إيمانُنا بميلاد المسيح:
بما أنَّ كثيراً من الوثنيِّين[1] يَسخرونَ مِنَّا إذا سَمعُونا نتكَلَّمُ عن وِلادَةِ الله باتِّخاذِهِ جسَداً بشرِيّاً، ويتَّهمُوننا بالجَهل، فَيُلقُونَ بِذلكَ الاضطرابَ والقَلَقَ في نُفُوسِ المؤمنينَ البُسَطاء، لذا أرى من الواجب أنْ أَتوجَّهَ بِكَلامي إلى أُولئِكَ المسيحيينَ البُسَطاءَ قائلاً: لا تضطرِبُوا أبداً لدى سَماعِكُم هذَيَاناتِ أُناسٍ جَهَلة، ولا تقلقُوا البَتَّةَ مِنْ تَهكُّماتِ غَيرِ المؤمنين. إنَّهُم يُشبهونَ الأولادَ الصِّغار الذينَ لا يُدرِكُون في كثيرٍ مِنَ الأحيانِ أَهميَّةَ وجَدِّيةَ ما يَقُولُهُ لَهُم الكبارُ، بل يضحكونَ منه. فبالحقيقةِ لا مُبالاتُهُم ليست دليلاً على عَدَمِ أَهميَّةِ ما يقُولُهُ الكبارُ، وإنَّما هي دليلٌ على جَهلِهِم. هذه هي حالُ الوثنيينَ الجاهلينَ الذينَ يستهزِؤون بما يجب أنْ يُلقِيهِمْ في الهَلَعِ والعَجَبِ العظيم، في حينِ أنَّهُم يحتَرِمُونَ ويُقدِّرونَ ما لا قيمةَ لَهُ.
في الواقعِ فإنَّ عقائِدَنا[2] التي يَسخرُونَ منها لا ينالُها مِنْ سُخرِيَتِهِم شيءٌ، ولكنَّها تبقى على عظَمَتِها الذَّاتيَّةِ وبهائِها البَديع. أمَّا عقائِدُهُم فَعلى العَكس، إذ تَظهَرُ تفاهَتُها ورداءَتُها بالرُّغمِ من كُلِّ ما يحيطُونَها بِه من التَّصنُّعِ والتزيين. أليسَ هو من أَسوَإِ أشكالِ الازدراءِ أَنْ يَعتادَ هؤلاءِ إظهَارَ آلِهَتِهم على شكلِ حجارةٍ أو أشجارٍ أو تماثيلَ خشبيَّةٍ رخيصةٍ، ويُقفِلُوا عليها كأنَّها في حَبسٍ، مُعتقدِينَ أنَّهم بذلكَ يُكرِّمونَها، في حينِ أنَّهم يتهمُوننا بالإلحاد، لقَولِنا أَنَّ اللهَ قد ابتَنَى لهُ بالرُّوحِ القُدُسِ هَيكلاً حيَّاً فخلَّصَ المسكُونة؟ يا لها من زَلَّةٍ عُظمَى! إذا كان منَ القُبحِ بِمكانٍ أنْ يسكُنَ اللهُ في جسَدٍ بشريٍّ، فكَمْ بالأحرى هو أَقبحُ أنْ يَسكُنَ في حجارَةٍ أو أخشاب؟ أليسَ الإنسانُ أكثرَ كرامةً مِنَ الحَجرِ والخشب؟ إلا إذا كان أُولئكَ يعتَقِدونَ أنَّ الجنسَ البشرِيَّ أَرخَصُ بكَثيرٍ من تِلكَ الموادِّ الجامدَة. أَتعلَمُونَ أنَّهُم يَجترِؤونَ على الخفضِ من قِيمَةِ جوهَرِ الله إلى قيمةِ القطَطِ والكلاب، وأنَّ الكثيرَ منْ هؤلاءِ الهراطِقَة يخفِضونَها حتَّى إلى أشياءَ أكثرَ تفاهَةً من تلك؟
أمَّا نحنُ فلا ننتصِرُ لتلكَ الآراءِ أبداً، بل ولا نَحتَمِلُ حتَّى سَماعَها. ولكنَّنا نَقُولُ أَنَّ المسيحَ أَخذَ من أحشاءِ العذراءِ جَسداً طاهراً مُقدَّساً لا عيبَ فيه بريئاً مِنْ أَيَّةِ خطيئَةٍ، وأَعادَ جبلَتَهُ إلى حالَتِها الأُولى. وأمّا أُولئكَ الوثنيُّون ومعهُم المانيخيُّون الذين يُجدِّفونَ على الله فلا يخشونَ ولا يخجلونَ من تأليهِ الكِلابِ والقُرودِ وجميعِ أنواعِ الحيوانات، ومنَ القَولِ بأنَّ نُفوسَ هذهِ الحيوانات ذاتُ أصلٍ إلهيٍّ. ومع ذلك فَهُم يتَّهِمُوننا بالتجديفِ لأنَّنا لا نَقبَلُ اعتقاداتَهم الفاسِدَةَ ولا نؤيِّدُ ما كان ينبغي أَنْ يليقَ بالله على حسَبِ زَعْمِهِم، إذْ نُؤمِنُ أَنَّ الله جَدَّدَ جبلَتَهُ بِمجيئِهِ إلى العَالَمِ مَولُوداً مِنَ العذراء وأعادَها إلى حالَتِها الأُولى.
فماذا تَزعُمُ أيُّها الإنسانُ؟ إِنَّكَ باعتدادِكَ بذاتِكَ تَجعلُ نُفوسَ السحَرَةِ والقتلةِ ذاتَ أصلٍ إلهيٍّ، وتجرُؤُ أن تؤثِّمَنَا لرفضِنَا هذه الكَبائِرَ، وإعراضِنَا عن الأَقوالِ التي تُنوِّه بها[3]، ورَمْيِنا أُولئكَ الذينَ يَعتقِدُونَ هذهِ العقائِدَ بالكُفرِ والزَّندَقَة!! إنَّ الاعتقَادَ الذي نَعتَقِدُهُ نحنُ هو هذا: إنَّ اللهَ قد هَيَّأَ لذاتِهِ هذا الهيكَلَ المُقَدَّسَ ليُرينا طَريقَةَ العَيشِ السماويَّةَ. أفمَا كُنتَ تَستحِقُّ أَلفَ مَوتٍ بسببِ الشكاوِي التي تَرشُقُنا بِها على الدَّوامِ، والكُفرِ الذي لا تزالُ تنشُرُهُ وتُعزِّزُهُ؟ فإذا كانَ غيرُ لائقٍ بالله أنْ يسكُنَ جَسداً طاهِراً ونَقيّاً كما تَزعمُ، فكيفَ يكونُ لائقاً به أنْ يَسكُنَ في جَسَدِ المكَّارِ ونبَّاشِ القُبُورِ واللصِّ والكَلبِ والقِردِ، عِوَضَ هذا الجَسَدِ الكُلِّيِّ الطهارَةِ والقداسَةِ الذي هُو جالِسٌ الآن عن يمينِ الآب؟ فبِأَيِّ شيءٍ يتأذّى اللهُ وأيُّ عارٍ يلحَقُ بهِ مِنْ مثلِ هذا التدبيرِ الخلاصِيّ؟
أتَرى هذهِ الشَّمسَ المخلُوقَةَ ذاتَ الجسمِ المادِّيِّ القَابِلِ للفَسَادِ والعفَاءِ، (ولعلَّ هذا الكلامَ يَسُوءُ للميخَانيِّبنَ والوثنيين) إنَّها مَعَ الأرضِ والبَحرِ والطَّبيعَةِ المَنظُورَةِ، كُلَّها فَانِيةٌ وزائِلَة. إسمعوا شَهَادةَ الرسُولِ بُولُس بهذا الخُصوص إذْ يقُولُ: "إنَّ الخَليقَةَ قد أُخضِعَتْ للزَّوالِ لَيسَ لِكَونِها تَسبَّبتْ هي في ذلكَ، ولكِنَّها مَشيئَةُ الذي أخضَعَها للزَّوال" (رو 8: 20) ثم أَضافَ مُفَسِّراً سَبَبَ هذا الإخضَاعِ للزوالِ فقال: "لأنَّ الخليقَةَ ذاتَها ستُعتَقُ مِنَ عُبُوديَّةِ الفسادِ لتَتمتَّعَ بِحُرِّيَةِ أَبنَاءِ الله المَجيْدَة" (رو 8: 21). فالخَليقَةُ في هذا الزَّمَنِ الحاضِرِ إذاً هيَ زَائِلَةٌ وفَاسِدَة، فهذا هو مَعنى عُبودِيَّةِ الفَسَاد. فإذا كانَتِ الشَّمسُ الزَّائِلَةُ تبَعثُ أَشِعَّتها في كُلِّ الاتِّجاهات، وكانَ نُورُها يُضيءُ حتَّى الأماكِنَ القَذِرَةَ والمحلاتِ الغريبَةَ الآسِنَةَ بدونِ أنْ تتضرَّرَ طهارَتُها بِشَيءٍ، ثُمَّ تَستعيدُ إليهَا هذهِ الأشِعَّةَ الساطِعَةَ لتَعُودَ فتنشُرَها مِن جديدٍ وتُضيءَ أشياءَ أُخرى، دُونَ أَنْ يؤثِّرَ فسادُ هذهِ الأَخيرةَ وعَفَنُها على بَهَاءِ الشَّمسِ وضِيائِها، أَفلَيسَ الأَصوبُ أَنْ نعتَقِدَ أَنَّ شَمسَ العَدْلِ غَيرَ المُتجسِّمَةِ ورَبَّ القوّاتِ يُصيِّرُ الجَسدَ الطَّاهِرَ الذي يَتَّحدُ به أَطهَرَ وأقدَسَ، دونَ أَنْ يَمسَّ الربَّ الإلهَ أيُّ عيبٍ أو فساد؟
أمعِنُوا النَّظَرَ جيِّداً بِما قُلنا، وتذكَّروا تلكَ الكَلمَاتِ المُوحى بِها: "إنَّني أَسكُنُ بَينَهُم وأَمشي في وَسَطِهِم" وأيضاً "أَنتُم هَيكَلُ اللهِ والرُّوحُ القُدُسُ يسكُنُ فيكُم" (لاو 26: 12 و1كور 3: 16 و2كور 6: 16). فَلْنُجَاهِرْ بِهذِهِ الأقوالِ أَمَامَ الكَفَرَةِ، ولْنُغلِقْ أَفواهَهُم العديمَةَ الحيَاءِ، ولْنَتَهَلَّلْ بالخيراتِ التي مُنِحَتْ لنا، ولْنُمَجِّدِ اللهَ الذي تَجَسَّدَ اليَومَ مُتَنازِلاً، ولُنُكَرِّمْهُ ونَشكُرْهُ حَسَبَ استطاعَتِنا كما يَليقُ بِجُودِهِ. وكيفَ يَكُونُ ذلك؟ إنَّنا نَعترِفُ بجميلِهِ عندما نَهتَمُّ بِخَلاصِ نُفُوسِنا، ونُجَاهِدُ لنَكتَسِبَ الفضَائِلَ.
كيف يجب أن نتقدم إلى الأسرار المقدسة:
فلننقطعن كلنا لممارسة الفضائل وأهمها الإيمان والرجاء والمحبة والتعقل والصدقة والضيافة لكي نعترف بالجميل للخالق المحسن. وكما طلبت منكم قبل قليل، أطلب منكم الآن أيضاً، وسأستمر دوماً بأن أطالبكم به وهو أنكم عندما تزمعون أن تتقدموا إلى هذه المائدة الإلهية الرهيبة، اقتربوا بخوف ورعدة وضمير نقي، بعد أن تتهيؤوا لذلك بالصوم والصلاة والهدوء، دون جلبة وصخب، ودون أن تزاحموا بعضكم بعضاً، لأن الصخب والمزاحمة هي أفعال غير العاقلين، وهي تعبير واضح عن ازدرائنا بالمسيح، وتودي الذين يفعلونها إلى الجحيم، وتجلب عليهم العقوبة.
تأمل يا أيها الإنسان أيَّةَ ذبيحَةٍ أنتَ مُزمِعٌ أنْ تَمسَّ ومن أية مائدة أنت عازم أن تقترب. تذكَّرْ يا من هو رماد وغبار أنك مزمع أن تتناول جسد المسيح الإله ودمه، وتذكَّرْ أيضاً أنَّهُ إذا دعاك مَلِكٌ إلى مائِدَتِه فإنك تجلس إليها بخوف وتأكل ما يقدَّمُ لك بحياء وهدوء، أما عندما يدعوك الله[4] إلى مائدته ويقدم لك ابنه عليها، بحضور القوات الملائكية المرتعدة، حيث يحجب الشاروبيم وجوههم ويصرخ السارافيم بخوف مرتلين: قدوس قدوس قدوس ربُّ الصباؤوت، فأنت تثير الصخب والجلبة في ساعة المائدة الروحية تلك. ألا تعلم أن النفس في تلك الساعة بالذات يجب أن تكون ممتلئة هدوءاً وأنها تحتاج إلى سكون عميق جداً وسلام وصمت، لا إلى الصخب والحنق التي من شأنها أن تلوِّث النفس المتقدمة إلى المائدة؟ فأيُّ صفح عن الخطايا يمكن أن نحظى به، إذا كنا فوق كل خطايانا لا نتنقى حتى في ساعة اقترابنا من مائدته بسبب تصرفاتنا الهوجاء؟ ما الأمر الذي يمكن أن يكون أكثر أهمية من الأسرار المقدسة الموضوعة أمامنا؟ ما الذي يبهرنا إلى هذا الحد حتى أننا نهمل الروحيات ونسعى إلى الجسديات؟
أطلب منكم ملتمساً ألا نصبح سبباً لكي يتحرك غضب الله علينا، إذ إن هذا الموضوع أمامنا[5] هو دواء يشفي جراحاتنا، وهو ثراء أبدي عربوناً لملكوت السماوات. فلنجزعنَّ إذاً عند اقترابنا منه. لنشكرن الله ولنركع أمامه معترفين بزلاتنا. لنبكِ ولننح على ما اقترفنا من سيئات، ولنقدم لله صلوات مطولة، وبعد أن ننقي ذواتنا هكذا، فلنتقدم من المائدة بسكون وانتظام لائق كما لو كنا نتقدم من ملك السماوات. وعندما نقتبل هذه الذبيحة المقدسة الطاهرة فلنتحبب إليها ولنعانقها بأنظارنا، ولنملأ عقولنا بالحرارة الروحية لكي يصبح تركيزنا وسيلة تقودنا إلى عفة نفوسنا، إلى المحبة، إلى الفضيلة، إلى المصالحة مع الله، إلى السلام الراسخ، وليس سبباً للمحاكمة والدينونة، لكي نتمكن من تقديس ذواتنا وتثبيت إيمان قريبنا.
إنني دائماً أقول لكم ذلك وسأقوله باستمرار. فما هو النفع من أن تتعبوا هنا[6] عبثاً ومن غير هدف محدد ودون أن تتعلموا شيئاً مفيداً. ماذا نجني إذا كلمتكم دائماً عن أمور مبهجة ترضي رغائبكم؟ إن الزمن الحاضر لقصير هو، فلنكونن زاهدين متيقظين ومحترسين من الغفلة، مظهرين لجميع الناس عناية أصيلة، ولنكن ورعين في كل شيء. وإذا وجب علينا أن نسمع الكلام المقدس أو أن نصلي أو أن ندنو من مائدة الرب أو أي شيء آخر مشابه لتلك، فلنفعل ذلك بخوف وارتعاد لئلا نجلب علينا لعنة الرب بسبب تهاوننا، لأنه يقول: "ملعون من عمل عمل الرب باسترخاء" (أرميا 48: 10). فالفوضى والغضب هما إهانة للذبيحة الموضوعة أمامنا، ومن أسوأ أشكال الاستخفاف بالله هو أن يتقدم منه المرء ملوثاً ذاته بمثل هذه التصرفات. فاسمعوا ماذا يقول الرسول بهذا الصدد: "من دنس هيكل الله أهلكه الله نفسه" (1كور 3: 17).
فلنحترس إذاً من أن نثير الله ضدنا عوضاً عن أن نطلب مصالحته، ولنجتهد أن نحرز كل الرصانة المبتغاة لكي نظهر أمامه ونفوسنا خالية من الاضطراب، وقلوبنا كلها في الندامة والصلاة، فهذا السلوك يصيّر يسوع المسيح ربنا عطوفاً وشفوقاً علينا، فنتمكن وقتئذ من امتلاك الخيرات التي وعدنا بها بنعمة هذا المخلص ومحبته للبشر الذي له المجد والعزة والشرف مع الآب والروح القدس الآن ودائماً وفي دهور الدهور آمين
[1]وغير المؤمنين، والذين يرفضون وجود الله
[2]أي أن الله اتخذ جسداً بشرياً وولد من عذراء
[3]تنوه بها: تعظمها وتفتخر بها
[4]وهو ملك الملوك ورب كل الخليقة
[5]أي الأسرار الإلهية المقدسة
[6]على الأرض في هذه الحياة الزائلة

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر

رد مع اقتباس
المفضلات