بل نفتخر أيضاً في الضيقات عالمين أن الضيق ينشىء صبراً (رو 5 : 3)

إن ما يجعلنا نفتخر ليس هو فقط الإيمان بعطايا الله الحاضرة والمستقبلة، بل هو أيضاً الضيقات والشدائد. هذه أيضاً يمكن أن تكون سبباً لجعلنا أكثر جمالاً وبهاءً. فإذا كانت الضيقات تسبب لنا الخير وتجعلنا نفتخر بها، فتصور كم هي مهمة الأمور السماوية. حقاً إن عطية الله لنا مهمة وعظيمة. وهذا لأن الشدائد والمحن، ولو بدت من الخارج متعبة وثقيلة، إلا إلا أنها تجلب الفرح والراحة الداخلية لمن يصبر عليها بتمييزٍ متكلاً على الله. ولهذا يقول الرسول: * "عالمين أن الضيق ينشىء صبراً" (رو 5 : 3 ب)

لأن الكثيرين يضطربون أثناء الضيقات ويصابون باليأس فاقدين الرجاء بالسماويات. (يورد القديس كيرلس الاسكندراني التشبيه التالي: " كما أن البخور عند استعماله واحتراقه يُظهر جودة رائحته، هكذا النفس الممتحنة بالشدائد والضيقات تُظهر مدى فضيلتها". ويقول الحكيم فوتيوس "كيف يمكننا أن نفتخر بالشدائد؟ هذا لأننا نحب الله جداً. فالذي يحب يفرح حتى إذا تألم بداعي محبته")

* "والصبر ينشىء تزكية، والتزكية رجاء" (رو 5 : 4). يتابع الرسول تعليمه بأن الصبر على الشدائد بإيمان يُكسبنا الفضيلة. فالشدائد لا تمحو منا لا بل تزيده وتنميه، وتجعل من الإنسان الواقع تحت المحنة إنساناً كاملاً وفاضلاً. المهم أن ننظر إلى هذه المحن بضمير صالح عالمين أن كل شيء يتم من أجل خلاص نفوسنا. إن الشدة حتى قبل مجيء الخيرات المستقبلة، لها ثمر عظيم وهو الصبر. والشدة تساهم في تحقيق الخيرات المستقبلة لأنها ترفع الرجاء فينا إلى القمة. فإنه لا شيء يثير فينا الرجاء نحو الخيرات أكثر من الضمير الصالح.

(يقول القديس فوتيوس: "إن بولس الرسول بدأ برجاء مجد الله وانتهى بأن الرجاء لا يُخزى ليُظهر أن الرجاء الأول هو رجاء المبتدئين الذي لا يُمتحن بالشدائد والضيقات. أما الرجاء الآخر فهو رجاء الكاملين المختبر بالتجارب وهو الذي يتمتع بالمرجوات. وعلى سبيل المثال قصة إبراهيم الذي وعده الله بأن يصير أباً لأمم كثيرة وهو في شيخوخته مع سارة. هذا كان رجاءه الأول غير المختبر وقد امتحنه الله مع ذبيحة إسحق فأسرع ابراهيم بدون تفكير لذبح ابنه....وهذا هو الرجاء الكامل").

لا يوجد شيء على الإطلاق يمكن أن يُخزي رجاءنا ولهذا قال الرسول: * "والرجاء لا يُخزى لأن محبة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المُعطى لنا" (رو 5 : 5).

لقد أفاض علينا الله محبته لكي يكون رجاؤنا أكثر ثباتاً.

رُب قائل: ما الذي يبرهن لنا أن الله سوف يهبنا الخيرات المستقبلة حتى يكون لنا رجاء؟

نحن نتعلم ذلك مما صنعه لنا.

وماذا صنع لنا؟...... أظهر مبحته.

وماذا فعل أيضاً؟ ....... أرسل لنا روحه القّدوس.

لذلك قال الرسول: "الرجاء لا يُخزى"، وأضاف "لأن محبة الله قد انسكبت في قلوبنا".

لم يقل "أُعطيت لنا" بل قال "أفيضت في قلوبنا" لندرك كم هي وفيرة وغزيرة هذه المحبة. تلك كانت أعظم عطية أعطانا إياها الله، وقد جعلت من البشر ملائكة وأبناء الله وإخوة للرب يسوع المسيح.وما هي؟ الروح القدس. أعطى إذاً هدية عظيمة، ليست هي السماء ولا الأرض ولا البحر، بل ما أهو أثمن من كل ذلك. أعطى الروح القدس الذي يجعل الناس ملائكة وأبناء الله.

لو لم يكن الله يريد أن يعطينا أكاليل المجد بعد الأتعاب والشدائد، لما أعطانا الخيرات الأرضية وعربون الروح قبل هذه الأتعاب. وهو أيضاً يُظهر حرارة محبته لنا بواسطة روحه القّدوس الذي لم يعطنا إياه بالتدريج بل أفاضه علينا مرة واحد قبل أن نبدأ بمسيرة الجهاد والتعب.

صلواتكم