الآلام
الله يتألم من أجلنا . لا يتألم الاالمحبون .ليس سهلاً أن تحب المحبة تفترض نكران الذات ، المحبة تفترض التحرر من الأنانية . المحبة تفترض القضاء على الأنا التي دمرت العالم وأغرقته في دياجير الموت .الله يحبنا . محبته أرسلت ابنه الوحيد ليكون كفارة عن أثامنا , ليبذل نفسه من أجلنا . هل أعظم من بذل النفس ؟ البذل يعني أن تعطي جسدك وتهرق دمك من أجل من تحب . ويعظم البذل جداً ويأخذ بعده عندما يكون المبذول من أجله خطيئة سوداء انهالت على الحق بمكرها وخبثها فشوهته وطرحته في صحراء يقيم فيها ملكوته الوهمي .
المحبة هي التي تتألم . الألم الحقيقي يعرفه الذين عانوا حقيقة المحبة. الذين لا يحبون لا يتألمون . الذين لا يحبون يعيشون في الخوف الدائم , يحتضنون الأنانية . الأنانية خوف ذاتي من الحقيقية ورعب من الضياع من الضياع في العدم , أمَّا الذين يحبون فألمهم خلاق يبني ويرفع . ليس كالألم من يبني انه يبني لأنه قوي على الهدم والدمار والتحطيم . يمكنه أن يحطم ويدمر كل الهيكل البشري . (( أنا أستطيع أن أدمر هذا الهيكل وأبنيه في ثلاثة أيام )). الزنابق تنمو في المزابل وأجملها لا يعيش الاَّ هناك الألم هو الزنبقة التي تنمو وتزهر في مزبلة الجسد الخاطىء. الألم يحول المزبلة الى روضة روية زنبقة تعلو المزابل تحول الأبصار الى الأبعاد القصية من الطيب . الصليب هو الزنبقة الأزلية التي ارتفعت بالحب والغفران الى عرش الله وحملت معها تربتها التي تقدست بالتواضع المقدس . ألم الله حول المزبلة الى روض زنابقه القديسون .
الذين يعرفون الألم يصابون بعشقة . الألم هو روح المعرفة وحياتها .
المعرفة تمزيق والتمزيق ألم . المعرفة تمزق ذاتها لتحيا زاتها ، تبقى حقيقة .
الله يتألم من أجلنا . محبته هي التي تتألم . يؤلمه زيناننا ، يتألم لأننا نهوى الموت في شهواتنا . ننصاع الى أوامر عبوديته ، نذوب في شهواته . الشوق الذي فينا للمعرفة كفيل بأن يذيب أهواءنا التي للموت بنيرانه . إن قلوبنا اذا تركت الى شوقها الالهي امتلأت بالنعمة . عادت الى طفولتها .القلب الطفل لا يشيخ, يبقى في تصاعد البراءة وتبقى الحياة في خميرة نعمتها .
ألم الله من أجلنا نابع من نقاوته وطهره ونوره . يريد أن يكون الجميع في النور ولأنهم لا يريدون ذلك يتألم من أجلهم , وقد صلب ومات ويصلب ويموت . النقاوة هي بعده ووطنه .
لقد تسمرت آلام الله في ضمير الانسان . من كان يعرف أن الله يتألم من أجلنا نحن مخلوقاته ؟ من كان يصدق ذلك ؟صليبه كشف ذلك وصار تعبيراً عن هذه الحقيقة . صليبه صار كلمة تتفجر بموسيقى الخلاص وأوتاراً للمحبة والغفران عزف فوقها الثالوث المقدس أنغام الظفر على المعصية والكبرياء .كم من البشر قدستهم آلام المخلص وكم أوحت هذه الآلام من الروائع . كم صقلت نفوسنا وكم أحييت أموتاً . آلام بشرته احتضنت بشرتنا . جعلتها فردوساً جديداً للانسان الجديد الظافر .
آلام الله هي طريقنا نحو ظفرنا , نحو قيامتنا روحياً وجسدياً , نحو وحدتنا الذاتية ووحدتنا في الله ومشاركتنا للثالوث المقدس في عمله الخلاق . اشتركنا في الآلام يرينا القيامة المقدسة , ونقطف ثمارها تاركين وراءنا أقمطة الخطيئة ولابسين درع الحق وأوشحة النور .من يدرك سر الآلام الالهية ويغوص الى اعماق معانيها ويتبنى ثمارها يبلغ ذروة الحياة والمحبة ويتغلب على الموت ويحقق مصالحته الفعلية مع الله ويصير المثال الناطق للخالق العظيم .
اللهمَّ علمنا أن نتألم آلامك , علمنا أن نصلب ذواتنا لنقوم معك ونكون كاللص التائب من مواطني فردوسك الالهي .علمنا ان نشرب الكأس التي تشربها وأن نسمرَّ كما تسمرت فوق الصليب وان يفيض محبة كمحبتك فنغفر وسط آلامنا وعذاباتنا لمن يسيء الينا ، (( لأنهم لا يعرفون ماذا يصنعون )) وجه خطواتنا نحو جلجلتك حتى نبلغ في المنتهى الى القيامة المجيدة.
البطريرك الراحل الياس الرابع


يارب ارحم