عندما نرى شخص يكره الكنيسة والله وكل الطقوس، عندها أعتقد يجب أن نسأل هذا السؤال: ما الذي حدث في حياة هذا الشخص من جهة الكنيسة؟ فالكاهن مثلاً يجب أن يفتقد رعيته باستمرار، والسؤال عن الذين غابوا عن القداس، وزيارة المرضى والحزانى وافتقاد الفقراء. ولكن قد يصدف أن نواجه كاهن أو راعي متسلط، محب للمال والتملك، الأمر الذي يدفعه إلى مخاصمة كل الناس لأن محبة المال هي أصل كل الشرور. بسبب الضعف البشري هذا الأمر يؤدي إلى حاجز نفسي بين الطائفة وبين الكنيسة ككل، الأمر غير المحبذ. فخلافاتك مع الكاهن لا تعني أن تحارب المسيح والكنيسة، لأن الكاهن وإن كان حصل على نعمة الكهنوت، إلا أنه ما زال بشراً وقد يخطيء. لنعامله على هذا الأساس. سمعت مرة قصة تحكي أن شخصاً بسيطاً (أعتقد أنه كان قديس وليس قصة شعبية، ولكن الذاكرة لا تسعفني في الإسم) دخل الكنيسة في أحد المرات، فرأى الكاهن يضع حجراً كبيراً على ظهره (رمزاً لخطاياه)، ولكن عندما بدأ يقدس أتت ملائكة ورفعت عنه الحجر. هذه القصة تعني أن الكاهن وإن كان خاطئاً كشخص، فهذا لا يعني أن نعمة الله لا تسري من خلاله، لأنه ما دخل الشعب في خطايا الكاهن.

ما حصل في التاريخ هو أمر مشابه لهذا السناريو على الكاهن، ولكن على مستوى الكنيسة الكاثوليكية. فبسبب ممارسات الكنيسة الكاثوليكية وأخطائها اللاهوتية، ظهر بعض الأشخاص الذين حاربوا الكنيسة الكاثوليكية وانفصلوا عنها، لا بل حاربوها. فمثلاً، فبدل أن يرفض مارتن لوثر عقيدة المطهر رفض المجامع المسكونية جملة. وبدل أن يرفض عقيدة الحبل بلا دنس، رفض تسمية العذراء والدة الإله جملة. وبدل رفض عقيدة عصمة البابا رفض السلطان الكنسي جملة. وبدل رفض بتولية الكهنة رفض الكهنوت جملة. وسموا هؤلاء الأشخاص أنفسهم بروتستانت، أي المحتجين أو المقاومين، ويقصدون المحتجين على الكاثوليكية بشكل خاص. ونشبت بينهم حروباً، وقتل أعداد كبيرة من الناس بين الطرفين بسبب تكفير كل منهما الآخر.

هذا الشخص مارتن لوثر أصلح الخطأ بخطأ أعظم، إذ ابتعد أكثر من ابتعاد الكاثوليك عن الكنيسة، لأنه كان لديه بعض التحفظات وربما بعض المشاكل الشخصية مع الكنيسة الكاثوليكية، فأنا لست بعالم بسيرته الشخصية، ولكن هذا ما يخيل لي. وهذا أمر خطير، أي أن ننقسم كل ما رأينا خطأ. الأجدى أن نصلح الأخطاء، أو على الأقل محاولة تصليحها. فالعلاقات بين الكنيسة الأرثوذكسية والكاثوليكية كانت متوترة على مدى قرون، حتى أنها انقطعت في بعض الأحيان لمدة تصل إلى ثلاثين سنة، ولكنها كانت تعود إلى طبيعتها، إلا أن وصل الأمر إلى أوجه في القرن الحادي عشر، ولم يستطع أحد إرجاع العلاقات منذ ذلك الحين، بسبب تعنت الأشخاص. وهذا ما حدث في اليونان وفي العالم الأرثوذكسي بشكل عام بين تابعي التقويم اليولياني وتابعي التقويم الغريغوري، وأصبح هناك أبرشيات وأساقفة لكل فئة، وكل منهما تحرم الأخرى. القديس يوحنا الذهبي الفم يقول:

أقتباس أقوال آباء وقديسو الكنيسة الأرثوذكسية

قول آبائي: القديس يوحنا الذهبي الفم

بأن الذي يقسم جسد المسيح (أي الكنيسة) يفعل خطيئة أعظم من الذي يكفر، لأن الذي يكفر يهلك نفساً واحدة وهي نفسه، أما الذي يقسم الكنيسة، فيهلك نفوساً كثيرة.





لا يستطيع عاقل أن يقول بأن الكنيسة والتقليد كان كله خطأ حتى ظهور مارتن لوثر، فنحن نتكلم عن 16 قرن. كان هناك أخطاء، ولكن أخطاء ضمن الأطر التي تسلمتها الكنيسة، ولكن هذا لا يعني أنكار الأمر كله كالقول بأنه لا يوجد أسقفية ولا يوجد كهنوت ولا يوجد أسرار ولا يوجد تقليد. هذا الفصل بين التقليد والكتاب المقدس أدى إلى ظهور تفسيرات غريبة للكتاب، لأن الكتاب المقدس إنما يفسر في الكنيسة. وبالتالي كثرة التفسيرات أدت إلى ظهور طوائف وشيع كثيرة العدد، وللأسف يجدف على اسم الله بسببهم. فمنهم من يسمح بزواج الشاذين جنسياً، ومنهم من يزوج إمرأة مع كلب، ومنهم من يرسم إمرأة كاهنة ... إلخ.

في الأمس سمعت محاضرة للأب توماس هوبكو عن جملة قالها السيد المسيح: "لا تدعوا أحداً أباً لأن أباكم هو واحد"، فيقول في عرض حديثه أنه تكلم مع واعظ بروتستنتي، فقال له الواعظ: أنتم تخالفون تعليم الكتاب؟ فقال له كيف؟ فقال: أنتم تنادون على الكهنة "أبونا"، والسيد المسيح أوصانا ألا ننادي على أحد "أبونا". هذا يدل على ضيق أفق التفسير للنص الكتابي لدى البروتستانت. ما يضحك بالأمر أن الأب توما قال له: أنت متزوج، ماذا يقول لك أولادك؟ قال: أنا أعلمهم أن يقولوا لي: dad وليس father؟! هذا تحايل عن جوهر الكلمة والإلتصاق بحرفيتها. فكلتا الكلمتان لهما نفس المعنى.

"أني أشهد أن لهم غيرة، ولكنها ليست مقدسة" هذا ما قاله بولس عن اليهود، وهذا ما أقوله أنا عن البروتستانت، لأن اليهود فسروا النصوص بشكل خاطيء ودافعوا عن هذا الخطأ، وكذلك فعلوا البروتستانت.

في النهاية هناك أمران يجب أن نحاول أن نعملهما، الأول:
أن نعمل أعمالاً صالحة ليمجد الله فينا بين الأمم وحتى لا ندفع ضعيفي النفوس بعيداً عن الكنيسة، وثانياً: عدم الإنفصال عن الكنيسة إن حدثت بعض الـأخطاء هنا وثمة.