" لاننا نحن عمله مخلوقين في المسيح يسوع لاعمال صالحة قد سبق الله فاعدها لكي نسلك فيها "
(اف 2 : 10)


الخليقة الجديدة والأعمال الصالحة

ما أحوج الإنسان لان يدرك ويتيقن من أن له رسالة فى الحياة يتعين عليه تأديتها والسير حسب مقتضاها ، رغم كل الظروف والتحديات ، بل رغماً عن إرادته ورغباته ، وذلك لأن عدم سيره وفقاً لرسالته فى الحياة حتماً سيجعله يخسر كل ميراث محفوظ له فى السموات.

وكما قال أباء الكنيسة أن فى قول بولس الرسول هنا تلميح للميلاد الثانى ، الذي هو بالحقيقة خلقة ثانية ، فآدم المخلوق الأول مات بفعل التعدى والمعصية ، والذى كان يمثل الخليقة الأولى ، أما الأن فنحن " مخلوقين فى المسيح يسوع " رأس الخليقة الجديدة " ، ولكننا مخلوقين ليس لكى نسلك حسب ذوانتا وفساد طبيعتنا الأولى ، بل من أجل الأعمال الصالحة المعده لكل إنسان والتى يضمن له السير فيها كل بر ونمو ومعرفه بالمسيح ، بل وبدونها لن يستحق الإنسان خلاص المسيح ومحبته .
وما هذه الأعمال التى يتعين على الإنسان السلوك فيها إلا الثمر الذى يجب ان يظهر فى حياته بعد تجديده ، ومن ثم فهى ليس ثمناً لأيديته لأننا بالنعمة مخلصون (اف 2 : 8) ، " ولا مشاركة فى آلام الخطية ، لأن" كل تعد و معصية نال مجازاة عادلة " (عب 2 : 2) ، ولا تستطيع هذه الأعمال بمفردها الدخول بالإنسان إلى الحياة الأبدية السعيدة ، لأن خلاص الإنسان ليس بأعماله " لا باعمال في بر عملناها نحن بل بمقتضى رحمته خلصنا بغسل الميلاد الثاني و تجديد الروح القدس " (تي 3 : 5) ..
ولو كانت هذه الأعمال كافيه لتبرير الإنسان فالمسيح اذا مات بلا سبب ، طالما كانت الاعمال الصالحة تبرر الإنسان ، ولكن " ليس من اعمال كي لا يفتخر احد" (اف 2 : 9) .
ولكن لا شك أن هذه الاعمال ، أى الاعمال التى أعدها الله للإنسان لكى يسلك فيها ، تحتاج مؤازة الروح القدس للإنسان ، وذلك ليس فقط لأن ضعف الإنسان سيمنعه من آداءها على النحو المطلوب ، ولا بسبب أفكار الإنسان العتيق المختزنة داخل العقل والتى يوردها كل حين على الإنسان ، ولكن مؤازرة الروح تكمن أهميتها هنا فى ان الروح يقدم عنا توسلات وتشفعات لا ينطق بها من اجل امور لا يدركها عقلنا البشرى ، لأنها تعلو مستواه وحدوده ، وهذا ما صرح به بولس الرسول لأهل رومية حبن قال " لاننا لسنا نعلم ما نصلي لاجله كما ينبغي و لكن الروح نفسه يشفع فينا بانات لا ينطق بها " (رو 8 : 26) ،
فمهما بلغ الإنسان فى المعرفة الإختباريه لامور والروح و الحياة سيظل يجهل أمور أكثر مما اكتسبها بالمعرفة والخبرة ، لا اتكلم فقط على مستوى الروح ولكن على مستوى الحياة عموماً ، فالضرورة موضوعة على الإنسان كل حين أن يستعين دائماً بالمشورة والإرشاد ، وهذا ما يجعلنا دائماً فى إطمئنان من جهلنا بالأمور التى لا يدركها العقل والأمور لا نعرف كيف نصلى لاجلها كما ينبغى لأن الروح يقوم نيابة عن الإنسان فى أداء هذا الدور الهام والخطير والذى من شانه جعل أمر القيام بالأعمال الصالحة التى دبرها الله لكى نسلك فيها ، أمر مؤكد نجاحه وحقيقة ثماره .
وإذا كانت هذه الأعمال تحتاج من الإنسان أن يبدأ فيها ، فعليه حتماً الإستمرار فيها ، وكما قال أحدهم " إن كان علينا أن نسافر في طريق يؤدي إلي مدينة ملوكية، وعبرنا الجانب الأكبر منه ثم جلسنا وتراخينا بالقرب من المدينة جدًا،فلا ننتفع شيئًا . " فالروح يسر بالذين يبدأون فى الجهاد ويستمرون ، أما الذين يبدأون ثم يتقاعسون عن الإستمرار فهؤلاء هم الذين يشهدون على انفسم أنهم أبناء العالم والجسد ، وقد رثى بولس الرسول هؤلاء فى رسالته لأهل فيلبى حين قال : " لان كثيرين يسيرون ممن كنت اذكرهم لكم مرارا و الان اذكرهم ايضا باكيا و هم اعداء صليب المسيح.الذين نهايتهم الهلاك الذين الههم بطنهم و مجدهم في خزيهم الذين يفتكرون في الارضيات (في 3 : 18 ، 19)..
ويحتاج الإستمرار فى هذه الأعمال إلى إصلاح من الروح بين الحين والأخر ، وذلك حتى يصل بالإنسان إلى الأمتلاء من هذه الأعمال الصالحة والتى لا غنى عنها لأى نفس ترغب فى خلاص المسيح والتمتع بأمجاد الدهر الآتى ..
ولعل الأمر تبدو بسطاته وعدم استحالة إتمامه نظراً لأن الأمر على مستوى إرادة الرب ومشيئته ، فمسرته هى ان نعبده بالروح والحق ، والأعمال الصالحة هى ثمرة السلوك بالروح والحق ، الأمر الذى يجعل الروح يهتم أكثر مما نتصور ونفتكر وذلك بالعمل على مؤازرة الإنسان للسلوك فى هذه الأعمال الصالحة ، مقدماً له فى ذلك كل ما يفوق عقله وإدراكه من مساعدة وتيسير وقوة وتدبير ، بل العديد من المواهب والبركات .
فهل تقبل عمله الآن للسلوك فى الاعمال الصالحة التى أعدها لك الله لكى تسلك فيها ؟ أنها عظيمة الأثر والبهجة لكل من يمتلىء بها لانها كفيله بأن تمجده بالحق واليقين ، وذلك لأنها ستكون وقتئذ بالروح والحق معمولة ، ، فهل تقبل الآن ؟ لك القرار والمصير.