(9) اعرضْ بوجهك عن خطاياي، وامحُ كلّ مآثمي
ها أنذا أجمع خطاياي وأعترف بها وأضعها أمامي، ولا يمكنها أن تخفى عن ناظرَيك، لكن أنت اصرفْ وجهك عنها. هذا ما يؤكّده المغبوط أغوسطين وما يقوله الذهبيّ الفمّ بالحرف: "اكتبْ وسجّلْ أنت خطاياك في كتاب الله، وهو سوف يمحوها. لأنّك إن لم تكتبْها أنت فلا يمحوها، وإنّما سيطلب المحاكمة عليها". فالأحسن لنا أن نسجّلها نحن لتُمحى من فوق بدل أن نتناساها نحن وتسجَّل علينا إلى أن نواجهها أمام أعيننا في ذلك اليوم الرهيب (يوم الدينونة).
هذا ما يلظّي قلب داوود، أنّه أساء إلى مَن يحبّه، إلى الله. ولا يعرف كيف يرضيه ويسأل بخشوع مصالحته، أن يغضّ الطرف، أن يمحو الإثم، أن يُكثر الرحمات وأن يغسله. ويزيد كلّ شطر عبارة أخرى. فالمعاني تضيق عن أن تحتوي مشاعر الانسحاق وتحتمل حرارة التضرّع للمصالحة.
(10) قلباً نقيّاً أُخلقْ فيَّ يا الله، وروحاً مستقيماً جدِّدْ في أحشائي
القلب، المقصود هنا ليس العضو الجسديّ بالطبع! سأل المسيحُ مرّة: "لماذا تفكّرون بهذا في قلوبكم؟"
[10]، فالقلب هنا مركز الأفكار. مرّات يعني القلبُ: الإرادةَ، والقرارَ، والميلَ، والرغبة الذاتيّة، كما جاء على لسان أشعياء النبيّ: "هذا الشعب يكرمني بشفتَيه أمّا قلبه فبعيد عنّي"[11]. مرّات أخرى يعني القلبُ: الرضى، والسرور، والقبول: "فوجد الله داوود بن يسّى رجلاً حسب قلبه الذي يصنع كلّ مشيئته"[12].
القلب هو مركز الكيان الإنسانيّ، الإرادة والرغبات، وهنا كلمة قلب يمكن تفسيرها ب"نفس"، أي طهِّرْ نفسي واجعلْها نقيّة. "اخلقْ" هنا لا تعني أنّه يطلب شيئاً غير موجود- وهذا ما يؤكّد عليه القدّيس باسيليوس الكبير- وإنّما كما يقول القدّيس كيرلّلس، اخلقْ هنا يعني جدِّدْ وأصلحْ. فقلب داوود ونفسه كانا نقيَّين لكنّه ملأهما هو فساداً وأفسدهما، والآن يطلب إلى الله أن يعيد فيه القلب والنفس إلى جمالهما الأوّل.
ويزيد داوود في طلبه فيسأل من الله روحاً مستقيماً. الروح المستقيم هو روح الحقّ، فالحشا هنا هو داخل الإنسان، أو بكلمة أخرى الإنسان الداخليّ. فاجعلْ يا ربّي روحي مستقيماً.كما أنّ القلب مركز الإنسان وشخصه فإنّ الحشا هو قرار أعماقه. هكذا يشرح طلبه بصورة ملحّة ومشابهة للأولى التي في الشطر الأوّل.
يؤكّد ثيوذوريتوس هنا أنّ المقصود ليس الروح القدس ولكن روح الاستقامة أي مفهوم العدل والحقّ والعقل السليم. كذلك القدّيس أثناسيوس يشرح الروح المستقيم بالضمير الحيّ.
(11) لا تطرحْني من أمام وجهك، وروحك القدوس لا تنزعْه منّي
كما طلب داوود من الربّ أن يصرف وجهه عن خطاياه، يطلب هنا الأمر عينه، يقول: إنْ نظرتَ إليَّ ورأيتَني غير مستحقّ بسبب إثمي لا تطردني خارجاً، لا تطرحْني من أمام وجهك، وروحك القدوس ونعمة النبوّة التي وهبتني إيّاها لا تنزعْها منّي. لا تنزعْ منّي روحَك القدوس ومواهبه التي كانت فيَّ. هكذا يشرح الذهبيّ الفمّ ويقول: "إنّي أطلب هذه النعمة وحضور روحك كما تعود النحلة إلى الزهر بعد غياب الدخان". هذا لا يعارض الفكرة السابقة أنّ داوود لم يخسر كليّاً روح النبوءة بعد خطيئته وإنّما فعلاً خسره جزئياً. لأنّه إن هجر الروحُ القدس الإنسانَ كليّاً هلك لا محالة، وإنّما تنقصر نعمه عنّا عندما نعيق عمله فينا بخطايانا.
(12) امنحْني بهجة خلاصك، وبروح رئاسي اعضدْني
امنحْني يا ربّ السّلام الداخليّ، واطرحْ من قلبي عذاب الخطيئة، أعدْ إليَّ بهجة البرّ وانزعْ عنّي قلق الشرّ. أعطِني سلام الضمير وفرحه وبهجة الخلاص التي كانت لي قبل إثمي. كيف يشعر الإنسان بفرح الخلاص؟ عندما يشعر أنّ إلهه الخاصّ هو المبرِّر وهو المخلِّص، عندما يشعر أنّ له دالّة، رغم ضعفه، أن يكون في صفوف المخلَّصين، أي الذين يعترف بهم الإله المخلِّص عبيداً له.
واعضدْني يا ربّ بروح رئاسيّ، بروح الاستقامة. اجعلْ روحك القدّوس يعطيني قوّة عيش الفضيلة، اجعلْه يهدّئ جيشان أهوائي ويهبني روح الاستقامة، ويمنحني قوّةً أسيطر بها على ميولي للخطيئة. هبْني رئاسة الروح على الجسد، أعطِني السيادة التي منحتنيها قبلاً، سيادة الإرادة على الرغبات.
(13) فأعلِّمُ الأثمةَ طرقَك، والكفرةُ إليك يرجعون
قد يكون هذا البيت نبوءة عن دخول الأمم الكفرة إلى الإيمان عن طريق انتشار الإنجيل. ولربّما هذا الكتاب الذي سيبقى من داوود سيكون فعلاً تعليماً للأثمة بترانيمه الرائعة وصلوات التوبة الحارّة التي فيه.
القدّيس أثناسيوس يقول عن لسان النبيّ داوود: "إذ قد محوتَ مآثمي وأطلْتَ عليَّ أناتك وسكبتَ فيضَ رحمتك ولم تنزعْ روحك القدّوس منّي وها قد منحتَني بهجة خلاصك، فإنّي سأعلِّم بالطبع الكفرةَ الإيمان والأثمةَ التوبة. لا بل إنّ غفرانك وعودتي ستكون فعلاً درساً بليغاً في التوبة، وسيقودان كثيرين إليها". هكذا يقول أيضاً إيسيخيوس: كما أنّ المريض يلجأ إلى دواء ما بثقة عندما يرى عليلاً مثله قد تناوله قبله وشفي، هكذا صارت توبة داوود درساً وحثّاً على توبتنا.
هكذا في أفاشين السّحر التي يتلوها الكاهن يقول الأفشين الثامن: "يا مَن وضعتَ لنا توبة داوود رسماً للتوبة...". إذن يصرخ داوود: سامحْني يا ربّ وأظهِرْ فيَّ عظم رحمتك وسأكون أنا درساً ومثالاً للتوبة وبرهاناً على محبّتك ورحمتك، برهانٌ يقود الخاطئين إلى أن يعودوا ويتوبوا لئلاّ يهلكوا. لهذا كانت صرخة بولس مثالاً قويّاً أنّ المسيح "جاء ليخلّص الخطأة الذين أنا أوّلهم". وهذا ما يعنيه بولس، أي إن كنتم لا تؤمنون أنّ المسيح يقبل الخطأة، فها إنّ مثالي يبرهن - على حدّ قوله - أنّه يسامح أكبر الخطأة الذين أنا أكبرهم والأوّل فيهم إذ قد اضطهدتُ قبلاً كنيسته.
(14) نجِّني من الدماء، يا الله إله خلاصي، فيبتهج لساني ببرّك
إذا أردنا أن نفهم النصّ بمعناه التاريخيّ، فالدّماء هنا، هي الدم المهدور ظلماً، دم أوريّا الذي قتله داوود. وكأنّ داوود يصلّي إلى الله أن ينجّيه من الوقوع ثانية بهذه الزّلة الرهيبة. تكرار اسم الله، "يا الله إله خلاصي"، يوضح شدّة تضرّعه. هنا يطلب داوود التائب من الله أن يعطيه القوّة لتمضية حياته الباقية في توبة بدون دماء. فحتّى التوبة ذاتها، هي من ناحية قرار وموقف شخصيَّين، لكن من ناحية أخرى تحقيقها هو بركة وهبة إلهيّتَين. فالذي يضمن توبتي هو إله خلاصي.
ويمكن فهم كلمة "دماء" بمعناها المجازي "شياطين". والشياطين يرمز لها بالدماء لأنّها سبب القتل وتفرح به وبالشرّ.
بالطبع القلب الذي ينجو من الدماء ومن الشرور عامّة ويخلص منها لا تشغله هموم ولا تقلقه مخاوف الشرور وأعمالها ونتائجها، وإنّما تملؤه مشاعر التسبيح ويروح يشدو بعظائم الله ورحمته وببرّه، أي بالتبرير، أي بالمسامحة والغفران الذي ناله. القدّيس كيرلّلس يرى بكلمة "برّ" هنا المسيحَ ذاته. فداؤود كما بنبوءة يبتهج بالمسيح الذي صار به التبرير لنا وصار هو تبرير الله لنا وبرّنا أمامه.
(15) يا ربّ افتحْ شفتَيَّ، فيخبر فمي بتسبحتك
لقد صَمَتَ فمي من ألم الخطيئة، لقد سدّت هذه الأخيرة فمي عن أناشيده المعتادة. فسامحْني يا ربّ وافتحْ شفتيَّ بغفرانك لتسبّحانك من جديد كما كانتا. يا ربّ افتحْ لي أبواب التوبة لأعود إلى حياتي الأولى، إلى تسبيحك والتغنّي برحمتك.
(16) لأنّك لو آثرتَ الذبيحةَ لكنتُ الآن أعطي، لكنّك لا تسرّ بالمحرقات
هنا يتخطّى داوود كلّ الفاصل بين زمنه وزمن العهد الجديد، فيتجاوز الفرائض الناموسيّة كأنّه يعبد الله بالروح والحقّ
[13]. إنّ ذبيحتَه هي تسبحتُه وشكرُه وصلاته وتوبته، لا يشتري غفران الله بالذبائح لكن بالتوبة الصادقة أي بكره عميق للخطيئة. إنّك لا تبيع الغفران بذبيحة، فذبائح المحرقات ذاتها لا ترضيك، يقول النبيّ لله.
لقد كان عند اليهود عدّةُ أنواع من الذبائح كتقدمات للهيكل، فمنها ما كان يُذبح ويؤكل. أمّا أثمن الذبائح لله هي تلك التي كانت تقدَّم بكاملها لله، فكانت تُحرق كلّها ولا يؤخذ منها شيء البتّة. وحتّى هذه، أكرم الذبائح لا يُؤثرها الله وإنّما كما يتابع داوود في البيت اللاحق:
(17) فالذبيحة لله روح منسحق، القلب المنسحق والمتواضع لا يرذله الله
وما هو الروح المنسحق؟ إنّه قلبنا عندما ندينه ونحاكمه ويعترف فعلاً بذنبنا. الانسحاق يأتي من لوم الذات والوقوف أمام الله كمُحاكَمٍ منكسِر القلب. القدّيس باسيليوس الكبير يشرح ويقول: "انسحاق القلب هو طرد الأفكار البشريّة. فالمنسحق القلب هو مَن يعطي نفسه وعقله إلى التأمّل بالكلام الإلهيّ والذي يمنح ذهنه فرص الانشغال بالمعاني السامية والإلهيّة. هذا يجعل، فعلاً، قلبه ذبيحة مرضيّة لدى الربّ وغير مرذولة منه. فمَن يحبّه الله، ويحسن إليه ويريده أن يعيش في جدّة الحياة والروح، يسحق فيه إنسانَه القديم. لهذا فالذبيحة لله هي الروح المنسحق، أي ينسحق روح العالم العامل فينا كلّ خطيئة لكي يتجدّد في أحشائنا روح مستقيم...".
القدّيس مرقس الناسك يقول: "بدون انسحاق قلب لا يمكننا التخلّص من خطايانا. وما يسحق القلب هو ضبط النوم والمعدة وعدم الكسل في الراحة". انسحاق القلب بكلام آخر هو الفقر بالروح. والفقير بالروح هو المتواضع، الذي إذا ما عمل خيراً لا يترفّع لأنّه يذكر خطاياه على الدوام وهي أمامه كلّ حين. على العكس، إنّ قساوةَ القلب هي من الكبرياء ومن حبّ الدنيويّات والمراءاة والكذب. لهذا يقول النبيّ: "يا بَني البشر لماذا أنتم ثقيلو القلوب، إلى متى تحبّون الباطل وتبتغون الكذب؟". هكذا يسمّي المغبوط أوغسطين دموع الصلاة، عرق القلب ودم النفس. مَن يَبْكي خطاياه هذا يقدّم الذبيحة الحقيقيّة لله.
(18) أصلحْ يا ربّ بمسرّتك صهيون، ولتُبْنَ أسوار أورشليم
أنتَ صالح يا ربّ، وشهوتي ليس فقط صفحَك عن مآثمي، وإنّما أن تنظر من السماء وتطّلع على الكرمة التي غرستها يمينُك وتصلحها، لأنّه لا يمكنها أن تنصلح إن لم ترضَ أنت عن ذلك وتسعَ أنت إليه. هنا يطلب داوود بإلحاح ولكن بانكسار، ويقول "ولتُبنَ" بدل "وابْنِ أسوار أورشليم". هكذا يشدّد على الطلب برجاء وليس بأمر. طبعاً أورشليم هي مدينة الله وشعبه، وأسوارها المبنيّة هي صحّة وقوّة كنيسته.
(19) حينئذ تسرّ بذبيحة البرّ قرباناً ومحرقات، حينئذ يقرّبون على مذابحك العجول
لقد تحقّق طلب داوود السابق وهذا الأخير، تحقّقا بالفعل عندما بنى الربّ كنيسته وأصلح أسوارها، وصار يُسرّ بذبيحة البرّ، أي بجسد ودم ابنه اللذَين يؤكلان فيقدِّسان المشتركين بهما. هذا هو القربان الحيّ والحمل الذبيح.
في هذا المزمور رأى كثير من الآباء القدّيسين تلميحات إلى المسيح وكنيسته، مثل كيرلّلس وإفسابيوس. فمسرّة الله هو المسيح، المخلّص. أمّا صهيون فهي الكنيسة. أسوار أورشليم هم معلّمو الكنيسة المستقيمو الرأي وأعمدتها وأساقفتها، أو أيضاً الملائكة السماويّون. وذبيحة العدل في كنيسة المسيح ليست ذبائح حيوانيّة وإنّما هي حياة المسيحيّين، أي الفضيلة. القربان والتقدمات تقابل عذابات القدّيسين والمعترفين. أمّا المحرقات فهي الشهداء الذين قرّبوا كلّ ذواتهم وكامل حياتهم في سبيل الإيمان. أيضاً قربانٌ في الكنيسة هو العفّة أو أي تضحية حياتيّة في مسلكيّتنا اليوميّة مهما كانت. أمّا المحرقات فهي الفضيلة الكاملة أي الحياة الرهبانيّة، (كما يشرح ثيوذوريتُس).
العجول هم المسيحيّون الذين يعملون الفضائل، هؤلاء يصيرون سمناءَ بدهن الروح القدس لأنّهم يناطحون الأهواء والشيطان يعرف إيمانهم، هؤلاء يقدمون نفوسَهم على المذبح السماويّ ذبائح تصير رائحة زكيّة، آمين.
المفضلات