يستهوي الكثير من البروتستانت الاقتباس من آيات الكتاب المقدس للدلالة على أن الإنسان ينال الخلاص بمجرد قبوله الإيمان الشخصي بيسوع المسيح، وبأن هذا الخلاص مضمون. بالطبع معظم الأرثوذكس قليلو الخيرة في التعامل مع آيات الكتاب ويا للآسف، فضلاً عن أن موضوع الخلاص لم يُطرح قط في الكنيسة الأرثوذكسية على هذا النحو. دراسة موضوع الخلاص دراسة كتابياً أمرٌ خارج على نطاق هذه العجالة، إنما لا بد لي من ذكر بعض الملاحظات العامة التي تساعد المسيحي على فهم الآيات الكتابية.

في البداية لا بد من تعريف الخلاص الذي نتكلم عنه خاصة لدى مناقشات الآيات الكتابية. إذا كان الإنسان قد خُلق بدون عيب وفي حالة شركة مع الله، وكانت هذه الشركة تتطور إلى أن سقط بسبب المضلِّل، فإن "الخلاص" بطبيعة الحال هو العودة، على الأقل، إلى حالة الإنسان قبل السقوط، أي الخلاص يعني التخلص من الفسادية والخطيئة والموت التي دخلت كلها على الطبيعة البشرية وعلى حياة الإنسان. بالطبع نحن في المسيح سنصل إلى ما كان آدم مدعواً إليه، لا مجرد حياة الشركة مع الله، بل الاتحاد بالله، التقدّس بنعمة الله غير المخلوقة، "شركاء الطبيعة الإلهية" أي التأله. هذا في الأرثوذكسية. وكما وجدنا إن الله لا يتغيّر بسبب سقوطنا. فهو يحبنا دائماً ويريدنا أن نشاركه حياته. الأمر متوقف بالكلية علينا: "اليوم إن سمعتم صوته لا تقسوا قلوبكم". هو دائماً يدعونا إليه. في الأرثوذكسية ليس الخلاص حكم الله القضائي علينا، سواء "مذنب أم بريء". حكم الله لا يغيّر من طبيعتنا المريضة. الخلاص هو الولادة الجديدة بالروح القدس؛ هو استرجاع الصورة الإلهية المهشَّمة في الإنسان إلى رونقها وعافيتها. هو تقلّد أسلحة روحية بالروح القدس الساكن فينا عند مسحنا بالميرون المقدس. هو جهاد الإنسان الروحي، روحاً وجسداً، حتى الوصول إلى قياس قامة ملء المسيح. لهذا نلاحظ أن اللاهوت الغربي يتنكّر عملياً للتجسّد الإلهي ولمفاعيله في حياة الإنسان. لو كان الخلاص أمراً قضائياً يصدره الله لما احتاج السيد أن يتجسّد ويُصلب ويقوم.

أولاً - الآيات الكتابية الدالّة على أن الخلاص أمرٌ آني يتحقق للتو بالكلام:

"كل مَن يدعو باسم الرب يخلص" (أع 2: 21 ورو 10: 13)

"وكان الرب كل يوم يضمّ إلى الكنيسة الذي يخلصون" (أع 2: 47)

"آمن بالرب يسوع المسيح فتخلص أنت وأهل بيتك" (أع 16: 31)

" إن اعترفتَ بفمك بالرب يسوع وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خلصت" (رو 10: 9).

"إذ نعلم أن الإنسان لا يتبرّر بأعمال الناموس بل بإيمان يسوع المسيح" (غلا 2: 16)

"بالنعمة أنتم مخلّصون" (أف 2: 5)

"لأنكم بالنعمة مخلَّصون بالإيمان وذلك ليس منكم. هو عطية الله. ليس من أعمالٍ كي لا يفتخر أحدٌ" (أف 2: 8-9)

"ليحلّ المسيح بالإيمان في قلوبكم" (أف 3: 17)

"بكلامك تتبرّر وبكلامك تُدان" (مت 12: 37)

نلاحظ هنا أن كتبة العهد الجديد يستعملون كلمة "الخلاص" بمعانٍ عديدة ومغايرة للمفهوم الغربي (خاصة البروتستانتي). مثلاً: القديس بولس كان يستعمل كلمة "قديس" استعمالاً مغايراً لاستعمالها الحالي؛ كان يدعو جميع المؤمنين قديسين أي "مفروزين" لأن حياتهم قد تغيّرت بالمسيح فصاروا مغايرين لأهل العالم ومفروزين عنهم. الأمر نفسه في الخلاص: جميع المؤمنين الذين آمنوا بيسوع المسيح نالوا "خلاصاً"، صاروا "مخلَّصين" مثلما صاروا "مقدَّسين" و"قدّيسين" و"مفروزين". المؤمنون بيسوع نالوا شيئاً بل أشياء لم ينلها غير المؤمنين بيسوع. لهذا هم مخلَّصون. لكن هل كان كتبة الآيات السابقة يقصدون بالخلاص ما يقصده بروتستانت اليوم؟ هذا ما سنراه أدناه.

لكن قبل الانتقال إلى المجموعة الثانية من الآيات، يجب أن نلاحظ ما يلي فيما يخصّ الآيات السابقة:

1. عند الحديث عن الخلاص بالإيمان مقابل الأعمال، فإن المقصود حصراً هو أعمال ناموس موسى وليس أعمال الإيمان المسيحي على ما سنراه لاحقاً. ناموس موسى سبّب مشكلة كبيرة للمسيحية الأولى نرى صداها في آيات الكتاب التي تركّز على أن الخلاص هو حصراً بالإيمان لا بأعمال الناموس كيلا يفتخر أحدٌ.

2. إن القول "كل من يدعو باسم الرب يخلص" (أع 2: 21 ورو 10: 13) لا يعني أن يلغي دور المعمودية وسواها في خلاص الإنسان. إنما المقصود أنه لا يوجد خلاص سوى باسم الرب يسوع الذي "رفعه الله أيضاً وأعطاه اسماً فوق كل اسم، لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممّن في السماء وعلى الأرض ومَن تحت الأرض، ويعترف كل لسانٌ أن يسوع المسيح هو ربٌ لمجد الله الآب" (فيلبي 2: 9-11).

البروتستانت مغرومون بالاقتباس من المجموعة الأولى من الآيات لإثبات صحة تعليمهم. لكن هل هو تعليم العهد الجديد أيضاً؟ هذا ما ستكتشفه المجموعات التالية من الآيات.

ثانياً - آيات تدل على ضرورة جهاد المؤمنين "المخلَّصين" حتى بلوغ الخلاص المرتقب:

لو كنا "مخلَّصين" على الطريقة البروتستانتية لما احتجنا إلى الجهاد ضد الأهواء والشهوات وإلخ... لو كان "المخلِّص" على الطريقة البروتستانتية ضمن خلاصه لكان في حالة خلاص من الأهواء والشهوات والتجارب والآلام وإمكانية السقوط، إلخ. فهل هذا ما كان يقصده كتبة العهد الجديد؟ لنرَ:

"لأن الإرادة حاضرة عندي وأما أن أفعل الحسنى فلستُ أجدُّ. لأني لستُ أفعل الصالح الذي أريده، بل الشرّ الذي لستُ أريده فإياه أفعل... فلستُ بعد أفعله أنا بل الخطيّة الساكنة فيّ" (رو 7: 18-20) حتى بعد "الخلاص" بولس يفعل الشر الذي لا يريده، بسبب الخطية الساكنة فيه.

"إذاً أنا نفسي بذهني أخدم ناموس الله ولكن بالجسد ناموسَ الخطيئة" (رو 7: 25) إذاً لا تملكنَّ الخطيّة في جسدكم المائت لكي تطيعوها في شهواته، ولا تقدّموا أعضاءكم آلات إثم للخطية..." (رو 6: 12-13).

"جرّبوا أنفسكم هل أنتم في الإيمان؟ امتحنوا أنفسكم" (2 كور 13: 5). لماذا نمتحن أنفسنا إن كنا نظن أننا "مخلَّصون" على الطريقة البروتستانتية؟!

"لكي تقدروا أن تقاوموا في اليوم الشرير وبعد أن تتمّموا كل شيء أن تثبتوا (أف6: 13) يجب أن نقاوم وأن نتمّم وأن نثبت حتى ننال الخلاص!

"ليس أني قد نلتُ أو صرتُ كاملاً، ولكني أسعى لعلّي أدرك الذي لأجله أدركني أيضاً المسيح يسوع" (فيل 3: 12). "الخلاص" يعني "الكمال". لكن بولس لا يجرؤ على القول أنه وصل إلى الكمال، فهل هو مخلَّص على الطريقة البروتستانتية؟! بالطبع لا. بل هو مخلَّص على الطريقة المسيحية: لقد نال عربون الخلاص وهو يجاهد الآن حتى يصل إلى ملء الخلاص الذي يناله في اليوم الأخير عندما يرى الله وجهاً لوجه. هذا ما يكرّره سابقاً ولاحقاً كما نرى:

"أيها الأخوة، لستُ أحسبُ نفسي أني أدركتُ، ولكني أفعل شيئاً واحداً: إذ أنا أنسى ما هو وراء وأمتد إلى ما هو قدام" (فيل 3: 13).

"فلا ننم إذاً كالباقين بل لنسهر ونصح" (1 تسا 5: 6).

"لم تقاوموا بعد حتى الدم مجاهدين ضد الخطيئة" (عبر 12: 4).

الضمانة الأبدية هي تعليم بروتستانتي مهم في "الخلاص" كما رأينا. فالمخلَّص لا يسقط لأن المسيح يُقيمه إن سقط ويخلَّصه. يردّد البروتستانت: "المسيح أمين ولا يترك أحباءه ولو سقطوا". السؤال هنا: ماذا لو سقطوا هؤلاء الأحباء ولم يتوبوا؟ ماذا لو رفض هؤلاء "الأحباء" المسيح حتى بعد قبولهم له؟ هذا ما تجيب عليه المجموعة الثالثة من الآيات:

ثالثاً - آيات تدل على أن "المخلَّصين" عرضة لتجارب والسقوط والهلاك:

قصة حنانيا وسفيرة (أع 5: 1-11) مثالٌ بليغ لنا: فحنانيا وسفيرة آمنا بالرب يسوع وصارا من "المخلَّصين". لكنهما كذبا على الروح القدس ولم يتوبا، فنالا قصاصاً إليهاً عادلاً بالطبع. لو كان حنانيا وسفيرة من البروتستانت المخلَّصين لكانا قد ضمنا الأبدية مهما حصل! لا نخدع أنفسنا أيها الأحباء.

"إن كان أحدٌ مدعوٌ أخاً زانياً أو طمّاعاً..." (1 كور 5: 11). بولس يقول إنه من المحتمل لأحد الأخوة "المخلَّصين" أن يكون زانياً أو طماعاً. إن كانت الشهوة ما تزال حية في المخلَّص، وهذا واقع، فكيف يكون "مخلَّصاً ومِن ماذا مخلَّصاً؟" من الواضح إذاً أن المسيحي لا يصل إلى مرحلة الخلاص بالكامل إلا في يوم القيامة العامة.
"إذاً أيٌ مَن أكل هذا الخبز وشرب كأس الرب بدون استحقاق يكون مجرماً في جسد الرب ودمه" (1 كور 11: 27). الذين يتناولون هم بالطبع من "المخلَّصين" فكيف يكون المخلَّصون مجرمين في جسد الرب ودمه؟!

"إني أتعجّب أنكم تنتقلون هكذا سريعاً عن الذي دعاكم بنعمة المسيح إلى إنجيل آخر" (غلا 1: 6). "أبعد ما ابتدأتك بالروح تكمّلون الآن بالجسد؟!" (غلا 3: 3. أيضاً راجع 4: 9). ألم يكن أهل غلاطية "مخلَّصين" عندما قبلوا الإيمان؟ فكيف تخلَّوا عن بشارة الإنجيل؟

"لأن كثيرين يسيرون مّمن كنتُ أذكرهم لكم مراراً والآن أذكرهم أيضاً باكياً وهم أعداء صليب المسيح، الذين نهايتهم الهلاك" (فيل 3: 18-19). هل يصير "المخلَّصون" أعداء صليب المسيح ونهايتهم الهلاك؟! بولس يقول هذا ما حدث فعلاً. إذاً: لا توجد ضمانة من أن "المخلَّص" قد ضمن الملكوت لأنه قد يسقط في أي لحظة ويتخلّى عن المسيح. هذا ما تقصده الآية التالية:

"ولكن الروح يقول صريحاً أنه في الأزمنة الأخيرة يرتدّ قومٌ عن الإيمان" (1تيمو 4: 1).

"... ملاحظين لئلا يخيب أحدٌ من نعمة الله" (عبر 12: 15). نعمة الله لا تتخلى عنك؛ بالحري أنتَ مَن يتخلّى عنها.

"تمسّك بما عندك لئلا يأخذ أحد إكليلك" (رؤ 3: 13) هذا ما قبل لملاك (راعي) كنيسة فيلادلفيا. هذا الإكليل هو مؤقت وليس أبدي. الإكليل الأبدي نناله عند الدينونة العامة. عندئذ لن يؤخذ منا. أما الإكليل المؤقت فهو زمني قد نخسره إن كنا لا نستحقه.

أين إذن المدعون بأنهم صاروا "مخلَّصين" وأنهم إذا ماتوا الآن يطيرون إلى ملكوت السماوات؟ كيف يحكم البروتستانت "المخلَّصون" على أنفسهم بأنهم صاروا حقاً "مخلَّصين" قبل أن يحكم الرب الديّان عليهم؟! هل هذا ما يعلّ/ه الكتاب المقدس؟ انظر إلى المجموعة الرابعة من الآيات:

رابعاً - الدينونة في اليوم الأخير هي التي ستقرّر مَن سيخلُص:

"فعمل كل واحد سيصير ظاهراً لأن اليوم سيدينه. لأنه بنارٍ يُستعلن وستمتحن النار عملَ كل واحد ما هو..." (1 كور 3: 13).

"إذاً لا تحكموا في شيء قبل الوقت حتى يأتي الرب الذي سينير خفايا الظلام ويُظهر آراء القلوب، وحينئذ يكون المدح لكل واحد من الله" (1كور 4: 5).

"ليمتحن كل واحد عمله وحينئذ يكون له الفخر من جهة نفسه فقط لا من جهة غيره" (غلا 6: 4).

"لأنه لا بد أننا جميعاً نظهر أمام كرسي المسيح لينال كل واحد ما كان بالجسد بحسب ما صنع خيراً كان أم شراً" (2 كور 5: 10). الخلاص والدينونة مرهونان بحكم المسيح في اليوم الأخير

"وأما مَن افتخر فليفتخر بالرب. لأنه ليس مَن مدح نفسه هو المزكَّى، بل مَن يمدحه الرب" (2 كور 10: 17-18). ليس مَن يقول "أنا مخلَّص" هو المخلَّص بل مَن يعلنه الرب مخلَّصاً. من الواضح أن بولس لم يكن بروتستانتياً لأنه لم يفهم الخلاص على الطريقة البروتستانتية!

"ليُحضركم قديسين وبلا لوم ولا شكوى أمامه إن ثبتم على الإيمان متأسّسين وراسخين وغير منتقلين عن رجاء الإنجيل" (كول 1: 23).

"صادقة هي الكلمة أنه إن كنا قد متنا معه فسنحيا أيضاً معه. إن كنا نصير فسنملك أيضاً معه. إن كنا ننكره فهو أيضاً سينكرنا" (2 تيمو 2: 11-12). لاحظ شيئاً هاماً هنا: "إن كنا ننكره فهو أيضاً سينكرنا". الرب سينكر من ينكره لأنه أمين. لهذا في أدب آباء البرية، معلّمي المسكونة، نجد أن أكبر النساك أكثرهم وعياً لخطاياه وخشية من يوم المسيح المرهوب، لا لأن المسيح غير أمين. بل على العكس: لأن أمانة المسيح هي التي ستحكم في هذا الشخص وهي التي ستقرر فيما إذا كان قبل قبل المسيح بأمانة وإخلاص من قلبه ونفسه وعقله.

"لكن الذي يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص" (متى 24: 13). آمين!

لعمري، هل لدى البروتستانت "المخلَّصين" خطٌ هاتفي أحمر مع المجد الإلهي يستطيعون به معرفة المخلَّصين حتى قبل يوم الدينونة العامة؟!

إذاً: لا يستطيع البروتستانت أن يضللوا الأرثوذكس أو الكاثوليك بمسألة أن البروتستانتي قد نال الخلاص وضمن الملكوت وأنه بقبوله يسوع له المجد قد صار من كبار القديسين وهو لا يعرف أبجدية الحياة الروحية المسيحية.

إذاً: بقبول المسيح مخلصاً شخصياً وبالولادة الجديدة الروحية بالمعمودية وبنيل الروح القدس له المجد بمسحة الزيت المقدس، وبمناولة جسد الرب ودمه والاتحاد به ينال الإنسان خلاصاً من حالته الساقطة، حالة الخطيئة التي كان يعيش فيها قبل أن يصير مسيحياً. "الخلاص" الحادث في المسيحي هو باختصار كل معاني المعمودية ومفاعيلها. لكنه عندما يولد المسيحي من جديد يولد طفلاً جديداً صغيراً عليه أن ينمو في المسيح إلى أن يصل إلى قياس ملء قامة المسيح. عندئذ: إن بقي المسيحي أميناً للمسيح ولم ينكره يحصل في اليوم الأخير وفي الدينونة العامة على ملء الخلاص: التأله و"مشاركة لله طبيعته الإلهية" بتعبير الرسول بطرس. إذاً: خلاص المسيحي أمرٌ ديناميكي متحرك متطوّر؛ هو حدثية مستمرة لا تكتمل إلا بعد الموت عندما يميّ. الرب الجداء من الخراف.