[FRAME="8 90"][img]http://www.arabneed.com/upload/image3/lomonosov-porcelain_1991_89975254.jpg[/img
دراسة في لاهوت الصورة المقدسة (2)ديمتري أفييرينوس
لاهوت الأيقونة ومعناها: التجسُّد و"التألُّه"
كان من شأن النزاعات التي أثارها تحطيم الصور، والقواعد التي وضعها مجمع نيقية الثاني (عام 787) أن عرف لاهوت الأيقونة في مباحثه الأساسية صوغه النهائي. كانت العناصر الأولى للعقيدة تبلورت في الفترة الواقعة بين القرنين الثاني والرابع، إذ انبرى بعض المفكرين الافلاطونيين الجدد مثل كلسوس (النصف الثاني من القرن الثاني) وفرفيريوس (234-305م) والإمبراطور يوليانوس المرتد (مات عام 363م)، يجادلون المنافحين المسيحيين الذين أدانوا الأوثان بوصفها "شيطانية" لمحاولة تقديم تسويغ "لاهوتي" للصور المقدسة والتماثيل، بما هي رموز رمادية تعبِّر عن حقائق خارجية وروحية وتؤدي في الوقت نفسه وظيفة تعليمية لا يستهان بها. فبحسب الافلاطونيين الجدد، ليست العلاقة
بين الصور ونموذجها البدئي ("العين الثابتة"، على حد اصطلاح ابن عربي) علاقة تماثُل: فالصور في نظرهم لا تفيد الا كمركبات يقارب بها النموذج البدئي الإلهي المستتر عن البشر بسبب جسدانيتهم. وهذه الحجج التي أدلى بها الأفلاطونيون الجدد يمكن الوقوع عليها في التطورات اللاحقة للاهوت. فالمفهوم القائل "إن الصورة المحسوسة مركبات نبلغ بها، قدر الإمكان، إلى المشاهد الإلهية" صرَّح به في وضوح لا لبس فيه ذيونيسوس الأريوباغي (مات عام 500م) في مقالته "مراتب السماء" (،1 2)، والعلاقة بين الصورة ونموذجها البدئي اتضحت بالنَفَس عينه في كتابات يوحنا الدمشقي (679-749) وسواها من لاهوتيي الكنيسة الشرقية.
وهكذا برّر المجمع المسكوني (787) تكريم الصور المساعدة وصاغه، مؤكداً على أن هذا التكريم ليس العبادة لكنه وسيلتها، من حيث أن الأيقونة التي تشفُّ عن نموذجها البدئي تيسِّر معرفة الله بالجمال.
اعتمد المصنِّفون المسيحيون من القرنين الثامن والتاسع ممن صاغوا لاهوت الأيقونة على معتقد مفاده أن التكريم يجد تبريره في تجسُّد أبن الله وينجم عنه تلقائياً. فبحسب جرمانوس الأول، رئيس أساقفة القسطنطينية (715-730)، يجوز رسم صورة الإبن لأنه "قبل أن يصير بشراً". بذا فان الأيقونة الممثلة للمسيح ليست صورة عن "الألوهة العصيّة على الفهم التي لا تموت"، بل الأخرى أنها صورة عن "الطبيعة البشرية" للكلمة المتجسِّد، تفيد برهاناً عن أنه "امتحن في كل شيء مثلنا ما عدا الخطيئة" (الرسالة إلى العبرانيين :4 15).
إن الهيكل كلّه، بهندسته وجدرانياته وفسيفسائه، أيقونة ضخمة هي من المكان اللثتورجيا من الزمن: "السماء على الأرض"، رمز البشرية المتألّه بالإبن، محلّ الروح، حيث يتحول الجسد الصائر إلى الفناء إلى جسد روحاني.
بيد أن الإله الحيّ لا يرقى إليه العقل. فلقد منع المجمع المسكوني السابع ومجمع موسكو الكبير (1666- 1667) التمثيل للأب، "منبع" الألوهية. لكن هذه تصبح مرئية - "من رآني فقد رأى ألآب" (يوحنا 9:14) - بتجسُّد ذاك الذي ليس كلمة الله فحسب بل صورته الحية، أساس الأيقونة مسيحيّاتي Christologique اذن، فيوحنا الدمشقي الذي كتب ثلاث مقالات منافحاً عن "الأيقونات المقدسة" قدَّم التعريف التالي بصورة الألوهة المرسومة: "أمثل لله غير المرئي، ليس بوصفه غير مرئي، بل بمقدار ما صار مرئياً لنا باتخاذه اللحم والدم". لا يمكن إذن التمثيل للمسيح إلا في "صورته البشرية، في تجلّيه المرئي". ونقرأ له في المعنى نفسه: "بما أن اللامرئي، وقد لبس الجسد، ظهر مرئياً، يمكنك أن تشخِّص شَبَه ذاك الذي جعل نفسه ظهوراً إلهياً".
وبيّن يوحنا الدمشقي، ومن بعده بصفة خاصة ثيوذوروس الستوذيوسي (759-826) ونيقفوروس، رئيس أساقفة القسطنطينية، العلاقة بين الصورة المقدسة أو الأيقونة ونموذجها الأصلي الإلهي. فالصورة لدى هؤلاء مميزة عن الأصل بما هي محل "تكريم نسبي". فمن خلال وساطة الأيقونة يتوجه المؤمنون إلى النموذج المبدئي الذي تمثِّل له، وبذلك يصبح التكريم النسبي للصورة فعل "عبادة" ويُقرَّب للألوهة حصراً. وهذا التمييز بين عبادة النموذج والتكريم النسبي لصورته التي ترمز إليه أزال خطر تحويل الأيقونات إلى أوثان، وهو خطر كان ملازماً لتكريمها. شدد ثيوذوروس الستوذيوسي على "أن التكريم لا يعود إلى جوهر الصورة بل بالحري إلى مظهر النموذج الأولي الذي تمثّل له الصورة [...] بما أن المادة [بحد ذاتها] لا يمكن أن تكون موضع تكريم".
هذه الإيضاحات أكدت على الصلة الوثيقة بين لاهوت الأيقونة والمسألة المسيحياتية التي طرحتها الهرطقة الدوكيتية التي شكّكت في ناسوت المسيح الحقيقي، زاعمة أن جسد المسيح لم يكن الا مجرد "مظهر". ففي تمييز مضاد أشيرَ إلى أن الأيقونة تمثِّل لصورة تجسِّد ابن الله، وبذلك، على حد قول جرمانوس، "تبرهن انه استعمل طبيعتنا بسبل غير الخيال". فالمسيح، على كونه غير موصوف في طبيعته الإلهية، موصوف بالحقيقة الكاملة لناسوته. وبحسب ثيوذوروس الستوذيوسي "يبيِّن كون الله قد صنع الإنسان على صورته ومثاله أن رسم الأيقونات فعل من الله".
من هنا فإن الأيقونة روحيّاتية pneumatologique أيضاً، من حيث أنها تستبق التحوّل النهائي للناسوت. ففي جسد المسيح، بما هو محلّ فصح متجدد دائما، يستطيع الإنسان، بوصفه مخلوقاً على صورة الله، أن يجد في الروح وجهه الحق. وهذا الوجه هو الذي تومئ إليه الأيقونة بتجسيد التعليم الصوفي والرياضي للمسيحية الشرقية في التألّه theosis: الاختزال الاستبطاني للأذنين والفم، الجبهة المتمددة والنورية، العنق المنتبج بالنَفَس الحي والمحيي، الوجه الذي "كله عينين" corpus makarianum، أي شفافية محضة، والتمثيل الجبهي الأمامي دوماً (التمثيل الجانبي مَوْضَعَة تضيع فيها الرموز). كل ذلك يشير إلى كائن أصبح في آن واحد "صلاة محضة" وقبولاً خالصاً
الأيقونة ليست "مساوية في الجوهر" لنموذجها الأصلي، وفيما هي تستعمل الرمزية فإنها ليست رمزا بالمفهوم السوريالي مثلا. إنها تبتعث حضورا "شخصيا" والرمزية هنا تجلو هذا الحضور وتؤجّجه، وكل الجوّ الكوني المحيط به مشبع بالسلام والنور الإلهيين. الأجسام والملابس منارة بفراض رقيقة مذهّبة، والحيوانات والنباتات والصخور تتسم بضرب من الجوهرية الفردوسية، وهندسة المساحة تصبح لعبة هي التحدي الروحي لثقافة هذا العالم.
أن أورشليم الثانية - أورشليم السموية - أي الكون المتروحن الذي تفصح عنه الأيقونة، "بها غنى عن ضياء الشمس والقمر لأن مجد الله أضاءها، والحمل قام مقام مشعلها" (رؤيا 21:23)، ففي الأيقونة لا يصدر النور عن بؤرة محددة، انه في كل مكان، من دون أن يلقي ظلا (عمق الصورة نفسه هو الذي يدعوه الايقونيون "نوراً") وكل الحقائق تبدو مضاءة بنورها الداخلي. والمنظور الذي غالبا ما يكون معكوسا يفتح الفضاء على هذا الامتلاء الذي يختفي فيه كل استظهار للأشياء.
ليس للأيقونة قيمة تربوية فحسب، بل قيمة "أسرارية" Sacramental، ولاهوتها يخلع عليها دورا يكاد يكون اسرارياً لا تتم المصادقة على صحته الا بحلول بركة روحية تؤيد بخاتمها هذه الصحة. والأيقونة، بما هي "اسم" (في المعنى الكتابي) مدوّن دائما على جانبي الوجه، تفصح عن كل شخص متقدِّسا بسر النور والجمال الإلهيين. كل حضور حقيقي يفصح بالفعل عن وجه جديد للبشرية المتألّهة، ويصبح لكل من يلج سرّه جسرا يعبر منه إلى اللقاء بحالة القداسة.
من هنا لم ينتم فن تصوير الأيقونة، كما فهمه المصوّرون الأولون، إلى الجماليات esthetics، بل إلى الليتورجيا. وكمال الصورة لم يكن أكثر من تعبير ملائم عن جوهر الخبرة الروحية. لم يكن الرسام فنانا في المعنى الحديث للكلمة، بل كاهنا: كانت موهبته وفنّه الشخصي شرطا لازما للعمل لكنه غير كاف. كان يقع عليه اختيار مرشد وتوجيهه الروحي، ولا يحق له أن يباشر العمل من دون إجازة هذا المرشد وإذن منه. وبدء تعليمه كان يتسم بطقس (صلاة ومباركة) مماثل تماما لطقس الأسرار.
أحجم مصوّرو الأيقونات الأوائل عن توقيع أعمالهم لاعتقادهم أن شخصيتهم لا أهمية لها قياسا بالمعنى الذي يرسمونه. ومن اللافت للانتباه أن تتزامن أولى الأيقونات الموقعة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر مع بدء انحطاط فن تصوير الأيقونة. والمصوّرون الاقدمون، بما هم مؤولو hermہneutes الحقيقة وناقلوها، يتبعون قواعد صارمة، فموضوعات لوحاتهم لا يصح الا أن تكون نماذج موضوعة سابقا: مشاهد من الأسفار المقدسة، أو - وهذا أندر - رؤى معترف بها. وكانوا ينفّذون عملهم بعد فترة صوم محددة واقتبال القربان المقدس، وبعضهم كان أيضا يمزج إصباغه بالماء المقدس وغبار اثر القديسين[/FRAME]

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات