والآن ندخل في صلب تعليم المجمع المسكوني الثالث:
ولكن قبل ذلك، لا بد أن نشير إلى موضوع رئاسة المجمع المسكوني الثالث. أعتقد أنه من الأخطاء التي تؤخذ على القديس كيرلس الكبير، رضي بأن يكون ممثلاً للبابا روما، وأن يرأسه نيابة عنه. فقد رأس المجمع المسكوني الأول، كما يرجح الكل، القديس أفستاثيوس أسقف أنطاكية كأسقف أنطاكية وليس نائباً عن أسقف روما. كان من الممكن أن يُقال، أن كل ما يعلنه القديس كيرلس موافقة عليه روما.
ولكن أعتقد أن هذا الموضوع لم يهتم له كثيراً القديس كيرلس، لأن ما كان يشغله أهم لسببين، الأول هو الدفاع عن الإيمان القويم، أما الثاني فكان الإطاحة بأسقف القسطنطينية.
والأخبار التي ينقلها المؤرخون عن المجمع، تقول بأن القديس كيرلس قام بأساليب ملتوية قبل وأثناء انعقاد هذا المجمع. لن ندخل بها، فيمكن مراجعتها في أي كتاب تاريخي مثل كتاب السيدة أ.ل. بتشر، المعنون بـ "تاريخ الأمة القبطية". أو تاريخ أنطاكية للدكتور أسد رستم.
لكن هناك حقيقة يجب ذكرها، وهي أن القديس كيرلس قبل المجمع قام بمراسلة نسطوريوس، للوقوف عما سمعه ومن ثم رسالة أخرى للرد عليه. وفي الرسالتين شرح تعليمه.
إلا أن ما يهمنا هنا أن القديس كيرلس لم يكتفِ بما سمع من أخبار، بل أرسل رسائل يستفهم بها عما حصل. وحين وصله خبر أن نسطوريوس راسل أسقف روما، قام بإرسال مندوب عنه وحمّله رسالة وقال له: لو كان نسطوريوس قد أرسل رسالة إلى روما، فسلّم رسالتي إلى أسقفها. أما إن لم يكن قد أرسل فاتركها معك، وارجع بها.
وهنا يوضح هذا الأمر احترام أسقفية نسطوريوس بأن راسله أولاً ليسأله عم يحدث وعما وصله من أخبار.
أما بالنسبة لأعمال المجمع للتعليم الذي صدر عن هذا المجمع، فقد كان بالشكل التالي:
لم تُقرأ أعمال المجمع المسكوني الثاني، ولم يؤخذ بدستور الإيمان الذي سنّه هذا المجمع. وقد اعتمد المجمع رسالة القديس كيرلس إلى نسطوريوس وإبسالات القديس كيرلس ضد نسطوريوس. ونرى أيضاً أنفسنا مجبرين على وضعها في هذا البحث، لأنها تتعلق فيما سيأتي بعد.
الجلسة الأول من أعمال المجمع الأفسسي، وهي التي صار بها قراءة الرسالة التالية:
رسالة القديس كيرلس الكبير، الأولى، إلى نسطوريوس:[46]
إلى الجزيل التقوى المحبوب من الله الزميل في الخدمة نسطوريوس، كيرلس يرسل تحيته بالرب.
سمعت أن البعض يتحدثون بتسرع في ما أحفظه في من الاعتبار لقداستكم. وقد تكرر هذا ولا سيما أثناء اجتماع أرباب السلطة. وقد يخال لهم أنهم بعملهم هذا يقومون بما يروق لكم. على أن أحاديثكم خالية من كل معنى أو شعور وليس منهم من ناله مني حيف أو جور. ولكني صارحتهم بما أراه بشأنهم ولا غاية لي إلا ما يفيدهم بنوع خاص. فإن اعتدى أحدهم على أموال العميان والمحتاجين، وجرح الثاني أمه بالسيف واختلس الثالث مال غيره بالاتفاق مع خادمته وكان يعمل دائماً مدفعواً بتأثير جرائم كهذه الجريمة مما يأبى أحد أن تلتصق لوثتها حتى بألد أعدائه خصومة. فأنا قلما أبالي بأقوال أشخاص من هذه الطبقة لأن التلميذ ليس أفضل من معلمه. ولست لأدعي أن دماغي الصغير أعظم أدمغة الآباء[47]. ومهما اتخذ الإنسان من مسلك في حياته لا يأمن فيه من محاولة الأشرار تسويد سمعته فإن أفواههم مملوءة لعنة ومرارة. وما على المرء إلا أن يقدم حساباً لله ديان العالم بأسره.
على اني أعود إلى نقطة البحث التي اكتب بشأنها خاصة وأرجو منك بإلحاح كأخ لي في الرب أن تشرح للشعب كلمة التعليم وعقيدة الإيمان بكل دق. وأن تعتبر بأن إيجاد معثرة لأحد أصغر المؤمنين بالمسيح يعرض الجمهور للازدراء بالله بصورة غير لائقة. وما أعظم الحاجة إلى الانتباه والحذق عندما يتكاثر عدد الذين تشوشت أفكارهم لنستطيع أن نعالج بكلمة الحق الشافية الذين ينشدون الحق. على أنه يمكننا أن نقوم بهذا على أتم وجه إذا أصغينا إلى أقوال الآباء القديسين وكانت غيرتنا صادقة في إطاعة أوامرهم، مبرهنين بذلك أننا لا نزال على الإيمان كما كتب وأننا نتوجه بكل أفكارنا لإتباع تعليمهم القويم الذي لا يدرك.
إن المجمع الكبير المقدس يقول إن ابن الله الوحيد المولود حسب طبيعة الله الآب، الإله الحق من الإله الحق، النور من النور، الذي به خلق الآب كل شيء، نزل وتجسد وتأنس وتألم وقام في اليوم الثالث وصعد إلى السماء[48]. هذه الأقوال وهذه التعاليم يجب أن نتبعها باعتبار ما يعنى بالقول إن كلمة الله تجسد وتأنس. لأننا لا نعني بذلك أن طبيعة الكلمة قد تغيرت فصارت جسداً. أو أنها تحولت إلى إنسان مؤلف من نفس وجسد. بل بالأحرى إن الكلمة قد ضم إلى ذاته جسداً فيه نفس عاقلة وصار بطريقة لا يمكن الإفصاح عنها أو إدراكها إنساناً ودعي ابن البشر ليس لمجرد أنه شاء وسُرّ أن يُدعى هكذا، وليس لأنه اتخذ لنفسه شخصاً بل لأن الطبيعتين، إذ قد اتحدتا اتحاداً حقيقياً، ففيهما كليهما مسيح واحد وابن واحد. لأن هذا الاتحاد لم ينزع الفرق بين الطبيعتين بل بالأحرى إن اللاهوت والناسوت جعلا لنا السيد الواحد يسوع المسيح كاملاً باتحادهما غير المدرك والذي لا يُفسر. ولذلك فالذي وجد قبل كل الدهور وولد من الآب قيل عنه أنه ولد بحس الجسد من امرأة دون أن تعني هذه الولادة أن طبيعته الإلهية قد أخذت بداءة وجودها من العذراء القديسة، لأن هذه الطبيعة لم تكن بحاجة إلى ولادة ثانية بعد ولادتها من الآب (لأنه من الجهل والحماقة أن يُقال أن الذي كان قبل كل الدهور والمساوي في الأزلية للآب احتاج وجوده إلى بداية ثانية). ولكنه لما كان لأجلنا ولأجل خلاصنا قد ضم إلى ذاته جسداً بشرياً وولد من امرأة قبل عنه، لهذا السبب، أنه ولد من امرأة. وأنه ولد بحسب الجسد لأنه لم يكن قد ولد في السابق إنساناً بسيطاً من العذراء مريم القديسة. وإذ ذاك نزل الكلمة وحل فيه. على أن الاتحاد، أو الحلول، حدث وهو في الرحم. وقيل عنه لذلك أنه احتمل ولادة جسدية ناسباً لنفسه ولادة جسده البشري. وبهذا الاعتبار نقول أنه تألم وقام. ولا نعني أن الله الكلمة قد تألم بطبيعته هذه واحتمل الجلد واختراق المسامير يديه ورجليه وطعن جنبه بالحربة. لأن الطبيعة الإلهية لا يمكن أن تتألم لأن لا جسد لها. ولكن ما دامت الطبيعة التي صارت جسده قد تألمت بالطريقة المار ذكرها قبل عنه أنه تألم لأجلنا. لأن الذي كان بطبيعته الإلهية غير ممكن أن يتألم كان لابساً جسداً متألماً. وبهذا الأسلوب نفسه ندرك ما يتعلق بموت. لأن كلمة الله بحسب الطبيعة لا يعتوره موت ولا فساد وهو حياة ومانح الحياة. على أنه إذا كان جسده كما يقول بولس الرسول قد ذاق الموت بنعمة الله لأجل الناس كافة قيل عنه نفسه أنه احتمل الموت لأجلنا. ليس بمعنى أنه عانى الموت بطبيعته الخاصة (لأنه من الجنون أن نقول هذا أو نفتكر به)، ولكن بما أنه، كما سلف القول، قد ذاق جسده الموت، فعلى هذا المنوال قام جسده من القبر. فقيامته بهذا المعنى لا تعني أنه عانى فساداً (العياذ بالله) بل لأن جسده البشري قام من الأموات. ولذلك نعترف بمسح واحد ورب واحد ليس كأننا نعبد إنساناً مع الكلمة (لئلا يقود هذا التعبير "مع الكلمة" الذهن إلى الفكر بانقسام الطبيعتين)، ولكننا نعبده كشخص واحد هو نفسه ما دام جسد الكلمة الذي يجلس به مع الآب غير منفصل عن الكلمة نفسه. فلم يجلس ابنان معه بل ابن واحد باتحاده مع الجسد. على أننا إذا كنا ننكر هذا الاتحاد الشخصي ونقول أنه مستحيل وغير لائق نسقط في ضلال القول بابنين، إذ أن ذلك يُلزمنا أن نُميز ونقول إن الذي كان إنساناً بالطبع قد كرم بإعطائه اسم الابن وأن الذي هو في طبيعته كلمة الله له بحسب طبيعته هذه البنوة اسماً وفعلاً. ولذلك يجب ألا نقسم أقنوم الرب يسوع المسيح الواحد على اثنين. كما انه لا ينطبق على الإيمان القويم أن نعتقد كما يعتقد البعض باتحاد شخصين، لأن الكتاب المقدس لم يقل أن الكلمة وحّد بين نفسه وشخص إنسان بل قال أنه صار جسداً. وهذا التعبير "الكلمة صار جسداً" لا يمكن أن يعني شيئاً آخر غير أنه اتخذ لخماً ودماً مثلاً أي جعل جسدنا جسداً له. وولد إنساناً من امرأة دون أن يخلع عنه وجوده كإله أو ولادته الأزلية من الله الآب. ولكنه مع اتخاذه لنفسه جسداً بقي كما كان. هذا هو إعلان الإيمان القويم الذي يُنادى به في كل مكان. وهكذا اعتقد الآباء القديسون ولذلك تجرأوا على أن يدعوا العذراء القديسة والدة الإله ليس لأن طبيعة الكلمة أو لاهوته كانت بدايته من العذراء القديسة بل لأنه منها ولد الجسد المقدس بنفس عاقلة، وهو الجسد الذي اتحد به شخصياً الكلمة الذي قيل عنه أنه ولد بحسب الجسد، ولذلك أكتب إليك الآن هذه الأشياء حباً للمسيح متوسلاً إليك كأخ وشاهداً لك أمام يسوع وملائكته المختارين لتفكر أنت نفسك تفكيرنا وتشاركنا في التعليم على المنوال ذاته، لحفظ السلام في الكنائس وبقاء رباط الاتفاق والمحبة غير المنفصم بين كهنة الله العلي.
عودة للجلسة الأولى: فبعد أن قرأت أقرها الآباء واعترفوا بما جاء بها. ثم قالوا لتُقرأ رسالة نسطوريوس، فرفضوها، ومن ثم قرأت إبسالات القديس كيرلس ضد نسطوريوس. وسنوردهم ولكن أولاً يوجد بعض التعليقات حول هذه الرسالة الأولى.
تعليقات على هذه الرسالة:
أولاً لا يجب أن نقرأها بمفهومنا اليوم. بل علينا أن نعود بالزمن إلى عصر القديس كيرلس.
ثانياً: أرجو التركيز على أن القديس كيرلس أرسل يستفسر من نسطوريوس، كما أرجو أن نركز على لهجة الخطاب التي تليق بالقديسين.
ثالثاً: أكد القديس كيرلس على مجمع نيقية، الذي تكلم فقط عن الطبيعة الإلهية في المسيح، وقال: "وكل من يقول:... إنه من جوهر يختلف عن جوهر الآب، أو عن طبيعته... فالكنيسة الرسولية الجامعة تبسل أصحاب هذه الأقوال".
ثالثاً: مع أن القديس كيرلس تكلم عن الطبيعتين عرضاً، قائلاً: "لأن الطبيعتين، إذ قد اتحدتا اتحاداً حقيقياً، ففيهما كليهما مسيح واحد وابن واحد. لأن هذا الاتحاد لم ينزع الفرق بين الطبيعتين بل بالأحرى إن اللاهوت والناسوت جعلا لنا السيد الواحد يسوع المسيح كاملاً باتحادهما غير المدرك والذي لا يُفسر". إلا أنه عاد وتكلم عن الطبيعة الإلهية فقط، عندما قال: "ولكنه مع اتخاذه لنفسه جسداً بقي كما كان. هذا هو إعلان الإيمان القويم الذي يُنادى به في كل مكان. وهكذا اعتقد الآباء القديسون ولذلك تجرأوا على أن يدعوا العذراء القديسة والدة الإله ليس لأن طبيعة الكلمة أو لاهوته كانت بدايته من العذراء القديسة بل لأنه منها ولد الجسد المقدس بنفس عاقلة، وهو الجسد الذي اتحد به شخصياً الكلمة الذي قيل عنه أنه ولد بحسب الجسد".
كما يجب أن ننتبه، إلى أقنوم يعني طبيعة واحدة.. وبم أن القديس كيرلس كان يُزكز على الأقنوم أكثر، كما سنوضح هذا لاحقاً، فقد يُفهم من كلامه كله أنه يتكلم عن طبيعة إلهية واحدة اتخذت جسداً ونفساً عاقلة. دون إغفال دستور المجمع المسكوني الأولى.
ولا نجده يتحدث عن الطبيعة البشرية التي أخذها السيد من العذراء مريم، بل يقول فقط أنه ولد منها. وبالتالي فإن المقارنة بين دستور نيقية، وتعليم كيرلس الكبير في هذه الرسالة، يعني أن السيد المسيح ضم الطبيعتين إلى طبيعة واحدة إلهية. وهذا ما لم يقصده القديس كيرلس، لأن اللاهوت السكندري لم يكن متعمقاً في هذه المصطلحات، على عكس لاهوت أنطاكية. وهذا ما سيتوضح لاحقاً في الرسالة الثانية التي أرسلها القديس كيرلس إلى نسطوريوس، والتي قرأها أيضاً المجمع في جلسته الأولى، فلنقرأ معاً الرسالة الثانية التي تتسم بنضج أكبر في التعبير عن الإيمان:
-----------------
الحواشي
-----------------
[46] الأرشمندريت حنانيا الياس كساب، مجموعة الشرع الكنسي، ص 295-297
[47] يقصد آباء الكنيسة في زمانه.
[48] قارن مع دستور الإيمان النيقاوي، ومن ثم دستور الإيمان القسطنطيني في اللذين وردا في الأعلى.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات