سلام،

أحد الأشخاص معي في المكتب كان يتكلم عن اليابانيين وكيف أنهم شعب متعلم ومثقف وذكي وينتج الكثير من المنتوجات ذات الجودة العالمية مع أنهم صغار القامة، وفي النهاية ختم حديثه بالقول: ولكن للأسف يعبدون بوذا، وهم اهتموا بالدنيا أكثر من الآخرة. طبعاً هذا الشخص هو مسلم. فكان ردي هو، يعني إذا كان هؤلاء الأشخاص لا يعرفون الله ولكن يعملون بجد ويحترمون الإنسان ويحبون بعضهم البعض، فماذا يختلف عن شخص آخر يعمل هذه الأعمال بحسب "الشريعة"؟ فقال لي: هؤلاء الأشخاص وإن كانوا صالحين فهم يسيئون إلى الله لأنهم لا يعبدوه، وأسشهد بآية من القرآن: وما خلق الإنسن والجن إلا ليعبدوه. هنا أنا لم أكمل، لأني أعرف أنه لن يتقبل كلامي. فالموضوع إذاً هو: ماذا تختلف المسيحية عن باقي "الديانات"؟

بداية، كان هناك وقت لم يكن العالم الروحي والمادي موجوداً، بينما الله كان موجوداً منذ الأزل. هذا يعني أن الله لم يكن محتاجاً لكل هذه الأمور، وإلا لكان وجودهم أزلياً أيضاً. ولهذا القول بأن هدف خلق الله للإنسان هو لعبادته ليس صحيحاً، فالله ليس سادياً يريد أن الناس يتعبدون له ويصلون خمس مرات في اليوم، وينقطعوا عن الطعام .... إلخ. بهذا المعنى لا تختلف اليهودية والإسلام وباقي "الديانات" في أنهم قد يفعلون أموراً نابعة من داخل الإنسان، من كيانه الداخلي ولكن دون أن تصب في الهدف. أن تصلي دون أن تأخذ المسيح لا يعني شيئاً، أن تصوم دون المسيح لا يعني شيئاً.

المسيحية ليس هدفها تنظيم حياة الناس وتقنين كل حياتهم كما في بعض "الديانات" بل هي تغيير الإنسان نفسه في العمق، هي خلق لإنسان جديد بدل الإنسان العتيق. هذا الهدف هو الذي لا تستطيع أي "ديانة" أخرى أن تقدمه هو ما يميز المسيحية. الناموس والأنبياء كانوا تمهيداً للمسيح، ولم يكونوا هدف في حد ذاتهم كما يقول بولس الرسول: أنما غاية الناموس هي المسيح. على هذا المعنى لا يوجد نبي بعد السيد المسيح، لأنه هو غاية الخلق. إن كانت كل الأمور الموجودة في "الديانات" الأخرى يعملها من ليس عندهم كتب هذه "الديانات"، فأي فضل لأصحاب هذه "الديانات" على هؤلاء؟ شخصياً، أعتقد أن اليابنيين، وإن كانوا لا يؤمنون بالله (على الأقل أغلبهم) فهم يتصرفون بحسب ناموسهم الداخلي بما يرضي الله، ولا يختلفون عن المسلمين أو اليهود من وجهة نظرنا كمسيحيين.

نهاية، الله لا يميز إنسان عن إنسان، بل يريد أن الجميع يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون. فنحن لا نقول بأننا كمسيحيين، وخصوصاً كأرثوذكسيين بأننا سنخلص، وبأن باقي البشر سيهلكون، وكأن الله منَّ علينا بالخلاص دون غيرنا. من شأن هذه النظرة أن تخلق أزمات إنسانية، كما حدث ويحدث، بحيث يعتقد البعض بأنهم هم جنود الله، وإن كان أحد مخالف لهم فهو كافر ويستحق القتل والمعاملة السيئة ودفع الجزية وهو صاغر ... إلخ. في إعتقادي، لا يجب أن نحكم على غيرنا من الأشخاص لأنهم ليسوا مثلنا، لأنه ربما لو ولدنا في اليابان لكنا مثلهم على الأغلب، لأن الكثير من الأمور تورث ومنها الدين، وإن كان البحث عن الحقيقة مطلب ضروري. نحن علينا أن نوصل الكلمة فقط، والله سيتكفل بالباقي. في النهاية التعاليم تعبر عن ذاتها بالأعمال من خلال الأشخاص، فمن كان تعليمه صالحاً ومستقيماً أو فاسداً سيبان للعيان دون الحاجة إلى كتاب.

صلواتكم