أنت في مواجهة مع الآخرين محبة او أنت تردهم اليك والى مركزيّتك والى اشتهائك واذا أفرطت في ذلك تنكرهم في الحقيقة وتلغيهم. الأنا المركزيّة سماها باسكال العظيم مقيتة وبلغته le moi est haïssable. انت كما أبدعك الله ذات حبيبة وهذا من ماهيّتك لكن ذاتك تقوم في فرديّتك لأن الفرد يقابل الفرد بما يحمل من ذاتيّة ووجود.
انا القابضة على الغير لك في النسك ان تميتها ما أمكن ذلك أما الأنا المبذولة فتحييك وتحيي الآخرين بك. ولكن أناك وأنا الآخر لا تجتمعان الا اذا رأيت ان الآخر ضروري لك حتى التنفّس. قلت ضرورياً ولم أقل فقط نافعا اذ أيقنت انك لا توجد الا بالحب المعطاء الذي قد يبادل المحبوب بمثله او لا يبادل لكن المحبة في معظم الأحوال تستدعي المحبة لكونها كائنة في كل نفس بالصورة الإلهية التي فيها.
انا لست موجودًا وحدي. انا موجود اذا أحبني آخر وكان محررا من الأنا القابضة او المنقبضة. وحتى لا تقبض الآخر او لا تنقبض لا بد لك من جامع لكما يحرركما معا وهذا هو الله. هناك دائما ثلاثة لتكون الوحدة وانا اتكلّم بشريا. والبشر مجتمعين هم على صورة المحبة الإلهية التي اذا تساقطت تبيد الأنا الصارمة، الهدامة لذاتها او للذات الأخرى وعند ذاك يغيب الله.
وهاجس الذات ان تنفع الآخر والنفع ان تشتهي له ما يريده الله منه وان تذكره بالحق وليس بما يراه هو نافعا له وقد يصدمه هذا ولا يحس بمحبتك اذا وضع نفسه في موضع منافعه ولذاته التي تبيده وانت تريد ان تجعله في الله. صورة هذا في العائلة اذ لا يلبي الوالد او الوالدة أحيانا الولد اذا طلب فقد يطلب ما يؤذيه او يعظم شهوته الى الامتلاك ويرى الأهل ان الحرمان يفيده. كذلك الدولة الساهرة، الراعية لمصالح المواطنين الحقيقيّة تلبي مطالبهم المحقة ولا تلبّي مطالبهم غير المحقة. اذا كان الحكم سليما، صالحا يسعى الى قيام البلد كلا مع إيثار المناطق المحرومة على المناطق المترفة. هذه هي الخدمة المرحلية لكون الحكم خادم الجميع والرعاية هي للجميع. هكذا الراعي الذي يرعى مئة شاة اذا ضلّت واحدة في الجبال يترك الراعي التسع والتسعين ويذهب لاسترداد الشاة الضائعة. هذا هو الحب الشامل. كذا في الرعاية الروحية. المسؤول يهتم اولا بمن شردته اهواؤه اذ البقيّة لا تزال في الرشد.
† † † †
هكذا التعاطي في الفكر. انت في التقابل مع من عنده فكر لا لتملي عليه قناعاتك ولكن لتأخذ منه وتعطيه بآن. وهذا هو الحوار. انت تواجه المواقف إن حاورت لتصل الى الصواب الذي قد تكون عليه او الى ذاك الذي يكون عليه خصمك في الفكر لأنك طالب الحقيقة التي تحل عليك وتحل على من يحاورك.
ويحل عليك الحق او بعض منه ويحل على سواك الحق او بعض منه فتأخذ بلواء الحق أنّى ظهر لأنك لا تريد الغلبة لموقفك بالضرورة فتنقّح ما قلته وترمي ما لمسته سوءًا او خطأ عندك وتستغني بالصواب الذي عند خصمك فتجعله أخا لك. انت تتمسّك فقط بما بدا لك كلامًا إلهي الإلهام أجاء هذا الالهام اليك أم جاء الى الآخر.
وفي المجال الديني لا تنكر على الاخر عقيدته ولا ينكر هو عليك عقيدتك والا وقعتما في السجال وقد بطل السجال في ذهنيّة المعاصرين لكنك تستوضحه في ما يؤمن به وتوضح له ما انت مؤمن به وتترك لله حقّه في ان ينير من يشاء وهذا لا يتحقق الا بالمقابلة السوية الهادئة وبحق كل بشر في إعلان ما يحسبه صحيحا. هذا شرط الحرية عندك وعنده والا تقع ويقع في نظام القمع ان لم نقل في التقاتل.
شرط هذا السلام ان الله يهدي مَن يشاء. أن تقبل هذا السر الإلهي شرط دخولك في المحاورة لأن الحرية شرطها السلام. اذا التزمت الحوار لا تسعى الى إدخال احد قسرًا الى ما انت مؤمن به لكنك تلتمس النور الذي يقذفه الله في القلب كما يقول الإمام الغزالي. انت لا تحرر احداً بشرياً لكن الحق هو الذي يحررنا جميعا وقد جاء في سورة الكافرون: "لكم دينكم ولي ديني" (الآية الـ ٦) وأفهم هذا القول انه يعني حريتك وحريتي ما لا يمنع ان اباحثك في بعض النقاط او في التفاصيل ولا أطلب منك ان تتنازل عن شيء أصيل. كذلك أرجو ان أساعدك على معرفة الأصول عندك وعندي. وشرط هذا التواصل المحمود ان احبك وتحبّني لأن هذا هو السلام اذ المبتغى ألا أحرجك وألا تحرجني وان نتلاقى في كل ما نعتبره تجلّيات إلهية فأحترم ما تقول وتحترم انت ما أقول حتى نتفاهم في هذه الدنيا ويكشف الله عن ذاته في اليوم الآخر.
† † † †
وحتى أكون انا ما انا وانت ما انت لا أطمع بشيء من عندك ولا تطمع انت بشيء من عندي فاذا انا اشتهيت ما عندك لا أبقى انا ذاتي فإن الرب أمدّني بحاجاتي وأمدّك بحاجاتك فهذا كلّه متاع الدنيا ونحن أحرار من هذه الدنيا وكل ما فيها لتطمع فقط بالنعمة الإلهيّة التي تنزل علينا فينمو كل منا بقدراته ونتمنّى القدرات الروحية التي عند الآخر لأن هذه هي هبات الله من اجل الجميع. انا أشتهي اذًا فضائلك ليتحسّن كياني الداخلي. فاذا كنت مألوها وعطفت علي أتأثّر بعطفك وأصير بدوري مألوهًا. هذه هي الشركة العميقة التي تجعلني أتشبّه بك وتتشبّه بي لأننا كلينا نطلب المألوهية فنصبح واحدا بالشوق الإلهي الذي فينا. جاء في كتبنا الروحية أن انسانا قرع باب السماء فسمع من داخلها من يقول من القارع؟ قال انا. ولم يُفتح له الباب. ثم قرع ثانية فسئل من القارع؟ قال انا فلم يُفتح له حتى قرع للمرة الثالثة. فسئل ايضا من القارع؟ قال انت. ففتح له باب الجنّة. المعنى انه عندما يوحّد المرء نفسه بالله يدخل الملكوت.
على هذا المثال توحّد أناك بأنا أخرى فتصبحان واحدا مع بقاء الذات او الفرادة مستقلّة، ثابتة الى الأبد لكنها في تداخل والأنا الأخرى. نحن لا نذوب في الآخر لأن هذه حلوليّة لكن الذات تبطل إن لم تلامس الذات الأخرى بالإرادة والقلب ولكن بلا اختلاط.
لا علاقة الا بالاثنينية ولكن بلا انفصال بحيث يراكما الله واحدا في المودة والمودة غير سليمة ما لم تكن إحساسا بالود الإلهي لكل انسان. لا يزيل الله التعدد لكنه يزيل الفُرقة وتأتي وحدتكما سرا يقترب من الوحدة الإلهيّة. نحن ذوات مختلفة في التوق الى الوحدة. لذلك أحترم طبائعك وتحترم طبائعي ولو حاول كل منا ان يهدي الاخر على هذا الصعيد. فأنا عفوي مثلا وانت قليل العفويّة. انت عظيم الإحساس وأنا ضعيفه لكنك بدءًا من تكوينك النفسي تحاول ان تتقبّلني وأحاول أن أتقبّلك ولا تتغيّر أصول الطبائع ولكن يجمّل الإنسان ويحلو بالتأثر الخلاّق الذي يقبله. وانت بما عندك تحاول الأسمى ولكن في إطار إنسانيّتك. وهذا لا يفرق بين الناس اذا أرشدوا اي اذا اتّسعت أذهانهم ونفوسهم لاحتضان الآخر.
لا يحيا الا الإنسان المحضون. وبذا تصير انت اما للجميع تلد الآخرين بحقيقة الله اذا ربيت نفسك على الا تعطي شيئا غير الله. تفسّر أذواقك ولا تفرضها. تنفتح ولا تبدد ذاتك باستنساخ الآخر. انك وحيد ولو غدوت معطاء. العطاء وحده لا يهدد انسانا ولا يميعه انت وحيد ولا يشبهك آخر لكنك لست واحدا لأنك في لقاء.
تلك هي الأنا المسكوبة، المتطهّرة التي تسعى الى تنقية ذاتها والآخر فتنوجد وينوجد الآخر.

المطران جورج خضر
عن النهار