العذراء باللاهوت العقائدي
{ والدة الإله (أَم) أم يسوع }
لعلّ من أكثر الموضوعات المثيرة للجدل حول العذراء هو نعتها بوالدة الإله من قبل الأرثوذكس والكاثوليك من جهة ورفض البروتستانت وانكارهم عليها هذا اللقب من جهة أخرى.
ولتوضيح هذه النقطة يجب أن نعلم أن العقيدة المريمية مؤسسة على العقيدة الخريستولوجية (التعليم عن شخص المسيح), وحتى نفهم لقب "والدة الإله" المنسوب إلى العذراء يجب أولاً أن نفهم التعليم الصحيح المتعلق بشخص السيد المسيح له كل المجد.
يسوع المسيح هو الله المتجسّد. أي هو الإله الكامل والإنسان الكامل. إنما هو شخص (أقنوم) واحد لا شخصان. شخصه الإلهي كان شخص طبيعته الإلهية (اللاهوت) قبل تجسده. في يوم التجسد (يوم بشارة العذراء), أخذ الرب يسوع من العذراء طبيعة بشريّة كاملة بعد أن حلّ الروح القدس على العذراء وقدّسها وطهّرها (غريغوريوس اللاهوتي ويوحنا الدمشقي). فصار شخصه الإلهي الواحد شخص طبيعته الإلهية (اللاهوت) وطبيعته البشرية (الناسوت) معاً على حد سواء. اذاً يسوع هو شخص واحد لا شخصان. العذراء مريم لم تلد ناسوت يسوع مجردا ً! بل ولدت الإله المتجسّد (بلاهوته وناسوته) لأن أقنوم يسوع ضمّ إليه منها طبيعته البشريّة. ففي دستور الإيمان نقول "نزل من السماء وتجسّد...وتأنّس". هو نفسه الواحد إله وإنسان بدون تجزئة أو انفصال أو اختلاط ولاهوته لم يفارق ناسوته ولا للحظة واحدة ولا لطرفة عين, شخص واحد. نقول مريم أم الله أو والدة الإله لأن الأقنوم واحد لا ينفصل. فهي ولدت شخص يسوع بكامله, أي ولدت الإله المتجسّد. ومن هنا فإن تسمية العذراء "والدة الإله" ليست تسمية صحيحة فقط بل يجب تسميتها هكذا وإلاّ شققنا شخص يسوع وطعنّا في الخرستولوجيا.
و الآن لنرى رأي الكتاب المقدس والمجامع المسكونية والآباء القدّيسين في هذا الموضوع في من تكون العذراء مريم...
v بحسب الكتاب المقدس: هناك نصوص كثيرة تؤكد أن العذراء هي والدة الإله كما يلي:
- قالت أليصابات بعد أن امتلأت بالروح القدس: "فَمِنْ أَيْنَ لِي هذَا أَنْ تَأْتِيَ أُمُّ رَبِّي إِلَيَّ؟" (لو43:1) و يقول الأب المتنيّح متى المسكين في تفسيره لهذه الآية من إنجيل البشير لوقا: "فدعتها «أم ربي»، وحسبت زيارتها لها شرفاً لها وفرحة ملأت كيانها، وبانسحاق اعترفت بعلو كرامة مريم: » من أين لي هذا أن تأتي “أم ربي” إليَّ «m»thr toà Kur ou mou التي هي بعينها “الثيئوتوكوس” QeotÒkoj، أي والدة الإله! التي أقرّها مجمع أفسس رسمياً في الكنيسة سنة 431م.وهكذا برؤيا نبوية خاطفة، أدركت أليصابات كل ما قيل للعذراء من قِبَلِ الله، فطوَّبتها: »فطوبى للتي آمنت أن يتم ما قيل لها من قِبَلِ الرب« وإننا نتعجَّب إن كانت أليصابات وهي ممتلئة بالروح القدس، ونطقت بالنبوة نطقاً واعياً صاحياً بأن العذراء هي «أُمُّ ربي» أي والدة الإله - الثيئوتوكوس - وطوَّبتها فوق جميع النساء، فكيف لا تطوِّبها الكنيسة كلها؟ وكيف تدعوها بغير لقبها كـ "أُم ربي" أي والدة الإله؟"
ولي أنا وقفة عند هذه الآية الصريحة, فإن قالت أليصابات بالروح القدس للعذراء (أم ربّي) فماذا بقي للمعترضين ؟! أننكر ما أقرّ به الروح القدس على لسان أليصابات ونخالف الكتاب ؟ أم ندّعي باطلاً كشهود يهوه الذين يقولون كانت أليصابات تعني "أم سيّدي" وليس "أم إلهي" فإنهم لم يعرفوا بعد قوة الله لأنهم لم يدركوا أن المولود منها هو"الإِلهُ الْحَقُّ وَالْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ" (1يو20:5) وما معنى ربّي ولماذا نادت أليصابات المسيح بـ (ربّي) ؟ أليس لأنه ربّها حقيقةً أو ليس لأنه إلهها ؟ اذن ماذا يقول المعترضون حين يدعى يعقوب بأنه "أخو الرب" (غل19:1) فهل هو أخو اللاهوت؟ لا بل أخو الله المتجسّد, هو أخو يسوع الإله وأخو يسوع الرّب, فقد يقول المعترضون أن العذراء هي "أم الرب" وليست "أم الإله", ومن يكون الرب يسوع أليس هو الإله المتجسّد؟ وأنا أسأل هل يستطيع أي معترض أن يقول أن مريم هي (أم المسيح الإله) أم لا ؟ و الجواب متروك لهم !
- و قال لها جبرائيل: "الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ" (لو35:1).
- و قال للرّعاة "أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ"(لو11:2) والمسيح الرب هو المسيح يهوه وإسم يسوع هو مختصر لـ"يهوه يخلّص".
- و قال إشعياء النبي "هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ «عِمَّانُوئِيلَ», الذي تفسيره الله معنا" (اش14:7 , مت23:1).
- و قال زكريا الكاهن لابنه يوحنا المعمدان: "وَأَنْتَ أَيُّهَا الصَّبِيُّ نَبِيَّ الْعَلِيِّ تُدْعَى، لأَنَّكَ تَتَقَدَّمُ أَمَامَ وَجْهِ الرَّبِّ لِتُعِدَّ طُرُقَهُ" (لو76:1).
اذاً العذراء في الأناجيل هي أم ابن العلي, أم ابن الله, أم الرب, أم عمانوئيل, أم المسيح الرب, أم يهوه الفادي المخلص, أم يسوع, و بما أن المسيح هو الله بحسب (يو1:1) (رو5:9) (يو28:20). اذاً تكون العذراء هي والدة الإله, و لهذا لخّصت الكنيسة كل هذه الألقاب بلقب واحد جامع هو أم الله أو والدة الإله.
v بحسب التاريخ: ثـبّت المجمع المسكوني الثالث المنعقد في أفسس العام 431م عقيدة لقب والدة الإله Theotokos رداً على هرطقة نسطوريوس([1]), وقد حكم المجمع بحرم نسطوريوس, وأرسل أعضاء المجمع رسالة للإمبراطور البيزنطي قالوا فيها: "نحن نؤمن أن عمانوئيل هو الإله المتأنّس ... وأما نسطوريوس فلم يشأ أن يشاركنا هذا الإيمان ولذلك فهو غريب عن البيعة, هو وكل من لا يقول إن العذراء ولدت الكلمة (logos) متجسّداً .."
ثم وضع المجمع مقدّمة لقانون الإيمان (النيقاوي) تؤكد على أن القديسة مريم هي "والدة الإله" و نصّها ما يلي: "نعظّمك يا أم النور الحقيقي, ونمجّدك أيتها العذراء القديسة والدة الإله, لأنك ولدت مخلص العالم ... إلخ"
وهذا اللقب (والدة الإله) كان مستعملاً حتى قبل هذا المجمع. فقد استعمل العلامة العظيم أوريجانوس (185-254) لفظة والدة الإله في تفسيره للآية 23 من اصحاح 22 من سفر التثنية. ويذكر المؤرخ الكنسي سقراط (الكتاب 7 من التاريخ, الفصل 32) أن أوريجانوس سمى العذراء والدة الإله.
v بحسب الآباء: فإنّ العذراء قد نالت في كتاباتهم نصيباً كبيراً وحول عبارة "والدة الإله" فقد استعملها الكثيرون منهم:
- القديس كيرلس الإسكندري: اذ قال: "إني أتعجب كيف يسوغ وقوع الريب في هل ان العذراء القديسة ينبغي ان تدعى والدة الإله لأنه ان كان ربنا يسوع المسيح إلهاً العذراء امه فهي اذاً أم الإله" ويقول أيضا: "وهكذا في نظام الطبيعة (خلق الناس) فالأمهات لا يشتركن -بنوع من الأنواع البتّة- في خلقة النفس, ومع ذلك لا يمنع القول بأنّهن أمهات الإنسان كله, وليس أمهات الجسد فقط".
وأضاف أيضا في احدى رسائله الى نسطوريوس عندما أخذ بتفسير التسمية اذ قال: "ليس لأن طبيعة الكلمة أو لاهوته كانت بدايته من العذراء القديسة, بل لأنه منها ولد الجسد المقدس بنفس عاقلة, وهو الجسد الذي اتّحد به شخصياً الكلمة الذي قيل عنه إنه ولد بحسب الجسد, ومادامت العذراء القديسة ولدت بالجسد الله الذي صار واحداً مع الجسد بحسب الطبيعة, لهذا السبب ندعوها والدة الإله ولا نعني بذلك أن طبيعة الكلمة كان بداية وجوده في الجسد". وأيضا في كتابه إلى نسطوريوس قال: "إن القديس أثناسيوس الكبير قد دعا مريم والدة الإله Theotokos"
· القديس باسيليوس الكبير: في حديثه عن ميلاد المسيح يقول: "إنّ أم الله لم تكفّ قط عن أن تكون عذراء".
· القديس غريغوريوس اللاهوتي: يقول في رسالته الأولى إلى كليدونيوس: "إن كان يوجد أي واحد لا يعتبر مريم أنها والدة الإله فإنه مفتقر إلى اللاهوت". وفي حديثه الأول عن الإبن يخاطب اليونان قائلا: "أين من بين آلهتكم قد عرفتم عذراء أماً لله؟"
· أفسابيوس: قال في (حياة قسطنطين,الفصل 43): "لهذا حقاً إن أكثر الملكات توقيراً لله (هيلانة) قد زيّنت بالشواهد الرائعة مكان ولادة أم الله (أي بيت لحم)".
· وقال ديونيسيوس الإسكندري لبولس السمسياطي: "إن الذي قد تجسّد من العذراء القدّيسة والدة الإله ...".
· ويقول القديس يوحنا الدمشقي:"إن النعمة غلبت الطبيعة وكان من المقرّر أن تولد أم الله من حنّة فلم تتجاسر الطبيعة أن تتعدّى على النعمة فظلّت عاقراً إلى أن أنجبت النعمة ثمرتها .. فيالغبطة يواقيم الذي ألقى زرعاً طاهراً وبالعظمة حنّة التي نمت في أحشائها ابنة كاملة القداسة". ويضيف أيضا القديس يوحنا الدمشقي في كتابه (الإيمان الأورثوذكسي 12:3) "ان اسم أم الإله يحوي كل سر التدبير الإلهي, فالمولود منها هو بالتأكيد إله وأيضاً انسان, فاسمها هذا دليل على تواجد طبيعتين في ربنا يسوع المسيح".
· ويقول القديس ميتوديوس: "إن اسمك يا أم الله ممتلىء نعماً وبركات لقد فهمت ما لم يصل إليه إبراك وحويت من لا حد له, أنت أم الخالق ومغذية مغذي الكل قد حملت من بكلمته يحمل الكل".
وقد استعمل عبارة والدة الإله كثيرون أيضاً ومنهم الكسندروس الإسكندري وديديموس الأعمى والغرويغوريوسان والقديس كيرلس الأورشليمي وغيرهم من الآباء القديسين. وما يجهله الكثيرون هو أن مؤسس حركة الإصلاح نفسه "مارتن لوثر" قد استخدم لقب والدة الإله في كتابه "تعظّم"([2]) إذ قال: "وإني لا أجد في الكتاب المقدس كلّه ما يلائم موضوعنا، كهذه الأنشودة المقدسة التي أنشدتها والدة الإله المباركة أسمى البركات، .... ليت والدة الإله تتلطف وتنعم عليّ بروح الحكمة والفهم، فأقوم بتفسير نشيدها تفسيراً تاماً وذا نفع عميم. وليحلّ هذا الروح على سموّكم وعلينا جميعنا، .وهكذا يمكننا أن نمجّد الله ونتغنّى بأنشودة "تعظّم" في السماء أبداً,ليساعدنا الله على ذلك. آمين"
v بحسب الليتورجيا([3]): ففي الليتورجيا تصلي الكنيسة الأورثوذكسية وتقول: "يا حنّة إننا نعيّد لحبلك, .... إن حنّة المجيدة الآن تحبل بالنقيّة والدة الإله" (اليوم التاسع من كانون الأول, صلاة السحر الأودية الأولى).
لذلك فإنّ جميع الذين يرفضون لقب والدة الإله يقعون في الهرطقة النسطورية ويخالفون المجامع الكنسية ويطعنون في الإيمان بأن شخص المسيح هو شخص واحد في طبيعتين كاملتين إلهية وبشريّة وبالتالي يعرّضون خلاصهم الشخصي للخطر.
فإن قلنا أن مريم هي فقط أم يسوع الإنسان نشق شخص يسوع ونجعل الإبن ابنين: ابن الله وابن الإنسان, وإن قلنا ان الآب هو أبو لاهوت يسوع فقط نشق شخص يسوع أيضاً.
وحدة أقنوم (شخص) يسوع تسمح بتسمية مريم والدة الإله وبتسمية الآب أبا ناسوت يسوع. أي تفريق في شخص يسوع هو هرطقة تصب في الهرطقات التي طعنت في الخريستولوجيا, مثل هرطقات (أبوليناريوس, نسطوريوس, أوطاخيا, وسرجيوس).
تقول احدى الترانيم: "يا من هو بغير أم من جهة أبيه وبغير أب من جهة أمّه ..."
التركيز هو على وحدة الأقنوم التي جعلت الآب أباً ليسوع الإله الإنسان والعذراء أماً ليسوع الإنسان الإله.
لهذا فلقب والدة الإله ليس مجرد تكريم للعذراء مريم وإنّما هو اعلان ايمان بشخص يسوع المسيح, بلاهوته وناسوته المتّحدين, الإله المتجسّد الذي له المجد والكرامة إلى دهر الدهور, آمـين.
(1) نسطوريوس: هو بطريرك القسطنيطينة بين عامي 428 – 431م، و بدعته تمحورت حول الصلة القائمة بين اللاهوت والناسوت في يسوع المسيح. فبدل أن يَنسب إلى أقنوم الكلمة المتجسّد الواحد الطبيعة الإلهية والطبيعة البشريّة، وبالتالي خواصّ هاتين الطبيعتين وأعمالهما، قال بأنّ المسيح مكوّن من شخصين، شخص إلهيّ هو الكلمة، وشخص بشريّ هو يسوع. لم يكن هناك في نظره اتّحاد بين طبيعة بشريّة وأقنوم إلهيّ، بل مجرّد صلة بين شخص بشريّ واللاهوت. فكان يرفض كلّ مشاركة في الخواصّ ويأبى أن يطلق على مريم لقب "والدة الإله" ذلك بأنه حسب اعتقادهِ قد وَلَدَت الإنسان فقط.
(2) كتاب تعظّم: هو بمثابة رسالة وجّهها مارتن لوثر إلى أمير ساكسونيا وضمّنها نصائح للذين لهم منصب في الحكم أو أوتوا مسؤوليات يكونون بها مطالبين عن أعمالهم. وقد ترجم الكتاب إلى العربية الأستاذ فهد أبو غزالة.
(3) الليتورجيا: كلمة يونانية الأصل (λειτουργια / leitourgia)، وكانت فيالبداية تعني العمل أو الخدمة, ويُقصد بها الصلوات الاجتماعية بكل انواعها ولكن استقر الرأي على إطلاق هذا الاصطلاح على القداس الإلهي تحديداً.
يتبع ...
المفضلات