تأمل في المزمور 123
بقلم الأب/ فادي هلسه
إليك رفعت نفسي يا ساكناً في السماء . هو ذا كما أن عيون العبيد نحو سادتهم كما أن عيون الجارية نحو سيدتها . هكذا عيوننا نحو الرب إلهنا حتى يترأف علينا . ارحمنا يا رب ارحمنا لأننا كثيراً ما امتلأنا هواناً . كثيراً ما شبعت نفوسنا من هزأ المستريحين وإهانة المستكبرين . يسمى هذا المزمور وبعض مزامير أخرى بمزامير المصاعد ، حيث يرتقي الإنسان بالصلاة وأعمال البر وهي ثمرة الإيمان ، تدريجياً نحو السماء .
يرفع الإنسان عقله وروحه نحو الرب طالباً أن يعينه على طريق الصعود نحوه ، والصعود نحو الله صعود شاق يحتاج المثابرة والجهاد الروحي .
ويمكن أخذ العبرة من العالم . فأي صعود يكون صعباً ، فالموظف العالي المنصب قد وصله بعد الخدمة سنوات وسنوات . وصعود الجبال الشاهقة لا يخلو من المخاطر إلا لمن يثابر على ذلك ، فلا يخلو الأمر من الصعوبة والمشقة والأخطار والأهوال والسقوط والتكسر . فالأمر ليس سهلاً . كذلك الصعود نحو الله طريقه مليء بالأخطار ومقاومة الشيطان وزبانيته من البشر .
فصعود الروح والعقل نحو الله مليء بالعثرات والهموم والجهاد بالصلاة والصوم وتطبيق الوصايا في الحياة العملية . ويجد المؤمن الحقيقي نفسه نور في وسط ظلام العالم ، فهو محل استهزاء الناس وسخريتهم ، وفتح عيونهم عليه ، ووضع الحفر والمطبات في طريقه . وللشيطان تدخل رئيس في الموضوع ، فهو يصور لأحبائه من البشر ، كل الوسائل لمحاربة المؤمن في إيمانه ، وملء حياة المؤمن بالهوان ولا بد أن الكثير من المؤمنين يعرف ذلك واختبره في حياته .
لكن المؤمن لا يهاب ، فقد يعثر ويقع ويتكسّر ويفتر وتسود صفحة حياته بعض النقاط السوداء ، والله يعرف ذلك . لذلك يعزي المؤمن بقوله من أين سقطت انهض فتخلص ، ويوصينا مرتل المزامير في كل لحظة ضعف ، تمتلئ بها نفوسنا هواناً أن نرفع عيوننا نحو الله كما يرفع العبد عينيه نحو سيده والجارية نحو سيدتها طالبين الرحمة والغفران ، هكذا عيون المؤمن ترتفع نحو الله في الصلاة كل حين ، ومطالعة سير حياة القديسين ، ولنا عبرة في قديسين كثيرين ، فكم عانى القديس أنطونيوس الكبير من مناظر مرعبة وأفكار مادية كثيرة حاربه الشيطان بها ، والقديس يوحنا الذهبي الفم كم عانى من مشورة الملكة أفذوكسية الجاحدة الإيمان وأخيراً نفي وتعذب ومات في منفاه . والقديس جيورجيوس كم عانى من العذاب سبعة سنين ونصف ، وهي عذابات لم تخطر ببال الشيطان نفسه ، لكنه صمد ونال إكليل جهاده من مخلصه الذي آمن به .
أيها الأبناء الأحباء :
إن امتلأت نفوسنا بأي لون من ألوان الهوان ، أي الفتور والضعف والجفاف الروحي ، لنرفع عيوننا نحو إلهنا فلديه القوة بل ملء القوة حتى يرفعنا ويضمنا إليه .
أما الكنيسة ففيها ما يشدد ضعفك ويقوي إيمانك ، ويمكنك من متابعة الطريق . ففيها صلوات الكاهن لكل فرد في رعيته ، وفيها سر الاعتراف والتوبة الذي فيه أمام الكاهن الذي هو وكيل أسرار الله تطرح كل همومك وجوارح نفسك . وفي الكنيسة سر المسحة بالزيت المقدس وفيها تلبس درع القوة لمقاومة سهام الشرير الملتهبة والمسمومة ضدك ، وفيها القربان المقدس الذي بتناولك إياه باستحقاق وشوق وتضرع يجعلك ثابتاً في الرب والرب ثابت فيك ، بل وتكون مرهباً لسلاطين الظلام .
يا ابني :
بكل هذه الوسائل ارفع عينيك نحو الرب ، وجه قلبك وحياتك نحوه ، إنه يحبك ابناً حبيباً ، وقد اشتراك بدمه الكريم على الصليب . تفرّس بأيقونات القديسين في الكنيسة ، وتأمل سير حياتهم وخذ منها معيناً لحياتك مع الله .
اطرح همومك عند قدمي المصلوب ، سيقويك . تأمل الدماء المنهمرة من جنبه الطاهر المطعون بالحربة . فالدم صالحك مع الله وستر خطاياك والماء غسيلاً لإعادة ولادتك ومنحك ينبوع الحياة باسمه .
كل لحظة ضعف تمر بك ، ارفع عينيك نحو الصليب ، وستنال منه القوة إن نظرت نحوه بإيمان وشوق ومحبة . وجه قلبك صاعداً نحوه ، ولا تكل ولا تتعب بل ترجى الحياة الفضلى لديه .
آمين

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات