الوحي الإلهي في الكتاب المقدس
سنبحث في الوحي الإلهي كما عرّفه وشرحه وعلمنا إياه الكتاب المقدس...:
وهذا البحث منقسم على ثلاثة أقسام، هي:
- الله والإنسان:
- تاريخ تكوين النصوص
- كلمة حية
الله والإنسان:
في علم الأديان هناك عدة أنواع للوحي.. وأكثرها شهرة هو:
الوحي: انزال: الله يكتب وينزل ما يريد أن يخبره للناس.. وهذا الوحي يجعل الله هو الفاعل والإنسان "انفعلي" أي الله subjective والإنسان objective
الإنسان لم يتدخل في كتابة هذا الكتاب...
الوحي: إملاء: الإنسان يتدخل ولكن بشكل objective لأنه موجود فقط من أجل أن يكتب ما يلقنه الله كلمة وراء كلمة..أي وكأن الإنسان هو ألة الكاتبة... لادور له في الحقيقة
الوحي: عمل إنساني خلاق: مبدأ هذا الوحي هو نسيان الله والتركيز على الإنسان.. أي هنا الإنسان وكأنه مخترع الوحي.. والله هو "الشيء" الذي يلاحظه الإنسان وعلى أساسه يكتب كلاماً حول الله
هذه المفاهيم الثلاثة كلها خاطئة إذا ما تم مقارنتها مع مكانة الإنسان الذي خلقه الله على صورته ومثاله... وأيضاً بالمقارنة مع الوحي في الكتاب المقدس وخاصةً المفهوم الثالث .. لأن الله لا يكون هكذا في الكتاب المقدس بل يكون هو المبادر في الخبر...
الوحي في المسيحية لا هو إنزال ولا وإملاء ولا عمل إنساني خلاق... بل هو تفاعل بين الله والإنسان.. في كشف الله عن نفسه وإعلان مشيئته...
أولاً سنأخذ نصوص من العهد القديم التي تبيّن لنا كيفية تفاعل الله والإنسان في الوحي الإلهي:
اشعيا 30: 8 تَعَالَ الآنَ اكْتُبْ هذَا عِنْدَهُمْ عَلَى لَوْحٍ وَارْسُمْهُ فِي سِفْرٍ، لِيَكُونَ لِزَمَنٍ آتٍ لِلأَبَدِ إِلَى الدُّهُورِ..
هنا نلاحظ أن الله الذي يطلب من الإنسان أن يكتب.. أي هو المبادر..
وأيضاً في ارميا 36: 1 وَكَانَ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ لِيَهُويَاقِيمَ بْنِ يُوشِيَّا مَلِكِ يَهُوذَا، أَنَّ هذِهِ الْكَلِمَةَ صَارَتْ إِلَى إِرْمِيَا مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ قَائِلَةً: 2 «خُذْ لِنَفْسِكَ دَرْجَ سِفْرٍ، وَاكْتُبْ فِيهِ كُلَّ الْكَلاَمِ الَّذِي كَلَّمْتُكَ بِهِ عَلَى إِسْرَائِيلَ وَعَلَى يَهُوذَا وَعَلَى كُلِّ الشُّعُوبِ، مِنَ الْيَوْمِ الَّذِي كَلَّمْتُكَ فِيهِ، مِنْ أَيَّامِ يُوشِيَّا إِلَى هذَا الْيَوْمِ.
الكلمة من قبل الرب صارت عند ارميا... بالتالي الله هو الذي يعطي الأمر لكي يكتب النبي... المبادرة بالوحي إلهية - أي المبادرة تأتي من لدن الله.. ثم يتجاوب الإنسان مع الكلام الإلهي.. ويكتب الكلام الذي قد كلّمه به وليس الذي يكلمه به.. فيكتب كل ما كلمه الله به باسلوبه وبطريقته الخاصة... هنا يظهر لدينا الدور البشري في تدوين الوحي الإلهي.. الله أوحي والإنسان دوّن بأسلوبه..
وهذا ما نراه في العهد الجديد.. والنصين الأكثر شهرة هما:
النص الأول: 2 تيموثاوس 3: 16 كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ، 17 لِكَيْ يَكُونَ إِنْسَانُ اللهِ كَامِلاً، مُتَأَهِّبًا لِكُلِّ عَمَل صَالِحٍ.
كل الكتاب هو موحى به.. والكتاب هنا أي كتابات العهد القديم والجديد كاملة، مع أنه لم يكن قد اكتمل، إلا أن هذه النصوص التي كانت موجودة هي موحى بها..
موحى به باليونانية: هي كلمة مركبة تعني ثيو نيفستوس theopneustos.. ثيو يعني الله... والفعل نيو نفخ..
ومن الكلمة نيفما pneumaالتي تعني روح
أي المقصود به أن في الكلام الموجود في الكتاب المقدس هناك نفخة إلهية والكلام الموجود أتي من عند الله ومن روح الله
وتفسيرها ملخصاً: هناك نفخة إلهية في الكاتب لكي يدون سفره المقدس..
بالتالي نستنتج:
- أولاً الله يأخذ المبادرة
- ثانياً: الله ينفخ في قلب الكاتب روحه المقدس لكي يكتب هذا الكاتب ما يختبره وما يراه ويعرفه حول الله من الله..
النص الثاني: 2 بطرس 1: عَالِمِينَ هذَا أَوَّلاً: أَنَّ كُلَّ نُبُوَّةِ الْكِتَابِ لَيْسَتْ مِنْ تَفْسِيرٍ خَاصٍّ. 21 لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ.
أولاً كانت كلمة موحى.. والأن كلمة مسوقين..
ماذا يعني"مسوقين من الروح القدس"؟
الفعل الاساسي لكلمة مسوقين pheromenoi هو الفعل "فيرو" باليوناني phero يعني حمل أو قاد...
أي اناس الله يتكلموا مسوقين من الروح القدس أي محمولين ومقادين من الروح القدس
هناك، كما وجدنا سابقاً، فكرة يفعل في قلب الإنسان وهنا أن الله يحمل هذا الكاتب ويقوده في مسيرة الكتابة...
الله حرّك كتّاب أسفار الكتاب المقدس لكي يتكلموا باسمه... وكان يقودهم أثناء كتابتهم للكتاب المقدس..
الكنيسة المسيحية لا تفرّق نحن بين قداسة نصوص بين العهد القديم والعهد الجديد ولكن الفرق هو الخبر السار أو البشرى المعلنة في العهد الجديد...
والأن ننتقل إلى تقليد الكنيسة.. ومرآة التقليد نجده في الأيقونات...
نجد هنا القديس مرقس منحني نحو الكلمة الإلهية.. موقف من الطاعة والاستعداد لسماع الكلمة.. يهتم جداً كاتب الأيقونة بابراز الاذن أي أن الانجيلي يسمع لكي يكتب...
وبنفس الوقت إن الإنجيلي يكتب دون حضور أي شخص.. أي يقوم بعمل حر.. لكن هذا العمل الحر كما قلنا عن الاذن وأن القديس يجلس بشكل منحني.. أي يصغي باستعداد وطاعة لصوت الروح القدس الذي يقوده.. مع تذكرنا دائماً لما قلنا أعلاه عن معنى "موحى به" و"مسوقين من الروح القدس" لكي لا نشذ عن تفسير كلمة "عمل حر"...
وفي الأيقونة التالية نجد القديس يوحنا الإنجيلي وتلميذه بروخوروس..
إن انتبهنا نجد أيضاً استعداد الإنجيلي يوحنا لكنه لا يكتب بيده إلا أنه يسمع الله وفي نفس الوقت يتكلم مباشرةً لتلميذه الذي يكتب الإنجيل جالساً مطيعاً منحنياً... هنا نرى حركة مشاركة أكثر من إنسان في كتابة الإنجيل...
في الإيمان المسيحي المشاركة الإنسانية شيء أساسي في الوحي... فالوحي لا يتم فقط لأن الله يقرر الإعلان، مع أنه قادر، ولكن هناك مشاركة للإنسان وضرورة استعداد سماع وفهم الكلمة الإلهية وضرورة وجود كفاءة تعبير لما سمعه ورأه عِبَر كلام.. لكي يصبح هذا التعبير موضوع في كتاب... وكل هذا كما قلنا أعلاه والرب يقوده ويحمله أثناء كتابته..
هكذا ننتهي من القسم الأول: لله والإنسان في تدوين الوحي...
وننتقل إلى القسم الثاني: تاريخ تكوين النصوص:
سنرى أن عملية التكامل، المشاركة، بين العمل الإلهي والعمل الإنساني عند الإنسان تأخذ وقت طويل عبر نصوص من العهد الجديد...
تكوين النصوص أخذ وقت طويل
لوقا 1: 1 إِذْ كَانَ كَثِيرُونَ قَدْ أَخَذُوا بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ عِنْدَنَا، 2 كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ، 3 رَأَيْتُ أَنَا أَيْضًا إِذْ قَدْ تَتَبَّعْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأَوَّلِ بِتَدْقِيق، أَنْ أَكْتُبَ عَلَى التَّوَالِي إِلَيْكَ أَيُّهَا الْعَزِيزُ ثَاوُفِيلُسُ، 4 لِتَعْرِفَ صِحَّةَ الْكَلاَمِ الَّذِي عُلِّمْتَ بِهِ.
لدينا هنا قصة طويلة لتدوين الإنجيل...
هنا نجد عدة أجيال.. المسيح... الكثيرون الذي كتبوا قصة يسوع... والذين كانوا منذ البدء معاينون للكلمة، هم الذين نقلوا للكثيرين،.. ومن ثم أتى لوقا بعد أن قرأ كل ما كتبه الكثيرون وتتبع كل شيء... رأى أن يكتب ما هو مناسباً لكي يتعلم ثيوفيلوس الكلام الذي به صار مسيحياً... مع ملاحظة أننا يجب أن نربط رأى مع تعبير مسوق الذي جاء في الأعلى لكي لا نشذ عن التفسير الصحيح لمعنى كلمة "رأيتُ"...
كما نلاحظ بين يسوع المسيح وبين لوقا هناك تاريخ لتراكم النصوص واختيار النصوص وإعادة وقراءة النصوص... المعاينين والخدّام للكلمة.. الكثيرون.. لوقا الذي يعبر عن نفسه هنا باسم "أنا أيضاً".
نص آخر وهو من إنجيل يوحنا
20: 30 وَآيَاتٍ أُخَرَ كَثِيرَةً صَنَعَ يَسُوعُ قُدَّامَ تَلاَمِيذِهِ لَمْ تُكْتَبْ فِي هذَا الْكِتَابِ. 31 وَأَمَّا هذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ.
يقول يوحنا أنه لم يكتب كل شيء حصل مع يسوع المسيح وأنه يعرف أعمالاً أخرى عملها يسوع المسيح ولكنه اختار أهم النصوص التي تكفي للإيمان بيسوع المسيح... (هذا يدخل في ما عنيناه في الاعلى بإعادة قراءة النصوص واختيارها.. وأسلوب كل كاتب من كتّاب أسفار الكتاب المقدس)
هنا رأينا أن العمل الإنساني لا يكتفي فقط بموضوع أن يكتب بشكل إملائي بل يقرأ ويختار من النصوص ويعرف عن الموضوع.. قبل أن يقوم بالكتابة.. وللتأكيد نعيد مسوقاً من الروح القدس..
ولإعطاء مثال عن دور الكاتب نقول إن كتابة العهد الجديد تمت بمنطق واسلوب اللغة اليونانية...
النص الثالث:
2 بطرس 3: 15 وَاحْسِبُوا أَنَاةَ رَبِّنَا خَلاَصًا، كَمَا كَتَبَ إِلَيْكُمْ أَخُونَا الْحَبِيبُ بُولُسُ أَيْضًا بِحَسَبِ الْحِكْمَةِ الْمُعْطَاةِ لَهُ، 16 كَمَا فِي الرَّسَائِلِ كُلِّهَا أَيْضًا، مُتَكَلِّمًا فِيهَا عَنْ هذِهِ الأُمُورِ، الَّتِي فِيهَا أَشْيَاءُ عَسِرَةُ الْفَهْمِ، يُحَرِّفُهَا غَيْرُ الْعُلَمَاءِ وَغَيْرُ الثَّابِتِينَ، كَبَاقِي الْكُتُبِ أَيْضًا، لِهَلاَكِ أَنْفُسِهِمْ.
هنا بطرس يطلب من قرّأه أن يتعلموا من رسائل بولس الرسول.. أي أن بطرس الرسول يعرف رسائل بولس الرسول..
هنا نرى أن الكتابات متفاعلة بين بعضها ومتعارفة بين بعضها وأن الواحد يعتمد على الآخر...
وأيضاً هنا خارجاً وفي نفس الوقت متصلاً بالموضوع... لا بد أن نركز على وصية القديس بطرس إذ لا يكفي أن يكون الكتاب المقدس أمامنا ونقرأه فنقول نحن فاهمين للكتاب المقدس.. إذ من الممكن أن يكون هناك سوء فهم ويكون تحريف بالتفسير عمداً.. ليس كل من قرأ الكتاب المقدس يفهمه.. فلذلك دائماً نلجأ للكنيسة التي على تتحطم عنده أبواب الجحيم وكل البدع والهرطقات.. فهي الوحيدة المؤتمنة على الإيمان وليس الكتاب المقدس.. الكتاب المقدس هو شاهد على الإيمان والكنيسة هي حامية الإيمان ومعلنته..
والآن ننتقل إلى القسم الثالث: الكتاب المقدس هو كلمة حيّة...
أي بحاجة منّا دائماً إلى إعادة قراءة الكتاب وتفسيره.. وتطبيقه في حياتنا
أبسط التفاسير هي التفاسير العلمية...
ثم التفاسير الآبائية ويدخلنا هذا إلى عالم التقليد الكنسي... ونختبر كيف أن الآباء اختبروا الكتاب المقدس..
ثم التفسير الليتورجي.. ومن أوضح الأمثلة إن الأسبوع العظيم يحوي في ليتورجيته تفسيراً لكل الإنجيل..
ونختبر تفسير الكتاب المقدس في الافخارستيا... نختبر الكتاب المقدس بلحم ودم يسوع المسيح.. ونتحد به على ما كتب في الكتاب المقدس..
الكتاب المقدس يفسر في الحياة بحسب الكلمة... أي ما نتعلمه من التفاسير أعلاه.. يترجم في أعمال... أي نفسره للآخرين متجسداً فينا.. فنوصل الكلمة الحياة بشهادتنا لهذه الكلمة..
ختاماً: إن الإنسان يتفاعل والإعلان الإلهي كل يوم من جديد... صحيح أن الله أعلن خبر الخلاص وأن الكتّاب دونه وجمع في العهد الجديد.. ولكننا كل يوم نقرأ ونتفاعل ونفسر كل يوم هذا الإعلان حتى نعطي شهادة حياة.. فتعطينا الكلمة الحياة..
بتصرف عن محاضرة للدكتور دانيال عيوش أستاذ الكتاب المقدس في معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي/البلمند..
الزمان: 23/10/2006
المكان: OCEnet
صلواتكم..
المفضلات