عند دخولنا الكنيسةَ، أوّل ما يبادر إلى ذهننا لنفعله، قبل تقبيل الأيقونات ورسم إشارة الصّليب، هو إيقاد شمعة أو اثنتين أو أكثر (على حسب عدد أفراد العائلة أحيانًا). نوقد الشّموع ظانّين أنّ باحتراقها سترتفع طلباتنا إلى الله وتتحقّق على الفور، أو في الكثير من الأحيان نقول إنّنا "دخلنا لنشعل شمعة" بدلاً أن نقول إنّنا "دخلنا لنزور الكنيسة". إذًا، فالشّموع تأخذ حيّزًا مهمًّا من طقوس العبادة التي نقوم بها إن في الكنيسة أو في المنزل، حيث لا يخلو بيت من الشّموع التي توقدها الأمّهات أمام الأيقونات كي يوفّق الله أبناءهنّ مثلاً... فما هي الرّموز الّتي تحملها الشّمعة فعليًّا؟
عندما نوقد شمعةً، نكون أمام صورةٍ عنّا نحن، حيث تعبّر الشّمعة رمزيًّا عن وقفة العابد أمام الله؛ فهي تظهر هادئة وساكنة وقلبها يظلّ يشتعل بنار ملتهبة تحرق جسمها البارد الصّلب فتذيبه وتسكبه من فوهتها دموعًا تنحدر متلاحقة تاركة خلفها هالةً من نور تُسعِد كلّ من يتأمّل بها أو يسير بنورها. فالشّمعة كالعابد، لا فخر لها بذاتها إذ تبقى معتمة لا نور لها وباردة لا حرارة فيها إلى أن نشعلها، فتضيء وتبدّد الظلمة وتبعث الحرارة. فطبيعتها من دون عمل النار تافهة مهملة كطبيعة الإنسان من دون عمل النّعمة، ومتى اشتعلت بالنار صارت من طبيعة النار وأنارت لا بطبيعتها الأولى بل بطبيعة النار المتّحدة بها. إنّ الشّمعة الموقدة في بيت الله هي دعوة للعبادة الهادئة الحارّة والمنيرة.
وللشّمعة عدّة رموز حسب الموضع الّذي نستخدمها فيه؛ فمتى أوقدناها أمام أيقونة السيّد نكون نعترف أنّه نور العالم (يو 1: 9)، ومتى أشعلناها أمام والدة الإله نكون نقرّ بأنّها أمّ النور، لذلك كانت قد جرت العادة في بعض الكنائس أن توقد الشمعة الموضوعة أمام أيقونة والدة الإله عندما يعلن الكاهن أو الشمّاس في صلاة السَّحَر: "لوالدة الإله وأمّ النور بالتسابيح نكرّم معظّمين". أمّا الشّمعة الموقدة والتي نسير بها أمام الإنجيل في الدّورة الصّغرى خلال القدّاس الإلهي فترمز إلى القدّيس يوحنّا المعمدان الّذي "أعدّ طريق الربّ"، كما ترمز إلى أنّ الإنجيل هو كلمة نور للعالم. وعندما نوقد الشموع أمام أيقونات القدّيسين فإنّنا بذلك نعترف بأنّهم كانوا نورًا للآخرين من خلال سيرتهم التي سطعت بالقداسة وجذبت الناس إلى نور المسيح الذي شعّ من خلالهم، فهم كانوا كالسّراج الموضوع على المنارة في أعلى البيت لإنارة كلّ مَن فيه.
عندما نشعل شمعةً نطلب إلى الله أن يجعلنا مثلها، مشتعلين بمحبّته ونعمته ومرسلين نوره إلى الآخرين، حتّى عندما يروننا منيرين بنوره يمجّدوا أبانا الّذي في السّموات، كما أنّنا نطلب أن نكون قادرين على أن نذوب من أجل الآخرين كما تذوب الشّمعة لتنير سواها. يقول القدّيس يوحنا كرونشتادت: "نقدّم الشموع أمام الأيقونات توسّلاً أن تكون حياتنا منيرة، متشبّهين بالعذارى الحكيمات ذوات المصابيح المضيئة، ومتمّمين وصيّة الربّ أن تكون سُرُجُنا موقدة لتحفّزنا على الصّلاة والسّهر... حينما أُشعل الشمعة بالنار، أرجو أن يمنحني الله قلبًا مشتعلاً بنار الغيرة المقدّسة والحبّ الطّاهر لتحرق الشهوات والخطايا في داخلي... حينما أثبّتُ الشمعة في موضعها فتظلّ تشتعل وتضيء، أودّ من كلّ نفسي أن أدوم هكذا منيرًا لمن هم حولي ومعي".
في الأخير، عندما نعي رموز الأمور المعطاة لنا في الكنيسة والتي نستخدمها في عبادتنا الليتورجيّة، ننبذ الجهل الّذي نعيش فيه ولا نعود نتصرّف كمن لا يعلمون، بل كأبناء حكماء عقلاء. فمتى تعلّمنا المعاني الّتي تحملها الشّمعة إلينا، لا نعود نشعل الشّموع بغزارة كلّما دخلنا إلى الكنيسة، بل نكتفي بشمعة واحدة طالبين مع إشعالها كما كان القدّيس سيرافيم ساروفسكي يطلب: "ليت قلبنا يضطرم بنار وحياتنا تضيء كنور أمام الربّ الإله كشمعة موقدة أمام أيقونته المقدّسة".

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات