راجع أولاً:
[سلسلة أرثوذكسيات - 1] أؤمن بالكنيسة! فما هي الكنيسة؟
[سلسلة أرثوذكسيات - 2] أؤمن بالكنيسة! فكم كنيسة يوجد؟
هذا الموضوع استكمالاً للسلسة ولموضوع كنا قد فتحناه، المسيحيون: أهل الكتاب؟ أم أبناء الكنيسة؟، ولكن بسبب امتعاض البعض قد تم أغلاقه.
بعد أن عرفنا، في السلسلة رقم 1، أن الكنيسة هي المسيح والمسيح هو الكنيسة.
![]()
نصّ كتابي: الرسالة إلى كولوسى
1: 18وَهُوَ رَأْسُ الْ*جَسَدِ: الْكَنِيسَةِ. الَّذِي هُوَ الْبَدَاءَةُ، بِكْرٌ مِنَ الأَمْوَاتِ، لِكَيْ يَكُونَ هُوَ مُتَقَدِّمًا فِي كُلِّ شَيْءٍ.
1: 24 الَّذِي الآنَ أَفْرَحُ فِي آلاَمِي لأَجْلِكُمْ، وَأُكَمِّلُ نَقَائِصَ شَدَائِدِ الْمَسِيحِ فِي جِسْمِي لأَجْلِ *جَسَدِهِ، الَّذِي هُوَ الْكَنِيسَةُ،
وبعد أن عرفنا في السلسة رقم 2، أنه لا يوجد إلا كنيسة واحدة لأنه لا يوجد إلا مسيح واحد:
![]()
قول آبائي: أغناطيوس الأنطاكي، إلى الفيلادلفيين
4: 1 لا تشتركوا إلا في أفخارستيا واحدة، لأنه ليس لربنا سوى جسد واحد وكأس واحدة توحدنا بدمه، ومذبح واحد وأسقف واحد مع القساوسة والشمامسة رفاقي في الخدمة، وهكذا تتممون في كل شيء إرادة الله.
![]()
قول آبائي: أغناطيوس الأنطاكي، إلى الأزميريين
1: 2- .... وبذلك ينشر رايته على الدهور بقيامته ويجمع قديسيه والمؤمنين به من اليهود ومن الأمم في جسد كنيسته الواحد.
نأتي الآن لموضوع جد مهم، وفهمه بشكل جيد يجعلنا نفهم كثيراً من الأمور.
ولكن قبل هذا، لأن أي فهم خاطئ لهذا الموضوع يؤدي بنا إلى الهرطقة يجب أن نستوعب التالي، وهي خلاصة ما سيُقال:
![]()
قول لاهوتي أرثوذكسي: د. جورج كرونك، رسالة الإنجيل في المفهوم الأرثوذكسي، ص 18-19. منشورات معهد القديس فلاديمير/نيويورك
إن الكتاب المقدس هو كلمة الله المكتوبة وهو التعبير الكامل لإعلان الله للإنسان. والكنيسة الأرثوذكسية تؤمن منذ البدء أن الإنجيل بأكمله موحى به من الله وهذا يعني عدم وجود أي خطأ أو تناقض فيما يتعلق بعلاقة الله مع العالم. كما تؤمن الكنيسة الأرثوذكسية بأن الكنيسة هي الحارسة لرسالة الله الأبدية وللتعاليم الروحية التي يحتويها الكتاب المقدس. والروح القدس هو الحامي للكنيسة من السقوط. ولذلك فإن الإنجيل هو شهادة وإعلان من الكنيسة يحوي إعلان خطة الله للخلاص. وهو إعلان لا يحتويه أي خطأ في لاهوتياته أو موضوعاته أو تصريحاته. ولكن ليس ضروري للكنيسة أن تتمسك بالحق اللفظي لمحتويات الكتاب المقدس. فالكنيسة الأرثوذكسية في تأكيدها للوحي الإلهي للكتاب المقدس وعمصته (في لاهوتياته أو موضوعاته أو تصريحاته، وليس في حرفه) إنما تتمسك بالحق الكامل للكتاب فيما يتعلق برسالة الخلاص.
رابط الكتاب بالإنجليزية، أما بالعربية فقد قام بترجمته القمص اشعيا ميخائيل من الكنيسة القبطية في أميركا وأيضاً من منشورات معهد القديس فلاديمير.
والآن ندخل في الموضوع اكثر، وسأبدأ بهذا الاقتباس:
![]()
قول آبائي: أثناسيوس الكبير، الرسالة الفصحية، 11
أما بالنسبة لابنيه الخاصين. تيموثاوس وتيطس، فأنه عندما كانا قريبين منه قدم لهما تعليمات، وعندما كانا بعيدين كان يذكرهما.
ماذا نفهم من النص أعلاه؟
ما نفهمه هو الذي اعترض عليه أحد الأخوة ورفضه، وأيدته الأخت شيم، في نفس الموضوع المذكور والذي تم اغلاقه.
عندما كان القديس بولس الرسول مع تلاميذه، لم يكن تلاميذه بحاجة إلى كتاب. لأنه -القديس بولس- إنجيل.
وما القديس بولس، مهما علت مكانته في الجماعة، إلا أنه عضواً من اعضاء الجماعة-الكنيسة-جسد المسيح.
![]()
نصّ كتابي: كورنثوس الاولى 12: 27
وَأَمَّا أَنْتُمْ فَ*جَسَدُ الْمَسِيحِ، وَأَعْضَاؤُهُ أَفْرَادًا.
فلذلك إن قارنا كل ما سبق من تعليم الكنيسة (كتاب مقدس وأقوال آبائية). يتبين لنا أن الكنيسة أعظم بما لا يُقاس من الكتاب المقدس، وكيف لا وهي المسيح نفسه كما يقول الرسول بولس صراحةً.
ومن هنا ننتقل، ونسأل: ما هي فرادة الكتاب المقدس بالنسبة إلى الكنيسة؟
إن استبعدنا، البشائر الأربعة التي لا يوزايها كتاب لأنها تتحدث عن أعمال الإله المتجسد، مخلصنا يسوع المسيح. إلا أنها ينطبق عليها ما سيأتي لاحقاً
إن فرادة الكتاب المقدس، هي كماله! فهو -إن جاز التعبير- قدس أقداس تعليم الكنيسة. ولكن هذا الكمال لا يعني الاكتمال. فهو غير ناقص، إلا أنه يستوعب الإضافة.
أي هو كتاب كافي غير وافي.. هو كامل نسبياً.. أي يحوي كامل خطة الله واعلانه للبشر. لكن كما يقول القديس بطرس:
![]()
نصّ كتابي: بطرس الثانية 3: 16
كَمَا فِي الرَّسَائِلِ كُلِّهَا أَيْضًا، مُتَكَلِّمًا فِيهَا عَنْ هذِهِ الأُمُورِ، الَّتِي فِيهَا أَشْيَاءُ عَسِرَةُ الْفَهْمِ، *يُحَرِّفُهَا غَيْرُ الْعُلَمَاءِ وَغَيْرُ الثَّابِتِينَ، كَبَاقِي الْكُتُبِ أَيْضًا، لِهَلاَكِ أَنْفُسِهِمْ.
هذه هي فرادته الأولى، وهناك عدة امور يتفرد بها الكتاب المقدس، واخص هنا العهد الجديد.
الفرادة الثانية هي أن مدوني أسفار العهد الجديد هم اشخاص رافقوا السيد خلال بشارته بعضهم شاهد كل شيء، كيوحنا، والبعض الآخر شاهد البعض وعرف البعض كمرقس.
![]()
نصّ كتابي: العهد الجديد
أعمال الرسل 5:32 وَنَحْنُ شُهُودٌ لَهُ بِهذِهِ الأُمُورِ، وَ*الرُّوحُ الْقُدُسُ أَيْضًا، الَّذِي أَعْطَاهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُطِيعُونَهُ".
يوحنا 21: 24 هذَا هُوَ التِّلْمِيذُ الَّذِي يَشْهَدُ بِهذَا وَكَتَبَ هذَا. وَنَعْلَمُ أَنَّ شَهَادَتَهُ حَقٌّ
وبولس الرسول فقط الذي لم يأخذ بركة مرافقة السيد قبل الصعود، إلا أنه أُعطى بركة ونعمة خاصة به إذ ظهر له الرب في الطريق إلى دمشق. ومع ذلك هم لم يكن يجهل المسيح كلياً، فمن الواضح من حادثة رجم استفانوس أن بولس الرسول كان متابعاً لعمل ذلك الناصري، اي المسيح يسوع.
![]()
نصّ كتابي: أعمال الرسل 7:58
وَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ وَ*رَجَمُوهُ. وَالشُّهُودُ خَلَعُوا ثِيَابَهُمْ عِنْدَ رِجْلَيْ شَابٍّ يُقَالُ لَهُ شَاوُلُ.
ويبدو من اضطهاد شاول للمسيحيين، أنه كان مهتماً بأعمال المسيح له المجد، أكثر من تلاميذه لكي يستطيع إيقافه. كما بالإضافة إلى هذا، فإن القديس بولس قد تم ختم كلامه بكلام القديس بطرس:
![]()
نصّ كتابي: بطرس الثانية 3: 15
وَاحْسِبُوا أَنَاةَ رَبِّنَا خَلاَصًا، كَمَا كَتَبَ إِلَيْكُمْ أَخُونَا الْحَبِيبُ بُولُسُ أَيْضًا بِحَسَبِ الْحِكْمَةِ الْمُعْطَاةِ لَهُ،
وتأكيداً على ماجاء أعلاه من أفكار، اقول:
![]()
قول آبائي: أغناطيوس الأنطاكي، إلى الفيلادلفيين
9: 2 الانجيل له ميزة خاصة عن كتابات الأنبياء وهي مجيء المخلص ربنا يسوع المسيح وآلامه وقيامته ولقد كانت للأنبياء الأحباء رسالة تشير إليه، أما الإنجيل فهو كمال حياة عدم الفساد.
![]()
قول آبائي: أثناسيوس الكبير، الرسالة الفصحية الثانية
لذلك فأن الكلمة الإلهية تطالبنا بالتلمذة على يدي هؤلاء فهم معلمون لنا بالحق، ولهؤلاء وحدهم يلزمنا أن نصغي، لأن لهم وحدهم "صادقة هي الكلمة ومستحقة كل قبول" هؤلاء ليسوا تلاميذ لأنهم سمعوا من الآخرين بل هم شهود عيان وخدام للكلمة إذ سمعوا منه ما قد سلموه.
الميزة الثالثة هي الوحي الإلهي [سنجد لاحقاً أنها ليست ميزة خاصة بالاسفار المقدسة].
هذه الميزة يا أخوتي، هي التي تدعم الميزتان فوق... فقد قبلت الكنيسة الأسفار المقدسة ليس من أجل نسبتها إلى التلاميذ، وليس من أجل أنها تحكي عن الرب، ولكن من أجل المواضيع التي تحكيها كتبت بوحي إلهي.
واستطاعت الكنيسة أن تميز الكتب الموحى بها، من الكتب غير الموحى بها، عن طريق استعمالها في الكنيسة، في ليتورجية الكنيسة والخبرة الكنسية. ولذلك كان أخر سفر دخل قائمة الأسفار القانونية هو سفر الرؤيا. والسبب في ذلك أن هذا السفر لم يكن يستخدم في الليتورجيا. إلا أنه كان معروفاً لعديد من الكنائس.
فحيقية ما يميز أسفار الكتاب المقدس بالعمق أنها وحي إلهي. وهذا الوحي هو الذي جعل للكتاب المقدس عصمة في موضوعاته ولاهوتياته وتصريحاته. وهو الذي جعل التلاميذ يرتبون افكارهم ويسلسلونها بمنطق عجيب حتى يصلوا بنا إلى الصليب فالقيامة.
وهنا أقتبس التالي:
![]()
قول لاهوتي أرثوذكسي: د. يوحنا كرافيذوبولس، إنجيل مرقس-قراءة وتعليق، الاصحاح 14
يبرّر كل ما أشرنا إليه سابقاً عبارة أحد اللاهوتيين الأجانب عندما يقول: "أناجيلنا هي في جوهرها تاريخ لآلام المسيح مع مقدمة طويلة". وفي الواقع تتمحور الروايات الإنجيلية حول الآلام الرئيسي الذي يشكّل قمّتها.
ولكن إن كانت أسفار الكتاب المقدس وحي إلهي، فهل هي الكتب الوحيدة التي خرجت من رحم الكنيسة، وينطبق عليها هذه الصفة؟
الجواب: لا.
![]()
نصّ كتابي: العهد الجديد
يوحنا 14: 26 وَأَمَّا الْمُعَزِّي، الرُّوحُ الْقُدُسُ، الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ.
مرقس 13: 11 فَمَتَى سَاقُوكُمْ لِيُسَلِّمُوكُمْ، فَلاَ تَعْتَنُوا مِنْ قَبْلُ بِمَا تَتَكَلَّمُونَ وَلاَ تَهْتَمُّوا، بَلْ مَهْمَا أُعْطِيتُمْ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَبِذلِكَ تَكَلَّمُوا. لأَنْ لَسْتُمْ أَنْتُمُ الْمُتَكَلِّمِينَ بَلِ *الرُّوحُ الْقُدُسُ.
لوقا 11: 13 فَإِنْ كُنْتُمْ وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ تَعْرِفُونَ أَنْ تُعْطُوا أَوْلاَدَكُمْ عَطَايَا جَيِّدَةً، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ الآبُ الَّذِي مِنَ السَّمَاءِ، يُعْطِي *الرُّوحَ الْقُدُسَ لِلَّذِينَ يَسْأَلُونَهُ؟".
لوقا 12: 12 لأَنَّ *الرُّوحَ الْقُدُسَ يُعَلِّمُكُمْ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ مَا يَجِبُ أَنْ تَقُولُوهُ".
أعمال الرسل 2: 4 وَامْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ *الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَابْتَدَأُوا يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ أُخْرَى كَمَا أَعْطَاهُمُ الرُّوحُ أَنْ يَنْطِقُوا.
أعمال الرسل 2: 38 فَقَالَ لَهُمْ بُطْرُسُ :"تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ *الرُّوحِ الْقُدُسِ.
أعمال الرسل 9: 17 فَمَضَى حَنَانِيَّا وَدَخَلَ الْبَيْتَ وَوَضَعَ عَلَيْهِ يَدَيْهِ وَقَالَ: "أَيُّهَا الأَخُ شَاوُلُ، قَدْ أَرْسَلَنِي الرَّبُّ يَسُوعُ الَّذِي ظَهَرَ لَكَ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي جِئْتَ فِيهِ، لِكَيْ تُبْصِرَ وَتَمْتَلِئَ مِنَ *الرُّوحِ الْقُدُسِ".
أعتقد بعد كل هذه النصوص الكتابية، وضح ما أود قوله.
نعم! إن الذي أوحى ليوحنا، ومرقس وبولس.. هو هو نفسه الذي في الكنيسة يوحي، ويعلم، ويذكر ويقوم كل حياتها.
وهنا للأسف كنت أود أن استشهد بقول القديس باسيليوس الكبير، ولكني نسيت المصدر. فلذلك سأكتفي الآن بنص مايقوله دون ذكر المصدر وبعد ذلك سأستشهد بشاهد أعظم من القديس باسيليوس.
يقول بما معناه، إن الذي فسّر الكتب المقدس، إلهامه أو الوحي عنده ليس بأقل من الوحي الذي عند كاتب السفر.
وللقديس غريغوريوس اللاهوتي أيضاً مقولة في هذا السياق. إلا إني لا أذكر نصها، لأن من اخبرني بها صديق كنا نتكلم في هذا الموضوع بالظبط، واعتقد أنه احتفظ بالمرجع الذي سقته حينها عن كلام القديس باسيليوس. وأرجو ممن لديه مصادر في هذا المضمار أن يمدنا بها.
ولكن لن نقف كثيراً هنا، وننتقل إلى الشاهد:
![]()
نص كنسي/ليتورجي: المجمع الخامس-السادس، مجمع تروللو، قانون رقم 68
لا يجوز لأحد أن يفسد أو يمزق أحد أسفار العهد القديم أو العهد الجديد أو أحد مؤلفات آبائنا القديسين..... إلخ
ماذا نفهم من هذا القانون؟ لقد وضع المجمع قانوناً واحداً، وإبسالاً واحداً جمع فيه الكتاب المقدس مع كتابات آبائنا القديسين.
لا يمكن أن نفهم من هذا القانون إلا أمراً واحداً، وهو أن المجمع وضع كل هذه الكتبة بمكانة واحدة من ناحية تقديسها واحترامها. لأنها كلها وحي إلهي.
طبعاً تختلف فقط كتب القديسين عن الكتاب المقدس بما سقناه أعلاه. كاتب الكتاب، الكمال او العصمة الموضوعية.
فتعليم القديسين الذي تقرّه الكنيسة لا يقل منزلة عما ورد في الإنجيل المقدس. ولكن ليس كل تعليم تقرّه الكنيسة كعقيدة.
وهنا سننتقل إلى النقطة العكسية حتى لا نقع في هرطقة.
إن تعليم القديسين الذي تقره الكنيسة وتعتبره بمثابة نصوص الكتاب المقدس هو ذلك التعليم الذي يطابق الكتاب المقدس.
إنها علاقة عكسية، وشعرة تفصل بين الفهم الصحيح والفهم الخاطئ.
إن تعليم الرسل المدون في الكتاب المقدس لا يختلف من ناحية الوحي عن أي تعليم آخر لأي قديس.
إنما فرادته تكمن في كاتبه وأنه كامل، بالإضافة إلى استعماله في الكنيسة الأولى.
أما من يدعي زوراً وبهتاناً! أن الكتاب المقدس هو فقط الوحي، فهو ضال ومضل.
ومن يدعي أن الكتاب المقدس هو قدس الأقداس، فهو ضال ومضل.
الكتاب المقدس هو قدس أقداس تعليم الكنيسة. ولكنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتسيّد على الكنيسة.
إن الكتاب المقدس هو عمل من أعمال الكنيسة، ومن اعمالها أيضاً تعليم القديسين والليتورجيا... إلخ
لكن إحذر أن تفهم أن الكتاب المقدس يمكن التخلي عنه.. لا، لا يمكن فهو شهادة الرسل وتعليمهم. لكنه ليس سيد على المسيح.
فجسد المسيح ليس إلا المسيح نفسه.. والكنيسة هي جسد المسيح.. وأما الكتاب المقدس فهو بشارة الكنيسة.
فكل مؤمن حقيقي ملتصق بالكنيسة، ينطق الروح القدس على لسانه دون أن يُلغي شخصيته.
ولذلك نرى في تاريخ الكنيسة، شهداء لم يقرأوا كلمةً واحدة من الكتاب المقدس، فهل نقصت مسيحيتهم؟ بالطبع لا.
وامثال هؤلاء الجنود الرومان الذين كانوا يؤمنون اثناء تنفيذ حكم او تعذيب أحد القديسين او الشهداء.
ولكن هؤلاء الجنود، لو ظلوا احياءً في الجسد، لكان مطلوب منهم أن يطالعوا الكتاب المقدس الذي هو قدس أقداس تعليم الكنيسة.
![]()
قول آبائي: أغناطيوس الأنطاكي، إلى الأزميريين
7: 2... تمسكوا بالأنبياء وعلى الأخص بالإنجيل حيث أعلنت فيه لنا الآلام وتحققت القيامة.
إلا أن القديس نفسه ايضاً يقول:
![]()
قول آبائي: أغناطيوس الأنطاكي، إلى الفيلادلفيين
8: 2 سألني بعضهم وقال: "ما لا أجده في الوثائق القديمة لا أقبله ولو كان في الإنجيل" وحين قلت لهم: "إن كل ما نعلم به موجود في الكتب المقدسة" أجابوا: "إن هذا يحتاج إلى برهان" أما أنا فوثائقي القديمة هي يسوع المسيح. ووثائقي التي لا تدحر هي صليبه وموته وقيامته والإيمان الذي أعطاه... بكل هذا أتبرر بمعونة صلواتكم.
ويشرح المترجم، الدكتور جورج بباوي، هذا النص في مقدمة الكتاب:
[OCH="د. جورج بباوي، رسائل القديس أغناطيوس الأنطاكي، ص 17-18"] في الفصل الثامن من الرسالة غلى الفلادلفين نلمح الاختبار الحي عند اغناطيوس، إذ يتحدث عن جماعة تخاصمت معه حول أمور "في الوثائق القديمة". وقد حاول بعض المترجمين أن يقولوا أن الوثائق القديمة هي العهد القديم وبذلك يصبح معنى العبارة "ما لا يوجد في العهد القديم لا أقبله ولو كان في الإنجيل" ولكن مع العبارة هكذا غامض جداً. والدوسوتين لهم أصل غنوسي، والغنوسية ترفض الإيمان بالعهد القديم ولذلك فالاعتراض الموجه لاغناطيوس وهو أن غير الموجود في العهد القديم لا يقبل ولو كان موجوداً في الإنجيل... هذا في الحقيقة يتعارض مع الغنوسية. ولذلك اتجه الراي إلى أن الوثائق القديمة هي الخاصة بالتاريخ الكنسي وبالطقس والصلوات... وكأن السؤال الذي كان ملحاً هو ما تفعله الكنيسة وتمارسه ليس له وجود، اي ما لم يسجل في الوثائق. وعندما قال أغناطيوس أن عقيدة الكنيسة موجودة في الكتب المقدسة، هنا قال المعترضون أن هذا الموضوع يحتاج إلى برهان ولكن اغناطيوس لم يقف لكي يبرهن، بل قال في تعبير يبدو غريباً: "وثائقي القديمة هي يسوع المسيح، والوثائق التي لا يرقى إليها الشك ولا يقدر أحد أن يعارضها هي صليبه وموته وقيامته". هنا ينتقل اغناطيوس من النص إلى الحدث، ومن الوثائق إلى الحياة الواقعية الفعلية. والأرشيف الذي يمكن أن يشير إليه وكل وثائقه هي يسوع المسيح وصليبه وموته وقيامته. هذا هو الإيمان... إنه مسجل في حياة المسيح وليس في سطور أو كلمات. وبذلك تصبح الحياة المسيحية هي الشهادة، وهي الوثيقة الفعلية على صحة الإيمان ومعناه وسلامته من التحريف. وهذا هو معنى التقليد وهو الحياة الكنسية الحيّة في أشخاص المعلمين الكنسيين. وقد صدق من قال: "إن ضلال القلب البشري لا تنفع معه الوثائق والكتب".[/OCH]
نعم إن الكنيسة هي عمود الحق وقاعدته، هي المسيح نفسه ممتداً إلى أخر الأزمنة... تمسكوا بالكنيسة وبما تعلمه الكنيسة فتخلصون.
![]()
قول آبائي: الذهبي الفم، عظة عن اتروبيوس
هل تريد أن تحمي نفسك؟ تمسك بالمذبح. إنه لا توجد فيه حصون، لكن فيه عناية الله الحارسة.
تمسك بالكنيسة، والكنيسة لن تلقي بك في أيدي العدو.
الحصون يحطمها المتبربرون، لكن الكنيسة ما تقدر حتى الشياطين أن تتغلب عليها.
لا تنعزل عن الكنيسة، لأنه لا شيء أقوى منها (كإيمان وحياة). الكنيسة هي رجاؤك، خلاصك، ملجأك. إنها أعلى من السماء وأوسع من المسكونة. إنها لن تشيخ قط، بل هي دائماً في كامل حيويتها. لذلك يشير الكتاب عن قوتها وثباتها بدعوتها "جبلاً".
لاحظ أيضاً كيف أن الكنيسة – كما قلت - هي أحياناً عروس وأحياناً ابنه، وعذراء، وأمة، وملكة، وعاقر، وجبل، وفردوس، والتي لها أولاد كثيرون، زنبقة، ينبوع... إنها كل شيء.
![]()
قول آبائي: أثناسيوس الكبير، الرسائل الفصحية، رسالة رقم 2
وجاء بعد ذلك أولئك الذين يبعثون بالهرطقات الباطلة، فيستخدمون كلمات الكتاب المقدس، لكنهم لا يتمسكون بما تسلمناه من القديسين، ناظرين إلى أن ما يتسلموه من القديسين هو من تقاليد الناس. هذا خطأ، إذ هم لا يعرفون من هم القديسين ولا ما هي قوتهم؟!
لذلك بحق مدح بولس أهل كورنثوس، لأن أفكارهم كانت متفقة مع التقاليد التي سلمهم إياها
لكن أُعيد وأُكرر لمن فهم خطأ، الكنيسة الأرثوذكسية كنيسة كتابية. ليس بمعنى أنها مؤسسة على الكتاب المقدس! حاشا أن نقول كما يقول البروتستانت:
[OCH="بروتستانت، اعتراف الإيمان في جنيفا 1536 م"]1. كلمة الله
نؤكد أولا اننا نرغب في إتباع الكتاب المقدس وحده قاعدة للإيمان والتقوى دون ان نخلط معها أي شيء آخر من بدع البشر غير المتفق عليها مع كلمة الله. ولا نقبل لإدارتنا الروحية أي تعليم لا تبلغنا إياه هذه الكلمة دون زيادة أو نقصان، بحسب وصية الرب.
2. إله واحد وحيد
وعلى أساس الكتاب المقدس نقر إذن باله واحد وحيد،[/OCH]
ولكن الكنيسة الأرثوذكسية هي كنيسة كتابية، بمعنى أن ما يعلمه ويشهد له الكتاب المقدس وحتى نصوصه، متغلغلة في حياة الكنيسة. فيكفي أن نذكر أن مايقارب من 250 نص كتابي موجود في قداس الذهبي الفم.
لا نستطيع أن نحيا بدون الكتاب المقدس، ليس لأننا نحيا على الكتاب المقدس، بل لأنه يدلنا على الحياة. والحياة نستمدها في الكنيسة من رأسها.
إلا أنه مع كل هذا التقديس والاحترام للكتاب المقدس لا يجب أن نفكر ولو لحظة واحدة، أن يتسيد على الكنيسة. فللكنيسة سيد واحد وهو يسوع المسيح. والكتاب المقدس يستمد سلطته من الكنيسة. كما قلنا ليس لأنه وحيٌ فقط، بل لفرادته في كتّابه وكماله.
ولهذا الكنيسة قالت بأنه حتى لو تم اكتشاف سفر جديد يعود لأحد الاثني عشر، فإنها لن تضعه في قائمة الكتاب المقدس. فهي صاحبت القرار الأخير لأن الروح القدس يعمل فيها ويحركها ولا تتحرك من ذاتها.
وهنا أود أن ألفت النظر إلى موضوع القانونية.. فالقانونية شيء والوحي شيء آخر..
إن أسفار الكتاب المقدس المقررة على أنها قانونية، لا يعني على أنها الوحيدة الموحى بها.. بل يعني أنها معتمدة كنسياً. أما الوحي فهو غير منقطع حتى اليوم الذي يجيء فيه الرب ثانيةً.
وهنا أقتبس التالي:
![]()
قول آبائي: القديس يوحنا السلمي... نقلاً عن كتاب: الأب أثناسيوس رئيس دير غريغوريو، ص 37
ها قد أزحنا الستار عن بعض طرائق التربية المذهلة التي أنتجها الشيخ. فإن سألناه: "من أين له هذه الحكمة؟"، فسنسمع القديس يوحنا السلّمي يجيبنا في رسالته إلى الراعي: "إن نفساً متحدة بالله لفرط نقاوتها لا يعوزها، لتتعلم، كلام غيرها. فهذه النفس المغبوطة تحمل في ذاتها الكلمة الأزلي، وهو يعلّمها، ويرشدها، وينيرها".
للأسف قد دخل على لاهوتنا العربي على وجه الخصوص، لاهوتاً غريباً من قبل البروتستانت والأنجليكان وفقهاً إسلامياً.
فالفريق الأول رأينا كيف يقول أنهم يؤمنون بالكتاب المقدس، والثاني يقول:
مع الملاحظة، أن حرف العطف يشرك المعطوف والمعطوف عليه بالحكم.آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (البقرة 285).
للأسف بسبب اهمالنا وتقاعسنا دخل بعضاً من هذه التعاليم الغريبة عن الحق الإلهي، إلى معتقداتنا الشخصية، مع أننا لا نجد امثال هذين القولين في أي تعليم آبائي فضلاً عن المجامع الكنسية والكتاب المقدس.
والكتب اللاهوتية الحديثة، توضح هذا الأمر بشكل جلي.. وسنأتي عليها لأني لا أجزم بصحة كل ما جاء أعلاه، ولأني أجزم بأني لا أمتلك اسلوباً مشيقاً للقراءة، ولأني أجزم بأني لم أستطيع أن أجسد الفكر بالكلمات بشكل صحيح، ولأني أجزم أنه قد يفهم البعض كلامي بشكل خاطئ، ولأني أجزم بأني بحاجة لكي أنهل منكم، ولأني أجزم بأني خاطئ ومعرض للسهو والسقوط في كل لحظة، أدعوكم لقراءة "الفصل الثالث عشر - الوديعة المقدسة للكنيسة، من كتاب زاد الأرثوذكسية" [في المشاركة التالية]، كما أدعوكم أيضاً لطرح الأسئلة حتى نستفاد من بعضنا البعض وأيضاً اغناء الموضوع بطرح بعض الأقوال الآبائية أو النصوص الكتابية.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات