الرهبنة الأنطاكية
أمس واليوم
قدس الأرشمندريت اثناسيوس فهد
تسجيل حي لمحاضرة ألقيت في اللاذقية _ صوم 2004
حديثنا اليوم عن الرهبنة, عن الرهبنة الانطاكية بالتحديد , ويجب أن نعلم قبل ذلك بأن الحياة الرهبانية هي حياة شهادة, ولا يمكن أن توجد حياة مسيحية دون الشهادة, لذلك ربنا قال في انجيل يوحنا:
"أنا لهذا ولدت ولهذا أتيت لكي أشهد للحق" (يو 18: 37)
وقال أيضاً لتلاميذه في أعمال الرسل بعد وعدِهم بالروح القدس وحلوله عليهم
"ستكونون لي شهوداً في أورشليم وكل اليهودية والسامرة وإلى أقاصي الأرض" ( أع 1: 8),
على هذا الأساس, أي أساس الشهادة للحق,الحق الذي هو الرب يسوع المسيح, والذي نشهد له بحفظنا وصاياه هو القائل من يحبني يحفظ وصاياي.
انطلقَ الرسل, تلاميذ الرب يسوع, وشهدوا للحق شهادة الدم, وبقيت الكنيسة كما تعلمون ثلاثة قرون تشهد بدمها للحق في عصور الاضطهاد ومحاربة الإيمان, إلى أن شاء الرب وسمحَ بوجود الإمبراطور الذي نعرفه جميعنا وهو القديس قسطنطين الكبير.
وأعطى بعد تنصره الحرية الكاملة للمسيحيين التي بدأت من مرسوم ميلانو عام 313م, واستمرت الكنيسة تحيا أيضاً حياة الشهادة ولكن ليس بالدم, لأن الاضطهاد قد انتهى,ولكنها شهدت بالدم شهادةً بيضاء, والشهادة البيضاء هي حياة النسك والرهبنة.
والكل يعلم أن القديس انطونيوس الكبير معلم البرية هو مؤسس الرهبنة وأبو الرهبان ,كما أن القديس باخوميوس هو مؤسس حياة الشركة, وكلاهما من كنيسة الإسكندرية من القرن الرابع. ولكن هذا لا يعني أنه لم يوجد نساك أو رهبان قبلهم, لا بل وجد, والقديس انطونيوس نفسه, رأى في آخر حياته الناسك الكبير بولس البسيط في مصر, عندما سمح ربنا بذلك .
وُجد أيضاً في سوريا, أي في كنيسة انطاكيا, نساك ورهبان كما يشهد المؤرخ سوزومينوس الذي عاش في (432م) القرن الرابع والخامس, ويقال أن أول ناسك سُِمع به في كنيسة انطاكية هو أونوس أو أونيس أو كما في اللغة الأرمنية يوانيس أي يوحنا الذي عاش في القرن الثالث, وأنه وجد أكثر من ثلاثين ناسكاً عاشوا في النصف الأول من القرن الرابع, وهكذا بدأت حياة الرهبنة والشهادة.
قبل أن نبدأ بعرض أنواع الرهبنة التي وُجدت في أنطاكية, أحب أن أوضح لمحبتكم معنى كلمة نسك التي تخيف الكثيرين, إذ أن النسك باعتقادهم هو تطرف كبير ولا يلائم حياة المجتمع. مع أن الكنيسة فهمت حياة الإنجيل بأنها حياة نسك, وما النسك في العرف الكنسي الرهباني إلا حفظ وصايا الرب بتمامها وكمالها. وما الهرب إلى البرية إلاّ من أجل تحقيق هذا الأمر, أي تطبيق الوصايا بتمامها. ليس كرهاً بالناس أو بالمجتمع, وليس هروباً أنانياً متقوقعاً, بل ابتعاداً عن مزالق المجتمع طلباً لهدوء أكثر, وبالتالي فالبرية لا تعني دوماً الابتعاد إلى الصحراء البعيدة, بل تعني أن يعيش الإنسان وكأنه في غربة عن العالم في أي مكان وُجد فيه.
هذا هو النسك, ولهذا أيها الأحبة, نجد في التاريخ طرقاً غريبةً من النسك, يسميها البعض بالطرق المتطرفة, فالمعاصرون لها لم يفهموها إلاّ عندما شاهدوا أفعال النعمة الإلهية في الإنسان الذي يحياها, فآمنوا واعترفوا بهذه الطريقة.
تنوعت أنواع النسك و الرهبنة في انطاكية لأن النساك استنبطوا لأنفسهم أنواعاً من النسك لضبط شهواتهم وللوصول إلى الكمال, فكانوا منارات للإيمان,وشكّلوا قوة جبارة دينياً واجتماعياً, كما عملوا علىَ إنهاض البلاد ثقافياً وحضارياً.
يروى في التاريخ أنه كان هنالك مجموعات من النساك يسمونهم :
1- الرعيان: أو الذين يحيون كالقطعان, يتلخص مبدأ نسكهم بأنهم لا يأوون لا إلى كوخ ولا إلى مغارة ولا إلى أيّ مكان, بل يتنقلون من جبل إلى جبل, ومن سهل إلى سهل, ولا يأكلون إلاّ من نباتات الأرض الطبيعية, ويقضون معظم أوقاتهم في التسبيح لله.
وعندما ينعسون ينامون على الأرض, يفترشون الأرض, في العراء ورغم كل الظروف الطبيعية القاسية, يحتملون الحر اللاذع في الصيف, و البرد القارس في الشتاء. منهم يعقوب الكبير (ناسك في وسط سوريا).
وكان بعض النساك من هذه الجماعة يضطرون ويسكنون في كوخ أو مغار ة أو شق في الجبل أو في الأرض, البعض منهم فقط مثل( افسافيوس)أما معظمهم فكانوا يحيون في العراء أو في البرية. والكوخ الذي أقصد هو عبارة عن قطعة من الجلد المهترئ, أو بعض أغصان الأشجار التي يأوي إليها في حالات اضطرارية فقط (كالثلوج الكثيرة).
منهم من يذكره التاريخ كالعازر الذي شُرطن أسقفاً للريف وإفلوغيوس أيضاً, ويقال أنه في القرن الثاني للميلاد وجد 30 ناسك من هذا النوع.
وهناك طريقة ثانية من النسك, لونٌ ثانٍ:
2- الشجريون: أي الذين عاشوا على الأشجار, استنبطوا طريقة حيث يصعد الناسك إلى شجرة عالية, ابتعاداً عن شيء ما, ابتعاداً عن عالم الخطيئة وطلباً للهدوء والسكينة, وعاشوا السنوات الكثيرة من حياتهم على الشجرة, ومنهم من صنعَ كوخاً من أغصان هذه الشجرة وسكن فيه, ومنهم من قضى حياته على غصن من أغصان هذه الشجرة.
هناك أيضاً لون ثالثٌ من النسك ظهر في انطاكية أيضاً:
3-الذين لا سقف لهم: (ويدعَون أيضاً نساك العراء) يمكننا أن نعطي مثالاً عن ذلك هو القديس مارون (مار مارون), الذي عاش في القرن الخامس (440م) وقضى حياته في مكان مسّور, يشبه حظيرة مسوّرة, والسور, فقط ليحميه من كثرة الزوار والحجاج الآتين لأخذ البركة.
وقضى سنوات حياته رافعاً يديه إلى السماء ساعات طوال, وأحياناً يدوم أياماً وهو يسبح الله.
وفي انطاكية أيضاً ظهر بعض النساك الذين اتبعوا طريقة الصمت الكامل:
4-الصامتون: مثل الناسك اكيبسيماس الذي صمت 60سنة لا يتكلم, ومنهم من حبسوا أنفسهم في غرفة, و من الممكن أن تكون هذه الغرفة بلا أي منفذ إلى الخارج, ولا حتى طاقة صغيرة, وإن وجد فيها منفذ بسيط كان على شكل حلزوني أو مائل, حتى لا يرى أحد ولا يستطيع أحد أن يراه أو يأتي إليه.
ومنهم ناسك يذكر التاريخ اسمه هو سليمان أو سلومان كما كانوا يقولون لَهُ, عاش 40 سنة في غرفة لها نفق تحت الأرض يخرج منها مرة واحدة في السنة كي يجلب الطعام الذي سيكفيه لمدة سنة كاملة. وسنأتي بالحديث عن ماهية هذا الطعام لاحقاً.
ونذكر أيضاً شخصاً يدعى ثالالاوس عاش في جبلة بالقرب منّا. ثالالاوس هذا ابتدع طَريقة جديدة في النسك, صنع غرفةً صغيرةً من الخشب على شكل اسطوانة أو علبة كونسروة ونصبها على جذعي شجرة, وأمضى حياته فيها, ويقال أنه أمضى 60 سنة على هذه الحال.
ظهرت في انطاكية طريقة أخرى للنسك:
5- الذين لا ينامون: (السهّارون) هؤلاء كانوا يعيشون كَجماعات, يقتسمون الوقت بينهم - ونتكلم الآن عن النساك وليس عن الجماعات الرهبانية المشتركة التي في الأديرة- هؤلاء كانوا يجتمعون اثنين اثنين, كل واحد في زاوية ,الأول يسجد والآخر يرفع يديه للصلاة, ربع النهار أو ثلث النهار, حسب البرنامج الذي يضعوه, الأول يقف والثاني يستمر في الصلاة, وهكذا كانوا يقضون الليالي بطريقة التسبيح (مؤسس هذه الطريقة هو الكسندروس الناسك الذي أسس ديراً جانب الفرات) .
وهناك طريقة أخرى كلنا نعرفها هي:
6- طريقة العمود (العموديون): وأول شخص عاش على عمود كان القديس سمعان العمودي الكبير الحلبي (في القرن الخامس 422م) الذي عاش بالقرب من حلب وأمضى 37 سنة على عمود يسبح الله, ويشهد لوصايا الإنجيل بنسكه, ومنهم أيضاً قديس اسمه سمعان العمودي الجديد, من منطقة قريبة منا خلف كسب, عند قرية السويدية, عند جبل اسمه الجبل العجيب, وأخذ هذا الجبل اسمه من كثرة النساك الذين عاشوا في تلك المنطقة, و كثرة العجائب التي صاروا يجترحونها أثناء حياتهم بسبب سموِّ قداستهم, فسمي هذا الجبل بالجبل العجيب, وقد قضى هذا القديس 45 سنة على العمود.
ويقول ذوروثيوس المؤرخ ( القرن 5م) وهو أسقف قورش (مدينة شمال حلب تقع في تركيا اليوم) الذي دوَّن معظم سير هؤلاء الرهبان النساك الذين عاشوا قبله وفي أيامه, كما وصلت إليه وكما عاين بأم عينه:
(ما كان ممكناً أن توجد قرية أو مدينة أو أي تجمع بشري إلا وكان حولها الكثير من النساك العائشين على عمود أو على أشجار أو من التائهين في البراري)
ويقول وهو يدون سيرتهم –يطلب منّا-:
"أطلَب أن تشتركوا أيها الأحباء, أنتم أيضاً في هذا النور - أي السيرة الصالحة التي عاينها-".
لقد قال: (قد حُرَّرت الجبال من الضلال, ضلال الأوثان, لأن كل الجبال امتلأت بالرهبان والنساك, فحيث ارتفعت قديماً الهياكل الوثنية, الآن أجواق الرهبان تحتفل اليوم بالمسيح المصلوب.)
أقام هؤلاء النساك والرهبان في كل الأمكنة وعلى قمم الجبال والتلال وفي الوديان أيضاً.
فزينوها كما تزين الأزهار فصل الربيع ,وكانوا أحراراً كطيور السماء ,لا هم لهم إلا تسبيح الله العلي, وكان دستورهم هو الكتاب المقدس الذي يحاولون أن يحيوا مبادئه بكاملها, وبكل متطلباتها.
وهناك طريقة قد تكون غريبة بعض الشيء وهي:
6- طريقة المتبالهين لأجل المسيح (أي المجانين لأجل المسيح): المتباله لأجل المسيح الذي يدّعي أنه مجنونٌ, وهو ليس بمجنون, لكي يقتني فضيلة التواضع الأقصى تشبهاً بالرب, فهو إنسان سليم لكنه يتظاهر خلال النهار بأنه مختل العقل, مجنون, ليس أبله بل متباله, ويقضي حياته في القلب, يصلي بقلبه من أجل الذين يتهكمون عليه ويشتمونه ويهزأون به.
ومنهم القديس سمعان الحمصي الذي عاش في منطقة حمص في القرن السادس ويقالُ عندَ الرستن, قضى 30 سنة وهو يتبع هذه الطريقة. ويُذكر أيضاً قديس آخر معروفٌ أكثر من القديس سمعان, وهو القديس أندراوس المتباله من أجل المسيح الذي عاش في مدينة القسطنطينية, ويُقال أن أصله من سوريا وبدأ نسكه بالتباله في سوريا ومن ثم انتقل إلى القسطنطينية.
هذا بشكل عام عرض سريع عن طرق وألوان وأنماط النسك التي شاعت عند رهبان سوريا, وهذه الطرق هي من أقسى الطرق كما لاحظتم, ووصلت إلى حد التطرف(وهو المبالغة في الشيء), لكن السؤال المهم هو لماذا قبلتهم الكنيسة؟ لماذا قبلت بهكذا نوع أو بهكذا لون مع أنها كانت ترفض كل نوع من أنواع التطرف؟ الجواب: هذا ليس بتطرف ولكن كما يقال في نشيد الإنشاد:
"أرني محيّاك وأسمعني صوتك, فإن صوتك لطيف ومحيّاك جميل" (نشيد 2: 14), " قد أسقمني حُبُك" (نشيد 5: 8).هذا الكلام موجه للرب, أي قد مرضت بالحب, مرضت النفس البشرية بحب الحبيب الذي هو الرب, فلا يقدر الإنسان إلا أن يُعبر بأي طريقة عن حبه لحبيبه ومن ضمنها ألا يزعجه بأي شيء, لا يقدر المحب أن يزعج محبوبه, ما الذي يزعج الحبيب؟ ما هو الذي يزعج الرب؟
إنها الخطيئة. حتى ولو كانت بالفكر, ولأنهم ذاقوا حلاوة المحبة الإلهية وغمرهم الحب الإلهي العظيم, كانوا يقومون بالمستحيل, بأي طريقة حتى يضبطوا شهوات الخطيئة في داخل الإنسان. أي الأهواء التي هي ينابيع الخطيئة في النفس البشرية وهذا هو مبرَّر استخدام هذه الطرق.
"إن أحبني أحد يحفظ كلامي" (يو 14: 23)
عندما نسألهم لماذا تتعبون أنفسكم لهذه الدرجة؟ يجيبون إن هذه الخيرات التي نذوقها ونحن على الأرض ( أي المواهب الإلهية التي يسكبها الرب الإله عليهم) لا تقارن أبداً بالأتعاب التي تقولون عنها أنتم أنها أتعاب ومشاق.
التحليل والتفسير لهذا هو فقط الحب الإلهي الذي غمر كيانهم, فعاشوا شهداء
"اجذبني وراءك فنجري ..." (نشيد 1: 4), "ما أشد حبي لشريعتك هي تأملي النهار كلهّ" (مز 118: 97),
كيف تقدر أم أن ترى أولادها يقتلون أمام عينيها؟, وكيف يقدر أحد الأشخاص, أن ينسى كل شيء ولكن لا ينسى أن يشهد للحق؟, أن يشهد للرب يسوع المسيح, لقد أعطى دمه, وهنا جواب النساك فهم أيضاً شهداء.
القانون النسكي "أعط دماً وخذ روحاً". أي خذ النعمة الإلهية, هذا هو القانون الذي عاشوه وطبقوه في كل مسيرة حياتهم.
كانوا يقولون "إذا قابلنا ما نرجوه من الخيرات مع الانزعاجات الطبيعية المؤقتة التي ترونها, فإننا نحتمل هذه الآلام بطيب خاطر, لأن ما نناله من حب السيد يجعلنا نرى كل هذه المتاعب التي تجابهنا في الحياة, سهلة".
"من يفصلنا عن محبة المسيح؟ أشدة أم ضيق أم جوع أم عري أم خطر أم اضطهاد أم سيف, كما هو مكتوب كلنا من أجلك نمات النهار كلَّه, قد حسبنا مثل غنم للذبح" (رو 8: 31-35),
"بالفخر الذي لي بكم في المسيح يسوع أني أموت كلَّ يوم" (كو 15: 31)
أعطانا الرب كامل الحب حتى الفداء, وهكذا نجد بولس الرسول يقول :
"بهذا نغلب بأن الله أحبنا, نغلب بالله الذي أحبنا" (رو 8: 37)
ولهذا عندما نسأل كيف استطاع إنسان أن يعيش مدة60 سنة في غرفة دون أن يكلم أحداً؟ أو كيف استطاع آخر أن يعيش مدة 45 سنة على عمود وكيف استطاع أن يتحمل برد الشتاء القارس والحرّ الشديد في العراء؟
الجواب:إنها النعمة الإلهية . وهي ليست بقوة سحرية, لكنها سكنت في قلوبهم و رحمتهم ودفعتهم ليجابهوا كل الأمور وينتصروا.
المفضلات