النص المتّاوي
“Pavter hm§n evvvvn toiς ouranoi]ς, agiasqjhvtw tov o[nomav sou. Elqevtw h basileiva sou, genhqhvtw to qevlhmav sou, wς en ouran§ kai epi thvς gh]ς. Tovn a[rton hm§n tovn epiouvsion jdovς hmi]n shvmeron. Kai a[feς hmi]n ta ofeilhvmata hm§n, wς kai hmeiς afhvkamen toi]ς ofeilevtaiς hm§n. kai jmhv eisenevgkhς hma]ς eiς peirasmovn, allav ru]sai hma]ς apov tou] ponhrou]."
ترجمة النص
أبانا الذي في السموات، ليقدَّس اسمك. ليأت ملكوتك، لتصر مشيئتك ، كما في السماء كذلك على الأرض. خبزنا الآتي أعطنا اليوم. واترك لنا ديوننا، لأننا نحن أيضاً قد تركنا لمدينينا . ولا تدخلنا في تجربةٍ، لكن نجنا من الشرير .
تقسيم النص
من الواضح أن صيغة الصلاة الربية في إنجيلي متى ولوقا مبنية بناءاً متوازياً ومتوازناً، فهي تتبع نمطاً شعرياً واضحاً في كلا الإنجيلين. مع العلم أن الشكل المتّاوي لهذه الصلاة يبدو أكثر أمانةً للتقابل الشعري من الشكل اللوقاني والذي يُفسد هذا التقابل مرات عدة. على هذا الأساس يمكننا تقسيم نص الصلاة الربية على الشكل التالي:
التقسيم
الشكل المتّاوي \ الشكل اللوقاني
نداء افتتاحي
أبانا
الذي في السموات أيها الأب
…………………….
الابتهالات
ليقدَّس اسمك
ليأت ملكوتك
لتصر مشيئتك ليقدَّس اسمك
ليأت ملكوتك
…………….
عبارةالوصل
كما في السماء كذلك علىالأرض
………………………………….
التوسلات
خبزنا الآتي أعطنا اليوم
واترك لنا ديوننا
كما نحن قد تركنا لمدينينا
ولا تدخلنا في تجربة
لكن نجنا من الشرير خبزنا الآتي أعطنا كل يوم
واترك لنا خطايانا
لأننا نحن أيضاً نترك لكل من يدين لنا
ولا تدخلنا في تجربة
…………………….
اللغة الأصلية للصلاة الربية
لطالما اختلف الشرَّاح حول اللغة التي استعملها يسوع عندما علّم تلاميذه الصلاة الربية. فيذهب بعضهم إلى كونها اللغة العبرية معتمدين في ذلك على أنها نص صلاة، وبما أن اللغة الرسمية في صلوات الهيكل والمجامع هي اللغة العبرية فلا بد أن يكون قد تفوه بها باللغة العبرية . إلا أن وجهة النظر هذه تقحم الصلاة الربية بالضرورة ضمن صلوات الهيكل التي كانت معروفة للجميع آنذاك وليس من داعي ليعيد يسوع تكرارها ولو بهيكلية مختلفة.إنها تأتي عند لوقا استجابة لنداء التلاميذ "يا رب علمنا أن نصلي كما علم يوحنا أيضاً تلاميذه" (لو1:11)، أما متى فيدرجها متى ضمن إطار تعليمي وذلك ضمن تعاليم يسوع في العظة على الجبل حول الصدقة والصوم والصلاة. كل هذا يشير إلى أن يسوع لم يرد إضافة نص صلاة على نصوص الصلوات الأخرى التي كانت تتلى في الهيكل بقدر ما كان يريد أن يعلم أتباعه صلاة شخصية تضعهم وجه لوجه أمام فكرة المُلك السماوي (ملكوت الله).وبهذا نستطيع أن نرجح فكرة أن يسوع قد استعمل اللغة الآرامية (اللغة المحكية) ليعلم تلاميذه هذه الصلاة، التي هي أصلاً تتعلق بحياتهم اليومية سواء أكان جسدياً أم روحياً مبتعداً بذلك عن لغة الهيكل.
قراءة إزائية للصلاة الربية
إن الصلاة الربية في شكلها المعروف ترد في إنجيلي لوقا2:11-4 ومتى9:6-13 والتي استقاها كل من الإنجيليين _بشكلٍ مباشر أو غير مباشر_ عن المصدر ذاته (Q) . في حين يصيغها لوقا بشكلها المختصر، يسردها متى بصيغةٍ أطول .بمقارنة هذين النصين لا بد لنا من أن نلحظ العديد من الاختلافات بينهما. فبينما يبدأ لوقا بنداء مختصر " أيها الأب"، يستهل متى صلاته بنداء ذي طابع يهودي واضح " أبانا الذي في السموات"، من ثم يضيف طلبة ثالثة في القسم الأول من صلاته مرتبطة بالطلبتين الأوليتين "لتكن مشيئتك". ويعمل على ربط الابتهالات والتوسلات بعبارةٍ ملائمةٍ جداً " كما في السماء كذلك على الأرض" وبهذه العبارة يضع خاتمة مناسبة للابتهالات مرتبطة بشكل وثيق بالنداء الأولي، في نهاية الصلاة نجد أن متى طّول الطلبة الأخيرة ليجعلها طلبة نقيضة . أما من الناحية اللغوية، فنلاحظ أن الصيغة المتّاوية المطولة تعطي للصلاة طابع يهودي أكثر من الصيغة اللوقانية والتي تعتمد على الصياغة المختصرة لكلمات الصلاة . فنجد أن لوقا حول الأمر الماضي dovò إلى الأمر الحاضر divdou، وعدّل ظرف الزمان shvmeron (اليوم) إلى kaq hmevran(كل يوم) لتتوافق تماماً مع صيغة الأمر الحاضر والذي يحمل مفهموم الاستمرارية. كما أنه أفسد التقابل بين ofeilhvmata (الديون) و ofeilevtaiò (المدينين) مستعملاً amartaivò (خطايا) وبهذا تجاهل المفهوم السامي لكلمة دَيّن debt والذي لربما صَعُب فهمه على المسيحيين الأمميين الذين توجه له ببشارته. وعمل على تغيير الماضي التام afhvkamen (قد غفرنا) إلى afivomen (نغفر) والذي يعطي للمدينين debtors معنى أوسع وأكثر شمولية بمعنى "كل من أخطأ إلينا" ، وهكذا إذ يحدد متى الغفران في اللحظة التي تسبق الصلاة، فأن لوقا يجعله يمتد مدى الحياة . الإضافات المتّاوية من جهة والتلاعبات اللغوية اللوقانية من جهةٍ أخرى تطرح علينا بإلحاح التساؤل التالي، ألا وهو: أي الصيغتين هي الصيغة الأصلية؟! أيمكن أن تكون صيغة متى والتي استُخدمت في كنيسة غالبيتها من اليهود المهتدين؟ أم صيغة لوقا والتي بدورها استخدمت في كنيسة غالبيتها من أصل وثني؟
الصيغة الأصلية للصلاة الربية
جليٌّ أن متى وجّه بشارته لأناس تعلموا الصلاة عن ظهر قلب، بينما لوقا وجّهها لأناس كان منا يزال عليهم أن يتعلموا كيفية الصلاة. أي أن لوقا أعطانا الصلاة الربية بشكلها اليهودي-المسيحي، في حين قدمها إلينا لوقا بشكلها الأممي-المسيحي.
وجود الصلاة الربية في الذيذاخية Didache يشير إلى أنها كانت جزء من التعليم حول الصلاة في الكنيسة الأولى عامةً (يهود وأممين)، وجزء من التعليم الذي اتبعه معلمي الدين والمُعمدين، هذا كله نفهمه من كونها ضُمنت في الذيذاخية وغيرها من المصادر الليتورجية القديمة. أي أن الكنيستين اليهودية المسيحية والأممية المسيحية وافقتا على أن طريقة تعليم الصلاة هي عِبر الصلاة الربية. هذا يدل على أن الاختلافات بين الشكل اللوقاني والمتّاوي ليس نتيجة تداخل أو اصطكاك البشارتين معاً ، بل بكل بساطة هذا يعني أن هناك شكلين الصلاة الربية وجِدا منذ وقت قديم يصعُب تحديده واستُعملا في كنيستين مختلفتين .
لكي نصل إلى الصيغة الأصلية إلى الصلاة الربية، لا بدّ من أن نناقش وبالتفصيل الاختلافات الشكلية البنيوية واختلافات الصياغة اللغوية في كلا النصين.
أولاً-مناقشة
الشكل (الطول)
الشكل اللوقاني متضمن كلياً في الشكل المتّاوي، وهي النقطة الأساسية في حسم الموضوع. إذ أننا نستدل من شهادات النصوص الليتورجية على أن الشكل المتّاوي المطول كان معروف(متقن) منذ القرن الأول، بما أنه وبحسب قواعد النقد النصي الشكل الأقصر يكون عادةً الأقدم، فهذا يشير إلى أن الشكل اللوقاني أقدم من الشكل المتّاوي . فمن غير المعقول أن يكون الشكل اللوقاني هو نتيجة تنقيح ل Q وللشكل المتّاوي، ومن غير المنطقي أن يكون لوقا أهمل أو حذف تعابير من الصلاة التي علّمها المسيح ، كيف يحذف طلبتين من الصلاة التي فاه بها السيد وهو المعروف بكونه إنجيلي الصلاة .
ثانياً-مناقشة
النداء الافتتاحي
إن المقارنة بين النداء الافتتاحي المتّاوي واللوقاني يطرح التساؤل التالي: أيهما ه النداء الأصلي؟! لكي نصل إلى نتيجة معينة لا بد وأن نلحظ العديد من المعطيات، ألا وهي:
1-النداء اللوقاني pavter والذي هو ترجمة للكلمة الآرامية Abbav، بحسب أهم المخطوطات لا يرد pavter hm§n لذلك من الصعب وبحسب قواعد النقد النصي أن يكون أحداً ما قد غيّر "أبانا" إلى "أبّا" بل العكس هو الصحيح. لذلك من الأرجح أن يكون متى أضاف ضمير الملكية hm§n إلى pavter ليجعل من النداء "أبانا". هذا غير مستبعد عند متى وخصوصاً أن استعمال ضمير الملكية hm§n باشتقاقاته المختلفة مع كلمة patrovò من ثم ربطها مع عبارة "الذي في السموات" هو من الوصف (العَزو) المتّاوي المفضل ، و لربما أخذها عن مر25:11-26، الملفت أنها لم تنل اهتمام لوقا أبداً مع أنه على الأرجح عرفها .
***
2- النداء اللوقاوي يتناسب مع صلوات المسيحيين الأولين، بينما النداء المتّاوي يتناسب مع عادة المسيحيين الفلسطينيين من أصل يهودي. إذ لا يتوفر دليل على أن الأدب اليهودي _على الرغم من غناه بالتعابير- استعمل كلمة "أبّا" منادياً بها الله ، هذا الاستعمال مقتصر على الرب يسوع (راجع لو21:10، 42:22) . وعلى الأغلب هذا هو سبب التعديل الذي أجراه متى -الذي وجّه بشارته إلى مجتمع مسيحي من أصل يهودي- على النداء الأولي، لتناسب بذلك مع عادة سامعيه.
***
3-بما أن يسوع -على الأرجح- فاه بالصلاة الربية في اللغة الآرامية المحكية، فلا بدّ من أن يكون استعمل "أبّا" وليس "أبانا". وكلمة Abbav كلمة آرامية يستعملها الأولاد عندما ينادون آبائهم، ويؤكد التلمود على هذا قائلاً: "عندما يختبر الطفل طعم الدقيق فإنه يتعلم أن يقول أبّا وأمّا" . هذا الاستعمال يؤكد أن المسيح كان يتوجه إلى الإله السماوي ليس فقط كأب، بل منادياً إياه كما ينادي الأطفال آبائهم الأرضيين (راجع أش4:8) ليشير بذلك لبنوته الحقيقة للآب وليس المجازية (كما تُفهم من خلال التعبير المتّاوي المتهود). من خلال هذا النداء أعطى المسيح لأتباعه_ الذين طلبوا منه أن يعلمهم أن يصلوا_ من بعده الحق في مناداة الله "أبّا" كأعضاء عائلة الله. والكنيسة الأولى اعتبرت ومنذ البداية أن المسيح أعطى التلاميذ من خلال هذا النداء حق المشاركة في سلطانه كأبناء ( أو كأطفال، لأن الطفل ينادي أبّا) لأبيهم السماوي ، وهذا واضح تماماً من استعمال بولس الرسول لهذا النداء (راجع رو15:8، غلا6:4). كل هذا يشير إلى أن النداء اللوقاني هو الأقدم لأنه حافظ على تعبير المسيح الذي أراد أن يعلم تلاميذه صلاةً جديدةً ليفهموا من خلالها بنوتهم لله عن طريق التبني بيسوع المسيح. إذ لم يعد الله السيد المتعالي الساكن في السماء فحسب، بل غدا أيضاً قريب إليهم كمثل قرب الأب إلى أولاده، هذا ما نستشفه من النداء اللوقاني ذي الخلفية الآرامية .
المفضلات