله في حياته الإلهيّة ويورثه الملكوت الذي أعدّه لأحبّائه والمخلصين له.
ولعلّه من المفيد أن نذكر أنّ موقع الصلاة الربّيّة التي يتلوها المؤمنون في القدّاس الإلهيّ هو بعد استحالة القرابين وقبل تقدّمهم من مناولة جسد الربّ ودمه. وهكذا يكون هذا التسبيح إعلان الكنيسة المجتمعة التي تمجّد الله الحاضر والآتي في آخر الأزمنة. فالإفخارستيا شأنها أن تنبّه المؤمنين أو تذكّرهم بأنّ هذا الملكوت الآتي حاضر الآن وهنا، وهم يمكنهم أن يذوقوه بالشوق والواقع "الآن" ويقبلوه "الآن" في اجتماعهم المقدّس. فكنيسة المسيح المجتمعة حوله هي "المكان" (إذا جاز التعبير) الذي يحضر فيه الله المثلّث الأقانيم بمجده، يحضر ليرفعهم إلى "فوق"، إلى "المكان" الذي أعلنوا في الخدمة عينها أنّهم منتمون إليه.
كلّما قلنا لله المثلّث الأقانيم: "لأنّ لك الملك والقدرة والمجد"، فلنذكر أنّه ملك وقدير وممجّد باستقلال عنّا، وأنّ هذا التسبيح يكون صلاتنا الحقيقيّة إذا قبلناه ملكاً وحيداً على حياتنا، وفهمنا أنّه معيننا ومنقذنا، بقدرته، في أوقات الفوضى وفي كلّ وقت. ولنذكر، تالياً، أنّنا إذا تخلّينا، في حياتنا، عن كلّ مجد زائل يريد العالم أن يوهمنا أنّه أبديّ، يهبنا الله المجد الحقيقيّ في يوم الفرح الأخير ويعترف بنا أنّنا أبناؤه حقّاً.
تمت
صلواتكم

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات