مفهومان كاملا الغموض لأن ما كان قوة أو ضعفاً عندك ليس كذلك في عيني فقير سامي الفضيلة لا شيء عند معظم القوم بعد ان وضعوا قدرتهم في المال وثري يحقق شؤونا كبيرة في هذه الدنيا يدعى زعيماً وهذه التسمية صحيحة اذ كثرة المال تستدعي كثرة القوة. ولا أحد يهتم للقوة الا لكونها طاقة الغلبة والغلبة في آخر تحليلها محو الآخر لأن السلطة في ارض محددة صورة الله في السماء وفي هذا الموقف قناعة انتزعت من الأمر الواحد بالطغيان على ما كان له قوة أصغر من السيد الأقوى الذي صار يحمل الملك بانتقاص سلطة الذين كانوا يزاملونه.
هناك عطش الى السلطة لأنها تؤمن القدرة الدائمة على النصر وعلى محق الآخرين وان قضت التقاليد بمصاحبة الأول لمن يبدو انه يقيمهم على شيء من الزمالة أو التعاون. ولذلك يجب حفظاً لماء الوجه ان يكون عندهم بعض الأراضي لأن الشيء المحسوس هو وحده علامة من علامات الوجود. لكن السلطة مخيفة اذ المتسلط عليهم يمكن ان يتمردوا عليه حتى الثورة أي القتل ولذا كان لا بد من موازنة سياسيّة تعفي الأكبر من ابادة الأصغر معنوياً أو جسدياً. فصار هاجس الجماعة ان تتحوّل الى دولة أي الى بنية قانونية فيها حاكم ومحكوم ومسؤولية عن الجماعة ومشاركة الجماعة كلها في سياسة البلد وهذا من طريق مندوبين لا يرفضون القيادة الاولى لكنهم يجعلون بينها وبين القيادات الأدنى نوعاً من المعادلة أو لونا من الموازنة يحس كل من موفدي الأمة موجود فيها ظاهرياً كان أم فعلياً وفي الحالتين يغذي كبرياء القوم ويحول عادياً دون سفك الدماء. هذه روح "الشرعة الكبرى" Magna Charta التي كانت أولى محاولات الديموقراطية في القرون الوسطى (سنة 1215) بعد ان اندثرت ديموقراطية أثينا على عهد أفلاطون وبعد ان انهار نظام الشورى في الإسلام أو نظام المبايعة عند أهل السنة والشيعة. المشكلة الأساسية كانت دائما كيف نضع حداً لسفك الدماء. هيكليّة تعاون مقونن أكان هذا على صدق أم غير صدق.
قبل الثورة الفرنسية (1789) وفي العهد الأموي كان هذا ملكاً والملك في فرنسا كان يعني التملك. كان هذا أيضاً في لبنان في العصر العثماني اذ الأرض كلها للسلطان ويوزعها على الناس حسبما يشاء. ويسمّى هذا اقطاعاً لأنه اقتطاع الأرض على من رضي عنه الحاكم.
القوة اذاً في السياسة ويستغلها أحياناً من كان له سلطة قانونية في الكنيسة مثلاً أو في شركة أو مصرف أو معلم في صف ثانوي. بكلمة أخرى يجب ان يسكت الناس لتبقى الدولة أو المؤسسة لواحد.
***الى هذا القوة البدنية التي أسخف تعبير عنها: "هذا بيشيل جرن الكبة". اعجاب بالعضلات على تفاهتها يمزقني تمزيقا لأن العضلات ليس فيها ميزة، لأن الإنسان كيان كامل ولا تستطيع تجزئته، لأن كل ذرة فكر في الدماغ وكل اختلاج قلب في الخير أعظم بكثير من كل لحمك وعظامك اذ ليس من مقارنة بين اية خلية فيك وحركة محبة في داخلك ومع ذلك ذهول مليارين أو أكثر في العالم بسباق كرة القدم ولو كان اللاعبون من أغبى خلائق الله. الى هذا الجمال وهو من اتفه ما فينا. هو مجرد تناسق للخلايا الظاهرة على الوجه والقامة وهذا تابع لناموس الوراثة وليس لك فيه شيء. قد ينفعك وقد يضرك.
ما الأفضل؟ انسان خلاب حتى السكر أم انسان قبيح حتى انزعاج اذا كان هذا القبيح مكللاً بالمجد الإلهي أو أقله برجاحة العقل؟ فالجمال معطى والذكاء جذوره معطاة. فقط النعمة الإلهية لا تأتي من أبيك وأمك بل تنزل عليك بمجانية العطاء الألهي. ما الفقر، ما الغنى، ما الجمال، ما القباحة، ما الذكاء أو ضعفه كل هذا باطل الأباطيل حتى يضمّك الرب الى صدره وانت مفلوج أو مقعدأو سليم ولكنك طالع الى السماء على درجات التقديس وقد لا يعرفك احد ويعرفك الله وليس عندك هاجس الطعام أو الشراب اذ "ليس ملكوت الله طعاما أو شراباً". وليست كارثة عند المفلوج الذي يتقدّس كل يوم بالكلمة ولا يعرف اذا كان يأكل عند المساء أو في الغد.
ألا يكون لك طمع بشيء لأن كل الأشياء المخلوقة لا تؤلهك، الا يكون لك اشتهاء للحياة لأنها قد تؤذيك، ولا يرتكز صميم حياتك على أحد بمن فيهم الأقربون وان تمتلىء من الرب بأن هذا يجعلك انساناً حراً أسير محبة الله اياك فقط ومتلقياً قوتك من فوق. ان تقدر ان تصير من عائلة الأب غير مطرود منه، محباً للجميع ولكنك غير ملتصق بأحد هذا بدء حريتك.
على هذا أقول إنه كان لي صديق ممن أسسوا حركة الشبيبة الارثوذكسية معنا منذ خمس وستين سنة وشكل البطريرك القائم آنذاك مني ومنه ومن ثالث بعثة روحية الى أوروبا للاشتراك في مؤتمرات دينية للشباب ولما انتهينا الى باريس اتصل هذا الصديق بالأديب الكبير فرنسوا مورياك وكنا نحن بفضل هذا الأخ نتأدب على قصص مورياك. فأعطى هذا رفيقنا موعداً في بيته الريفي في جنوب فرنسا حيث كانت له كروم كثيرة وفيما كانا يتمشيان بينها ومورياك يسميها كان صديقنا هذا انطلاقا من اسم يعرف اين وردت ويتابع هو النصوص المقولة عنها. فسأل صديقنا مورياك: لماذا كل هذه الكروم فأجابه مورياك ان أردت ان تكون حراً فلا بد من ان تكون غنياً كبيراً أو فقيراً كبيراً. تأمّلت في هذا الكلام طويلاً واقتنعت ان خيار الفقر الكبير يمنحك حرية كبيرة اذ يجعلك حراً من كل سؤال ومن أي التماس لمحسوبية ومن اي هم للغد.***لا يقبل كل انسان الموت أو المرض أو الفقر برضاء. هذا يحتاج الى رحمة "تفوق الوصف والعقل" ولكن من قبل هذا كله انما يكون قد قال: أنا أحمل الله وحده وأرتضيته لي خبزاً نازلا عليّ من السماء حتى اذا أكلته لا أموت أبداً. انت قادر ان تعيش سماوياً في اطار ترابيتك.
ربما الى معنى كهذا اشار بولس ان "لغة الصليب" (الصليب بمعناه الفكري) حماقة عند الذين في سبيل الهلاك. واما عند الذين في سبيل الخلاص، أي عندنا، فهو قدرة الله. والمعنى الظاهر للنص ان ما اعتبره اليهود والأمم ضعفاً هو قوة. ثم واجه المعتبر قوة عند الناس وقال: "فقد ورد في الكتاب: سأبيد حكمة الحكماء وأزيل فهم الفهماء. فأين الحكيم واين عالم الشريعة (اليهودية) وأين المامك في هذه الدنيا؟ ألم يجعل الله حكمة العالم حماقة؟ فلما كان العالم بحكمته لم يعرف الله بحكمة الله، حسن لدى الله ان يخلص المؤمنين. ثم يتابع منطقه حتى يقول إن المسيح ازاء الوثنيين واليهود فقدرة الله وحكمة الله لأن الحماقة من الله اكثر حكمة من الناس والضعف من الله اوفر قوة من الناس". (1 كورنثوس 1 :18 – 25).
لست أساجل هنا أحداً ولكني استشهدت بهذه الرسالة من بولس لأبيّن فقط ان ما يبدو ضعفاً للناس جميعاً قد يكون عند الله قوة. واتخذ بولس رمز الصليب صورة عن التناقض بين الفكر الإلهي والفكر البشري المحض والعطاء الإلهي والعطاء البشري.
عندما تفتش عن القوة والضعف وكلنا في هذا التساؤل الصعب تذهب الى الكلمة وتسألها ماقالته وتحاول بعد ذلك بتواضع ان تطلب ما يسميه بولس "فكر المسيح" وتجد ان فكرك هو ان تمحو الأنا الفارغة بتقوقعها عملاً بذلك الذي قرع باب الملكوت فسئل من الداخل من القارع فقال انا ولم يفتح له ثم سئل ثانية من القارع قال انا فلم يفتح له وسئل ثالثة من القارع فقال انت أي الله السائل موحداً قلبه بقلب الله وربما كان هذا مفلوجاً أو مقعداً أو فقيراً ولكنه ادرك السلامة على عتبات السماء.
المطران جورج خضر
نقلا عن النهار

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
لأنك أنت يارب سوف تضيء شمعتي أيها السيد الرب إلهي إجعل هكذا ظلمتي نورا
المفضلات