المثلث الرحمات
غريغوريوس الرابع
بطريرك أنطاكية وسائر المشرق
(1859 ـ 1928 )
سيرة هذا الرجل العظيم برهاناً كبيراً على أن عصر القداسة باق ما دام الروح القدس يعمل في كنيسته ، التي اقتناها الابن المتجسد بدمه الكريم ، لما سفك على الصليب .
ولد غنطوس الحداد ( غريغوريوس لاحقاً ) في قرية عبية ، وهي قرية من قرى لبنان وذلك في الأول من شهر تموز 1859م . كان أبوه جرجس الحداد يعمل مزارعاً بسيطاً ، وأمه هند ابنة عساف سليم من قرية كفرشيما .
دلّت بنية غنطوس الحسنة وجبهته الواسعة ونظره الحاد على ذكاء مدهش وأدب سام قلّ نظيرهما في أترابه ، فأسرعا والاه ووضعاه في مدرسة عبيّة وهو لم يكد يجتاز دور الطفولة ، فأكد الخبر بالفعل ، وأقر له أساتذة المدرسة بالنبوغ العقلي ، كما اعترف رفاقه بتفوقه عليهم . إلا إن تلك اللذة العقلية التي تسبب لكثيرين تيهاً وغطرسة ما زادت غنطوس إلا اجتهاداً لإقراه ما حصله من المعرفة بالتهذيب الصحيح ، وإقامة توازن بين اتساع بصيرته ونقاوة عواطفه .
أتم غنطوس دراسته الابتدائية في قريته عام 1872 ، فتخرج منها بعد أن أظهر براعة في اللغات وفي الرياضيات .
ما أن بلغ غنطوس الثالثة عشر من عمره حتّى غادر عبيّة متجهاً إلى بيروت ، حيث دخل المدرسة الإكليريكية فيها في عهد المطران غفرائيل ( شاتيلا ) راعي الأبرشية آنذاك . فأتقن اللغة العربية واليونانية وألمّ بالتركية والروسية ، وانصرف بعدها إلى دراسة الفقه الإسلامي والعلوم الدينية والفلسفية ، فنال باجتهاده مدح أساتذته وإعجابهم مما أدى إلى نيله ثقة معلمه المطران غفرائيل .
عيّن غنطوس كاتباً في دار المطرانية في بيروت ، عام 1875، وبقي هكذا إلى أن تقبّل الإسكيم الرهباني ، وذلك في التاسع عشر من شهر كانون الأول لعام 1877، ودعي باسم غريغوريوس . فترهب الأخ غريغوريوس في دير سيدة النورية في حامات ، إلى أن تم اختياره ليكون شماساً إنجيلياً، فرسم في بيروت عام 1879، وأوكلت إليه مهام كثيرة منها إنشاء جريدة الهدية ، والإشراف على طبع كتاب " البوق الإنجيلي " وترجمة مقالات وخطب عن اللغة اليونانية إلى اللغة العربية نشرها كلها في جريدة " الهدية " وهي جريدة التعليم المسيحي في بيروت. كما أنه أنشأ مكتبة في دار المطرانية حفظ فيها كتباً ومخطوطات وأوراقاً قيّمة .
قام المطران غفرائيل بتعيين غريغوريوس نائباً له في جمعية القديس بولس الرسول في بيروت ، التي تأسست عام 1883 ، للاهتمام بأمور التنشئة المسيحية وتحسين الأداء الطقوسي في الكنائس ونشر الثقافة الدينية . فارتقت الجمعية بفضل إرشاده وازدهرت وأخذ أعضاؤها يطوفون في البلاد عاملين على نشر الثقافة الدينية اللازمة للمؤمنين .
كتب السيد أمين ضاهر خير الله واصفاً غريغوريوس " اشتهر بنشاطه واستقامته وعفافه وزهده ودماثة أخلاقه … وكان له ذهن لا يعرض عليه نسيان وقريحة سيالة كالسحاب ، وتصورات من أبدع ما يعرض للمخيلة ، وشعر منسجم الحواشي مبتكر المعاني … … ".
ما إن توفي صفرونيوس ( النجار ) مطران طرابلس و الكورة وتوابعهما عام 1890 ، حتى انتخب غريغوريوس خلفاً له فرسم كاهناً للعلي على يد غفرائيل مطران بيروت في السادس من شهر أيار من السنة نفسها ، ثم ما لبث أن نال نعمة رئاسة الكهنوت على يد البطريرك جراسيموس يعاونه سيرافيم مطران أديسا ( الرها ) ونيقوديموس مطران عكار ،وذلك في العاشر من الشهر نفسه .
في طرابلس كان للمطران غريغوريوس عمله ، فانصرف إلى الاهتمام بشؤون الرعية فأسس الأخوية الأرثوذكسية الطرابلسية لتعنى بشؤون المعوزين والمحتاجين ، وأنشأ مكتبة في دار المطرانية ، وجدد مدرسة بكفتين وأعاد لها نشاطها بعد أن كانت توقفت لفترة من الزمن ، وزودها بمكتبة. كما أنه تعهد مدرسة البلمند الإكليريكية ، فاستقدم مرتلين يونانيين متفوقين إلى الدير ، وزوده بمكتبة أيضاً ، كما أنه أمد مكتبات أديار سيدة النورية وحماطورة وكفتون بكتب ومخطوطات .
بقي غريغوريوس على منصة الرعاية في أبرشية طرابلس إلى أن رقد المطوب الذكر البطريرك ملاتيوس الدوماني ، فانتخبه المجمع الأنطاكي المقدس بطريركاً . ثم صدرت الإرادة السنيّة بتصديق انتخابه بطريركاً في 6 آب فتقرر الاحتفال بتنصيبه يوم الأحد في 13 آب 1906في الكاتدرائية المريمية بدمشق ز فتسلم السدة البطريركية وهو مدرك ثقل المسؤولية الملقاة على عاتقه فأمسك دفة اٌدارة والقيادة بقلب ملؤه الإخلاص والمودة .
في اليوم التالي لتننصيبه ، وجه البطريرك الجديد الرسائل السلامية إلى البطاركة ورؤساء الكنائس المستقلة . وكانت هذه المسألة من أولى الصعوبات التي واجهها البطريرك الجديد . لأن البطاركة اليونان الذين استاؤوا من استقلال الكرسي الإنطاكي بالإدارة الوطنية أبوا أن يرسلوا جواباً لتلك الرسائل السلامية . غير أن ثباته على مبدئه وشعور رؤساء الكراسي الأرثوذكسية المستقلة بإخلاصه ، جنح أخيراً بالنافرين منهم نحو السلم العام ، فزال النفور وحل محله الولاء والتعاون على إتمام الواجب الكنسي العام . وقد عني بتعزيز المدارس لا سيما مدرسة البلمند ، وأنشأ مجلة النعمة التي جعلها لسان الطائفة ، وجدد الدار البطريركية في دمشق .
ولما احتفل القيصر نيقولا الثاني ( 1913 ) باليوبيل المئوي لمرور 300 سنة على تملك أسرة رومانوف في روسيا ، لبى غبطته دعوة القيصر الخصوصية ليرئس الاحتفالات الدينية التي ستقام في بطرسبرج لهذه المناسبة فتوجه إلى بلاد الروس ، ولدى مروره بالأستانة ( استانبول ) قابل السلطان محمد الخامس الذي أهدى إليه الوسام العثماني المرصع من الدرجة الأولى وبعد ذلك سافر إلى أوديسا على سفينة مخصوصة أعدتها له الحكومة الروسية .
في 5 آذار وصل غبطته إلى موسكو ، فاحتفلت العاصمة القديمة باستقباله احتفالاً لم تقمه لغيره من القياصرة . ونزل ضيفاً على القيصر . وقد أهدى له القيصر وسام القديس ألكسندر نفسكي من الدرجة الأولى ، مع صليب مرصع ليعلّق على مقدمة اللاطية فوق الجبين ، ولأول مرة في التاريخ قبّل قيصر روسيا يد إنسان غير والده ، وذلك عندما استقبل البطريرك غريغوريوس الرابع ، إذ انحنى على يده اليمنى يقبلها ثم أجلسه على مقعد فخم إلى جانب العرش .
وفي أثناء إقامته في روسيا زار أكثر معاهدها الشهيرة ، فلقي حفاوة لم يسبق لها مثيل عند جميع الطبقات من العرش القيصري ومن أفراد الشعب وعندما حضر جلسة من جلسات المجمع المقدس أهدى إليه الصليب المرصع الذي أخرجه المجمع لاستقباله وليحمل أمامه في الحفلات الدينية ، وذلك تقديراً واحتراماً له من المجمع . وقد كان هذا الصليب تقدمة من والد القيصر إلى المجمع المقدس الروسي .
كانت المدة التي قضاها في جولته هذه من 9 شباط 1913 حتى 24 حزيران 1913.
تقدم العمر بالبطريرك حتى بلغ السابعة والستين فأصيب بمرض في عينيه كاد يفقده النظر ، فأجريت له عملية الماء الزرقاء ، وبعد معالجة تامة شفي وعاد النور إلى عينيه .
وفاته :
وحدث يوم الأحد الواقع فيه التاسع من كانون الأول سنة 1928 أنه استقبل وفوداً عديدة بعد القداس في سوق الغرب ، حيث كان المجمع المقدس موشكاً أن ينهي أعماله . وفي الساعة الثانية بعد الظهر ذهب لتناول الطعام ، وكانت معدته قد أصيبت بالبرد ، فاستيقظ في الليل يشكو ألماً شديداً ، وتقيأ طعاماً غير مهضوم ، ثم تقيأ دماً ممتزجاً بالطعام مما دل على وجود قرحة في المعدة وكان القلب يشكو من ضغط شديد فعالجه الأطباء حتى إذ طلع الصباح وجدوا في جسمه كميات كثيرة من السكر خشي معها من التسمم العام . بقي الأطباء يعالجونه ، والمرض يستعصي ، حتى لفظ أنفسه الأخيرة في الساعة الخامسة من صباح يوم الأربعاء 12 كانون الأول متمماً قول بولس الرسول " لقد صبرت إلى النهاية " ففارق هذه الحياة إلى الحياة الفردوسية ليرتع مع الملائكة والقديسين .
نقل جثمان البطريرك إلى بيروت ، ومن بيروت ذهب الموكب إلى دمشق ، فاستقبلت المدينة جثمان البطريرك غريغوريوس بمائة طلقة وطلقة وكانت الجماهير تصرخ : " مات أبو الفقير بطريرك ال********** والمسلمين نزلت بالعرب الكارثة العظمى " . ولما بلغ نعي البطريرك غريغوريوس الملك فيصل الأول في بغداد أرسل من عاصمة الرشيد إلى عاصمة الأمويين مائة فارس على خيل ليشيعوا جثما البطريرك الراحل .
يروي شاهد عيان لجنازة البطريرك قائلاً :" عندما أطللنا على دمشق إذ بنا نستقبل بألوف من العمائم البيضاء وكلهم يندب ويقول " مات بطريرك المسيحيين وإمام المسلمين . الله أكبر " وإذ أشرف الموكب على الممر الذي يقود إلى سوق الحميدية والجامع الأموي ، أظهر المسلمون رغبتهم بأن يدخلوا الجثمان إلى الجامع ويقيموا الصلاة هناك ثم يتابع الموكب مسيرته إلى الكنيسة المريمية "
دفن البطريرك غريغوريوس غرب الكنيسة المريمية في مدافن البطاركة .
مزاياه الخاصة وفضائله :
إذا أردنا أن نتحدث عن البطريرك الراحل من ناحية فضائله ومزاياه الخاصة نقف مقصرين دون إيفائه حقه الواجب . ولعلّ أبلغ ما كتب في وصف غبطته كان بقلم السيد جرجي نقولا باز :
" أعرف غريغوريوس وقور الطلعة،جميلها،مشرق المحيًا،واسع الجبين،مستديره،تتقد عيناه ذكاءً ، كث اللحية،طويلها،جمّلها الشيب،أبيض البشرة،معتدل الجسم والقامة .
وكان حسن الخط،رخيم الصوت،قوي الذاكرة،لبقاً في حديثه،سريع الخاطر،حاضر النكتة،مثابراً على المطالعة والعمل،دقيقاً في أبحاثه،واسع الاطلاع والصدر . وكان رقيق العواطف، دمث الأخلاق مثالياً في عفته وتواضعه،طويل الأناة صبوراً على المكاره والنكبات،يمتاز بقناعته وتقشفه، ثابتاً على الصواب ولو كلّفه ذلك ما لا يرضاه له محبوه .
كان طاهراً المزايا،مجيد الأعمال، كثير الرماد،سخي اليدين،يحتقر المال ويبذله بسخاء لكل معوز،بحافز الإنسانية المجردة حتى إفقار ذاته وهلاك جسده .
كان خطيباً يهز المنابر،والمشاعر، قوي الإقناع،يعظ الرعيّة فتتعظ،عظاته بليغة وعباراته فصيحة ومعانيه سامية وأسلوبه الإنشائي من السهل الممتنع. فهو من أعلام اللغة العربية .
كان حسن العبادة،حار الإيمان،مثابراً على الصلاة والصوم في الصحة والمرض. كان يوقظ النيام في البطريركية،يدعوهم إلى صلاة الصبح الباكر . تقي بطبعه لا لمنصبه . تكاد أخلاقه تغفل المنصب وهو الذروة ، فهو بحق رسول ابن الله ".
1ـ تقي:
بكل ما في الكلمة من قوة ، فهو صوام بدون تذمر ، ومصلّ بدون ملل . ورغم ما أصيب به من الأمراض في شيخوخته ما برح ملازماً تقشفاته غير راض عنها بديلاً .
جثا يصلي في غرفته من المغرب حتى منتصف الليل . عيل صبر الطاهي فدخل الغرفة فأبصره راكعاً فسأله عن إحضار العشاء ؟ فأجاب البطريرك " أعطه غداً لأول فقير يعبر دارنا ، فلا يليق أن آكل وغيري يتضور جوعاً ".
كان صائماً ولما حان وقت الطعام ، جاءه الطاهي بإفطاره ، فإذا بأولاد في ساحة البطريركية . سأل عنهم فقيل إنهم فقراء جياع . فناداهم البطريرك وأعطاهم طعامه .
تأخر البطريرك يوماً عن وجبة الطعام ، فأبقى له الطاهي حصته ولمّا رأى أن طعامه أشهى مما أعطي لسواه رفضه وقال :" أعطوني مثلما قدمتم لأخوتي ".
2 ـ عالم واسع المعرفة ومحب للعلم :
لم يمنعه عدم تخرجه من مدارس عالية من الجد في تحصيل العلوم اللاهوتية والمدنية فله اطلاع واسع على اليونانية وإلمام بالتركية والروسية . أم في اللغة العربية فمن الذين لا يشق لهم غبار .فهو يرتجل الخطبة بعبارات منضدة التركيب لا تستطيع أن تجد لها بديلاً يفضلها أو بالأحرى يضاهيها، كأنما قضى وقتاً في تحضيرها .
قال في حديث له في الجامعة الأمريكية ببيروت عام 1912 :" كنت أشاهد في طريقي ما كتبه أهل الفض على جدران الشوارع ـ إلى العلم ، إلى العلم ـ فقلت ما أجمل الذهاب إلى بيت العلم . العلم ينبوع ، وكما أن الينبوع لا يميز بين الأيدي الممدودة إليه بل يتدفق عليهم جميعاً ، هكذا العلم لا يميز بين طالبيه بل يجري على كل طالب يمد يداً مفتوحة . العلم نور . والنور يشرق على جميع الناس على السواء ولكن لا يراه إلا الذي يفتح عينيه ويعودهما على استقبال النور ".
وأرسل غبطته الطلبة إلى الجامعات في روسيا واليونان ورومانيا والقسطنطينية والجامعة الأمريكية في بيروت ، كما اهتم بالترتيل البيزنطي واستقدم مرتلين يونانيين إلى دير البلمند ليعملوا على تحسين الأداء الليتورجي من خلال تدريب لجوقات والمرتلين لأنحاء الكرسي كافة .
ومنحت جامعة أثينا الكبرى البطريرك غريغوريوس دكتوراه فخرية في اللاهوت ، كما أنه أصبح عضو شرف في كل من أكاديمية موسكو وجمعية نشر التهذيب الديني الأدبي في بطرسبرج ، و لجنة التذكار اليوبيلي لأسرة رومانوف .
3 ـ ذو مبدأ راسخ :
لا يعمل إلا ما يعتقده صواباً ، أو ما اعتقد صحته ، ويتعذر عليك تحويله عنه . الأمر الذي جعل كثيرين يتهمونه بالتعصب ، وليس ذلك منه في شيء . وإنما هي ميزة خصّ بها كبار الرجال ، وهي في الغالب سبب فوزهم في بحر هذه الحياة .
لما تفشّى وباء الكوليرا ( الهواء الأصفر ) في طرابلس ، لم يهرب غريغوريوس ( كان مطراناً ) من المدينة شأن الكثيرين ، ولكنه طفق يزور المرضى ويعزي المنكوبين ويعطف على الفقراء من جميع الطوائف . ولما ألح عليه أصدقاؤه بالفرار قال المطران : " ليست حياتي بأفضل من الذين لا يستطيعون الفرار من الوباء ".
اعتقل رجال السلطان عبد الحميد قاضي طرابلس بتهمة التجسس ، فأعرض الجميع عنه إلا المطران غريغوريوس ،فقد زاره في السجن وأمده بالمال وبقي يجهد في طرابلس الأستانة حتى ظهرت براءة القاضي وعادت كرامته . ولما صار المطران بطريركاً جاء ابن ذلك القاضي مع وجهاء مدينته وقال له :" أنا آت إليك من الأستانة لتنفيذ وصية والدي المتوفى ، فقد قال لي: ير إلى دمشق وقبل زيارتك للجامع الأموي اذهب وقبّل يد بطريرك الروم ".
4 ـ رجل سلام متواضع :
روحه السامية جعلته قريباً من قلوب المتخالفين في سياستهم . فقد استطاع أن ينال التفات سلاطين تركيا ، وقياصرة روسيا ، وقادة جيوش الاحتلال الفرنسي والإنكليزي، والأمراء الهاشميين ورجال الدولة المنتدبة.
كثيراً ما كان يطوف على حاشيته قبل أن يذهب إلى فراشه، طالباً إليهم أن يسامحوه إذا كان قد أغضبهم بما بدر منه ،حتى لا يدع الشمس تغيب على غضبه .
انحنت امرأة تقبّل يد المطران غريغوريوس، فأمسكتها وقالت " ما أجمل هذه اليد البيضاء يا سيدنا" فقال مطرقاً :" إنها للدود والتراب يا بنيتي ".
كان صحافي يعادي غريغوريوس المطران فالبطريرك ، ويكتب عنه مقالات جارحة غير مكترث لنصائح العديد من أصدقائه . وما كان من أحدهم إلا أن أقنع الصحافي بزيارة البطريرك . فلما وصل استقبله غبطته بحرارة وأنس، فخجل الصحافي واعتذر عما صدر منه .
حضرت إلى البطريركية جماعة من إحدى القرى القريبة من دمشق ، يشكون لغبطته ما أصابهم من ذل، إذ أقدم جماعة من غير الأرثوذكس وأنزلوا جرس الكنيسة ورموه خارجاً . وقد كان الوفد يأمل أن يكلم غبطته الحاكم ليستخدم بحقهم القانون بشدة . إلا أن البطريرك لم يجارهم بل خاطبهم بالمحافظة على حسن الجيرة .فرجع أعضاء الوفد غاضبين ، متذمرين وما كان من البطريرك إلا أن نزل ضيفاً على المعتدين، فذهبوا لتوهم، وعلقوا الجرس في القبة وقرعوه ، وصلّوا مع غبطته .
غضب والي دمشق لأن البطريرك أمّن الحماية لوجيه التجأ إليه فذهب غريغوريوس والوجيه إلى الوالي في دار الحكومة، وبعد حديث موجز عفا الوالي عن الوجيه. ولما عاد غريغوريوس قال الوالي لمن حوله : " والله كنت حاقداً على هذا البطريرك ولكنني لما أطل عليّ شعرت بقوة أوقفتني منتصباً رغم إرادتي" .
في أحد أيام الحرب العالمية الأولى، حين كانت الأجواء السياسية في غاية التشنج، قدم إلى دار البطريركية في دمشق جمال باشا قائد الجيش العثماني الرابع في سوريا ولبنان، ودخل الدار الخارجية للبطريركية راكباً جواده، والشرر يتطاير من عينيه،والسوط بيده يضرب به جزمته خاف كل من وجد بالدار من رهبان ومدنيين، أما غبطته فلما علم بمجيء القائد العام نزل من مكتبه وبكل احترام ووقار قاده إلى قاعة الاستقبال واختليا هناك وقتاً غير طويل، خرج القائد يشيعه غبطته حتى مكان وجود الحصان في الدار الخارجية. وتوقف جمال باشا في ساحة الدار وقال لغبطته وعلى مسمع من الحضور:"دخلت وفي جيبي أمر نفيكم والإقامة الجبرية كما فعلت بزملاء لكم ولكني، أخرج الآن وكلّي احترم وإجلال لشخصكم الكريم وعربوناً أقدم لكم مسبحتي الشخصية هذه . أرجو أن تتقبلوها مني وتدعوا للدولة بالنصر".ثم ركب حصانه أمام الباب الرئيسي الخارجي لدار البطريركية يرافقه غبطته حيث امتطى جواده وانصرف.
سعى لدى جمال باشا لكي لا ينفي البطريرك الماروني الياس الحويك المعروف بتعلقه بفرنسا، فلما صدر قرار جمال باشا بإخلاء سبيل البطريرك الحويك بكى غريغوريوس فرحاً .
5 ـ أريحي معطاء:
كان سخي اليد قليل الحرص على ما تصل إليه يده ولو فعل لكان من الثروة على جانب عظيم. ولكنه اعقد أن المال هو سلم توصل إلى الفضيلة، وليس هو الفضيلة نفسها كما يخيّل للبعض. فلم يبخل به على من يستحقه. وقضى مدة الحرب وهو يوزع كل نهار أحد على أفراد المتجندين وذوي البؤس ما يحتاجونه .
دخل عليه يوماً كاهن رث الثياب، فأدخله حالاً إلى غرفته وخلع جبته وقلنسوته وحذاءه ووهبها له مع بعض الدراهم ، وصرفه وأوصاه أن يحافظ على كهنوته لأنه نقي، واللباس مرآة للكهنوت أمام عامة الناس.
خاطت له شقيقته غنبازاً للنوم، وأرسلته إليه، فلما وصل إليه كان في حضرته رجل فقير الثياب فخلعه عليه من فوره. وبقيت شقيقته تلح عليه بقياس ذلك الثوب لتعلم ما إذا كان مناسباً وهو يقول لها :"إنني مشغول الآن" حتى عرفت بعد أيام أنه وهبه فسكتت.
ومن المعروف أن خدام البطريركية كانوا يخفون على غبطته بذلاته خشية أن يوزعها.
لما نشبت الحرب الكبرى كان غبطته مرجعاً للفقراء والمعوزين، فكان يطوف أحياناً مع شماسه وقواسه يجمع المطروحين في الأزقة إلى دار البطريركية والمدرسة التي تقابلها،ويعنى بإعالتهم. وكثيراً ما كان يطعمهم بيده غير ناظر إلى مللهم مستديناً المال لذلك .
تظاهرت أمام دار البطريركية في دمشق يوماً نساء مسلمات كنّ يصرخن :" نريد خبزاً يا أبا المساكين . نريد خبزاً لأطفالنا الجائعين فأمر البطريرك أن توزع عليهن فوراً المؤن الموجودة في دار البطريركية.
فتح غريغوريوس أبواب المساعدة على مصراعيها للجميع بلا تمييز بين مسلم ودرزي ومسيحي إبان الحرب العالمية الأولى ، حتى تراكمت الديون وبلغت ما يوازي عشرين ألف ليرة عثمانية ذهباً، فرهن صليبه الماسي الذي أهداه إليه قيصر روسيا ولما وجد صديق له مسلم الصليب معروضاً للبيع في واجهة تاجر يهودي، دفع الصديق المبلغ فوراً وأعاد الصليب إلى غريغوروس قائلاً:"لا يليق بأحد سواك أن يتزين بهذا الصليب يا سيدنا ". ولكن غريغوريوس عاد وباعه سراً ووزع الأموال على الفقراء، ولكي يبقى الأمر سراً استبدل به صليباً زجاجياً وضعه على لاطيته، ولم يكتشف الأمر إلا بعد وفاته،حين اختلس أحدهم الصليب وعرضه على أحد الصاغة في بيروت.
بلغه يوماً خبر نفاد الدقيق من البطريركية إلا كيساً عزم الخدام على توزيعه مخبوزاً ـ عكس العادة ـ على الأرثوذكسيين فقط. فجمعهم غبطته وقلب رغيفاً بيديه ثم نظر إليهم وقال :" لم أجد كتابة ما على الرغيف تقول إنه للروم دون سواهم ". وللحال أمرهم بتوزيع الخبز على الفقراء كافة دون تمييز أو تفريق بينهم .
مما يؤثر عنه أن الراهبة التي تطعم المنكوبين جاءت إليه ذات يوم تشكو من عدم إمكانها أن تعول الجميع لقلة الطعام وكثرة الآكلين وتوسلت إليه أن يقتصر على أبناء ملته الأرثوذكسية فقط ، فأجابها :" غداً نرسل إليك الخبز وقد كتب على كل رغيف اسم آكله ومذهبه فأطعمي كلاً ما يخصه وفي اليوم الثاني جاء الخبز كالعادة فتعجبت من ذلك وذهبت إليه تذكره بوعده فقال لها :"يا ابنتي إن الله أعطانا الخبز دون النظر إلى مللنا وأجناسنا فلنبذله للجميع" . فخجلت وعادت أدراجها تطعم الجميع مما يصل إلى يدها من المأكل .
مد مرة متسول يده إليه للاستعطاء فسأله راهب بقربه عن طائفته فانتهره البطريرك قائلاً:" هل تمنع عنه الصدقة إن كان من طائفة غير طائفتك ؟ ألم يكفه ذل التسول ومد يده للإستعطاء حتى تستذله بسؤالك إياه عن عقيدته ". ثم منح المتسول بعض الدراهم التي في جيبه وصرفه مسروراً مجبور الخاطر.
زار يوماً مدينة زحلة ليقيم فيها قداساً لأحد سكان المعلقة. فجاءه رجل درزي وطلب إحسانه، فلم يجد في جيبه ما يعطيه إياه فصرفه بالحسنى معتذراً إليه كعادته، وواعداً إياه بالتعويض عليه مرة أخرى. وما كاد الرجل يخرج من الباب حتى جاء صاحب المنزل ودفع للبطريرك خمس ليرات ذهبية عن القداس، فنادى البطريرك الرجل واستعادة إليه وأعطاه ما قبضه قائلاً :" الله بعث لنا ولك ".
6 ـ وطنيّ :
شعوره العميق بحب الوطن جعله من أكبر العاملين في سبي استقلال الكرسي الإنطاكي من الرئاسة الروحية اليونانية وقد كان مع المطوبي الذكر المطران غفرائيل مطران بيروت والمثلث الرحمات المطران أثناسيوس مطران حمص، والمطران ملاتيوس مطران اللاذقية، الدعائم التي بني عليها ذلك الاستقلال.فإنهم رغم المقاومات العنيفة التي صادفوها من السلطتين المدنية والروحية ، لم تفتر عزائمهم، وظلوا ثابتين على مطالبهم العادلة حتى نالوها، وهي مأثرة يخلدها التاريخ لهم بالشكر .
قال مرة في قداس أقيم في كاتدرائية زحلة :" إنني أحب أبناء وطني من جميع المذاهب على السواء ولا فرق عندي بينهم أو لسنا نسكن أرضاً واحدة، ونستنير بضوء شمس واحدة، ونستظل بسماء واحدة ، وترف فوقنا راية واحدة هي راية الوطن الذي لا يتجزأ ؟ أو لسنا نحن والمسلمون توحدنا جامعة الانتساب إلى أرض واحدة ووطن واحد ؟ أو لسنا معاً نعبد إلهاً واحداً غير متجزئ؟.
اعداد الخوري اسبيريدون فياض

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات