يتحدث هذا الأصحاح عن :
عبور البحر الأحمر
( 1 ) النزول إلى فم الحيروث :
بأمر الهي رجع بنو إسرائيل ونزلوا أمام فم الحيروث ، وهى بين مجل والبحر أمام بعل صفون ( ع 2 ) . يرى العلامة أوريجانوس أن " فم الحيروث " تعنى الصعود القاسى أو الصعود القفر " ، و" مجدل " تعنى " برج " ، و " بعل صفون " تعنى " الصعود بخفة أو بسرعة " .
الطريق الذي ينبغي علينا أن نسيره هو طريق صاعد وضيق ، يتطلب السهر والإيمان . فالإيمان والأعمال يتطلبان مشقات ومجهودات ضخمة ، والذين يريدون السير حسب الله يواجهون تجارب وضيقات عديدة ...
فى هذا الطريق نجد برجا ... هذا الذى قال عنه الرب فى الإنجيل : " من منكم وهو يريد أن يبنى برجا لا يجلس أولا ويحسب النفقة هل عنده ما يلزم لكماله ؟! " لو 14 : 28 . هذا البرج هو الأساس القوي الذى تقوم عليه الفضيلة مرتفعة .
( 2 ) ندم فرعون على إطلاقهم :
أوضح الرب سر إنزالهم إلى فم الحيروث قائلا : " أشدد قلب فرعون حتى يسعى وراءهم " ع 4 لقد سمح لهم بالخول فى الضيقة حتى يتمجد الرب فيهم وأيضا كما يقول " ويعرف المصريون إنى أنا الرب " ع 4
كيف شدد الرب قلب فرعون ؟ " أسلمه الله إلى شهوات قلبه " رو 1 : 24 ، تركه لقساوة قلبه ، فثار على الشعب وتشدد قلبه .
سعى فرعون ومعه ستة مائة مركبة ، رقم 6 يشير إلى كمال العمل البشرى ، والمائة تشير إلى كمال عدد الجماعة ، كأنه خرج بكل طاقاته البشرية وبكل رجاله لكنهم لم يحملوا الطبيعة السماوية ( رقم 1000 ) لذلك فشل وهلك .
( 3 ) تذمر الشعب :
اشتهى الشعب فى أول ضيقة تصادفه بعد الرحيل أن يعود إلى حياة العبودية عوضا عن حياة الحرية ومعها الجهاد ، مع أنه " من الأفضل لنا أن نموت ونحن فى الطريق نبحث عن حياة الكمال عن أن نمتنع عن البحث عنها "
طلب موسى من الشعب أن يقفوا وينظروا خلاص الرب الذى يصنعه لهم .. قائلا لهم عبارته الخالدة:
" الرب يقاتل عنكم وانتم تصمتون" ع14
إنه لا يدفعهم للحرب مع فرعون كما فعل معهم فى حربهم مع عماليق وغيرهم فيما بعد ، لأنهم لم يختبروا بعد المن السماوى ولا الشراب الروحى ، خرجوا من مصر بلا خبرة للجهاد ... هكذا لا يطالب الإنسان بالجهاد إلا بالقدر الذى يناسب إمكانياته وقدراته !
( 4 ) صرخة موسى الصامتة :
يقول الرب لموسى : " مالك تصرخ إلى " ع 15 ، مع أن موسى لم يصرخ له علانية أمام الشعب ، بل كان يحدث الشعب المتذمر فى مرارة قلب يبعث فيهم روح الرجاء فى الخلاص قائلا : " الرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون " .
بلا شك صرخ موسى فى قلبه صرخة مرارة هزت السماء ، سمعها الله وحده دون الشعب ، وجاءت الإستجابة سريعة ..
قال العلامة أوريجانوس : [ إن الله يسمع صرخات القديسين الصامتة بالروح القدس ، موسى صرخ صرخة قوية ، قدمها كصلاة يسمعها الله وحده ! ] لهذا يقول داود : " بصوتى إلى الرب صرخت ، فاستجاب لى " مز 77 : 7
حنة أيضا لم يسمع صوتها ، نالت كل إشتياقها قدر ما صرخ قلبها ( 1 صم 1 : 13 ) .. هابيل أيضا لم يصل فقط بصمت ، وإنما صلى عندما مات ، إذ أصدر دمه صرخة أقوى من صوت البوق ( تك 4 : 10 ) ... أيضا " من الأعماق صرخت إليك يارب " ، من الأعماق أى من القلب يصدر الصوت وتكون صلاتك سرا .
الفكر الذى ارتفع من موسى نحو الله دعى صرخة ، ولو أنها تمت فى فكر القلب الداخلى دون صوت !
( 5 ) عبور البحر الأحمر :
سلك الشعب بالإيمان إذ رأوا البحر أمامهم فانفتح لهم طريق ونجوا ، أما الأعداء فرأوا الطريق بالعيان فساروا فيه ، فغرقوا وماتوا . يلاحظ فى هذا العبور :
أولا : عبور البحر الأحمر حمل رمز المعمودية .. حيث ينعم المؤمن بالخلاص خلال الدفن مع المسيح المتألم والتمتع بقوة قيامته .
ثانيا : يرى البابا أثناسيوس أن البحر انشق بأمر الهي وليس بسبب كلام موسى ، بخلاف ما قام به السيد المسيح الذى ينتهر البحر ويأمر الرياح فتطيعه بسلطانه الإلهى
ثالثا : ليتنا نتمثل بموسى النبى فنمسك بعصا الرب ، أى صليبه المقدس ، ونضرب بها أمواج الخطية الثائرة داخلنا فينفتح لنا طريق يهلك أعداءنا الروحيين .
رابعا : أعلن هذا العمل حب الله للإنسان وعمله الخلاصى ، إذ يقول العلامة أوريجانوس : [ المياة تصير جبالا ! المياة الراجعة تصير أسوارا .. ويظهر عمق البحر ، وإذ هو رمال فقط !
تظهر محبة الله أيضا فى انتقال عمود السحاب من أمامهم إلى الوراء ( ع 19 ) حتى يحجبهم عن أعين فرعون وجنوده ويكون حماية لهم .
خامسا : يرمز هذا الخلاص لعمل السيد المسيح الخلاصى من جوانب كثيرة منها :
- قسى فرعون قلبه لكى يهلك الشعب فغرق هو وجنوده ، وقسى إبليس أيضا قلبه فأراد أن يقتل السيد المسيح ويبيد إسمه من كورة الأحياء ، وإذا به هو يهلك مع كل جنوده .
- رأى فرعون البحر منشقا فاندفع وراء الشعب ليهلكه بلا من أن يخاف ويرتعب ، ورأى إبليس الطبيعة ثائرة فى لحظات الصليب ولم يبال بل اندفع ليكمل الصلب .
- ضرب موسى البحر بالعصا فغرق فرعون ، وضرب السيد المسيح إبليس بخشبة الصليب فأغرقه فى الجحيم .
- بعد العبور إجتاز الشعب البرية ، ونحن أيضا إذ تمتعنا بعمل الصليب فى المعمودية نجتاز برية هذا العالم مع قائدنا يسوع المسيح حتى نبلغ أورشليم السماوية .
- يعلق القديس غريغوريوس أسقف نيصص على العبارة : " فخاف الشعب الرب وآمنوا بالرب وبعبده موسى " ع 31 قائلا : [ من يعبر البحر ويرى المصريين ( الملذات الأرضية ) موتى داخله ، لا يعود ينظر موسى وحده كحامل عصا الفضيلة ، إنما يؤمن بالله ويكون مطيعا لموسى ( ع 31 ) . نحن أيضا نرى ذات الأمر يحدث مع الذين يعبرون المياة مكرسين حياتهم لله وفى طاعة وخضوع للذين يخدمونه فى الكهنوت ( عب 13 : 17 ) ]
+ + +
خروج – الإصحاح الخامس عشر
تسبحـــة النصرة
يحوى هذا الإصحاح :
( 1 ) تسبحة النصرة :
ترمز هذه التسبحة لتسبحة المفديين فى السماء ، إذ خلصهم الله وعبر بهم من العالم إلى السماء ، تستخدم هناك مع السيد المسيح ( رؤ 15 : 3 ) . لهذا وضعتها الكنيسة فى التسبحة اليومية بكونها " الهوس الأول – وكلمة هوس تعنى تسبحة " لتؤكد لأولادها ضرورة التسبيح لله وتقديم الشكر المستمر من أجل عمله الخلاصى معنا ، إذ يهبنا غلبة يومية على إبليس وجنوده ، وليس بذراعنا البشرى ، وإنما خلال عمل نعمته فينا .
ويلاحظ أن موسى والشعب لم ينطقوا بالتسبيح إلا بعدما اعتمدوا ورأوا خلاص الله العجيب . هكذا بالمعمودية إذ ندفن مع مسيحنا المصلوب ونقوم معه فى جدة الحياة ينفتح لساننا الداخلى لنسبح للرب ونشكره .
وقد حملت هذه التسبحة تعبيرات ومعان جميلة تحتاج إلى كتاب مستقل ، لكننى أكتفى هنا بعرض بعض الفقرات منها :
" أرنم للرب فإنه قد تعظم . الفرس وراكبه طرحهما فى البحر " ( ع 1 ) :
بدأت التسبحة بتمجيد الرب الذى تمجد بالصليب حيث داس إبليس وكل قواته ، ليعتق الذين سبق فأسرهم ...
إنها تسبحة عذبة يترنم بها المسيحى كل يوم حين يرى الخطية تسقط بالصليب تحت قدميه ، وكما يقول القديس أثناسيوس الرسولى : [ لنغنى مع موسى ... ونسبح مرتلين ، إذ نرى الخطية التى فينا قد طرحت فى البحر ، أما نحن فنعبر إلى البرية ] .
" قد هبطوا إلى الأعماق كحجر " ( ع 5 )
الإنسان الشرير يكون ثقيلا يغطس فى المياة ، الفضيلة خفيفة تعوم على المياة والذين يسيرون فى طريقها يطيرون كالسحاب وكالحمام بأجنحتهم الصغيرة ( إ ش 9 : 8 ) ، أما الخطية فكالرصاص ثقيلة ( زك 5 : 7 ) .
لقد مشى ربنا ومخلصنا على المياة ( مت 14 : 25 ) ، هذا الذى بالحقيقة لا يعرف الخطية ، ومشى تلميذه بطرس مع أنه ارتعب قليلا إذ لم يكن قلبه طاهرا بالكلية إنما حمل فى داخله بعضا من الرصاص .. لهذا قال له الرب " يا قليل الإيمان لماذا شككت ؟ " فالذى يخلص إنما يخلص كما بنار ( 1 كو 3 : 15 ) حتى إن وجد فيه رصاص يصهره .
" يمينك يارب معتزة بالقدرة .. يمينك يارب تحطم العدو " ( ع 6 )
يرى القديس أمبروسيوس فى هذه التسبحة عمل الثالوث القدوس واضحا ، ففى هذه العبارة يعترف بالإبن الذى هو " يمين الرب " ، ليعود بعد قليل فيتحدث عن عمل الروح القدس " أرسلت روحك فغطاهم البحر " ع 10 ، هذا الذى يعمل فى سر المعمودية ، مهلكا الشر ومنقذا أولاد الله .
" قال العدو : أتبع أدرك أقسم غنيمة . تمتلىء منهم نفسى . أجرد سيفى . تفنيهم يدى " ع 9
هذا هو عمل إبليس : الإرهاب المستمر والإضطهاد ، لهذا عندما دافع البابا أثناسيوس عن هروبه من وجه الأريوسيين مضطهديه أورد هذا القول معلقا عليه : [ أمرنا الرب بالهروب ، والقديسون هربوا . أما الأضطهاد فهو شر من عمل الشيطان ، يريد أن يمارسه ضد الكل ] .
" من مثلك يارب " ع 11
ليس لله شبيه فى قدرته وحبه وفى طبيعته بكونه غير المدرك ولا المنظور ولا متغير ، بلا بداية ولا نهاية . هذا الذى ليس له شبيه أعطانا بالتبنى أن نحسب أولادا له لكى نتشبه به ، كقول الرسول يوحنا " أيها الأحباء الآن نحن أولاد الله ولم يظهر بعد ماذا سنكون ، ولكن نعلم أنه إذا أظهر نكون مثله لأننا سنراه كما هو " 1 يو 3 : 2
" تمد يمينك فتبتلعهم الأرض " ع 12
يعلق العلامة أوريجانوس على هذه العبارة قائلا : [ اليوم تبتلع الأرض الأشرار ، ألا ترى أن الأرض تبتلع من ليس له إلا الأفكار والأعمال الأرضية ؟! ... فيشتهى الأرض ، ويضع فيها كل رجائه ، ولا يرفع نظره نحو السماء ، ولا يفكر فى الحياة العتيدة ، ولا يخشى دينونة الله ، ولا يبتغى مواعيده فى الأبدية ، إنما هو دائم التفكير فى الأمور الحاضرة ، راكضا نحو الأرضيات . إن رأيت إنسانا كهذا قل أن الأرض ابتلعته . إن رأيت إنسانا منسكبا على رغبات الجسد وشهواته ، ورأيت روحه بلا قوة لأن الجسد مسيطر على كل حياته فقل أن هذا الإنسان إبتلعته الأرض .... ] .
" حتى يعبر شعبك يارب .. حتى يعبر شعبك الذى إقتنيته " ع 16 :
كرر موسى النبى : " حتى يعبر شعبك " ليعلن أن غاية العمل هو الخلاص والعبور إلى الأبدية ، ولتأكيد أن العابرين هم شعب واحد من أصلين : يهودى وأممى .
" تجىء بهم وتغرسهم فى جبل ميراثك " ع 17
الله لا يريد أن يغرسنا فى مصر ( محبة العالم ) ولا فى أماكن فاسدة وشريرة ، لكنه يريد أن يقيمنا فى جبل ميراثه . لنفهم كيف يفعل هذا ؟ " كرمة من مصر نقلت ، طردت أمما وغرستها . هيأت قدامها فأصلت أصولها فملأت الأرض . غطى الجبال ظلها وأغصانها أرز الله " مز 80 : 9 – 11 . إنه لا يغرسها فى الوديان بل على الجبال ، فى أماكن مرتفعة وعالية . لا يريد أن يترك الخارجين من مصر فى الحضيض إنما يقودهم من العالم إلى الإيمان ، يريد أن يقيمهم فى المرتفعات ، يريدنا أن نسكن فى الأعالى ، لا أن نزحف على الأرض .
" المقدس الذى هيأته يداك يارب " ع 17
يقول العلامة أوريجانوس : [ ما هو المقدس الذى لم يقمه إنسان بل هيأه الرب ؟
" الحكمة بنت بيتها " أم 9 : 3 . هذا الأمر إنما يخص تجسد الرب ، فإن الجسد الذى أخذه ليس من زرع إنسان ، إنما قام البناء فى العذراء كما تنبأ دانيال " قطع حجر بغير يدين ... أما الحجر فصار جبلا كبيرا " دا 2 : 34 ، 35 . هذا هو المقدس الذى ظهر فى الجسد ، الذى قطع بغير يدين ، أى ليس من صنع إنسان ] .
" مشوا على اليابسة فى وسط البحر " ع 19
يقول العلامة أوريجانوس : [ إن كنت أنت أيضا من بنى إسرائيل ( الجديد ) تستطيع أن تمشى على اليابسة وسط البحر . إن وجدت نفسك وسط جيل معوج وملتوى تضيىء بينهم كأنوار فى العالم متمسكا بكلمة الحياة لإفتخارى ( فى 2 : 15 ، 16 ) , من يتبع المسيح يسير مثله ( على المياة ) ، فتكون له المياة سورا عن يمينه ويساره ( ع 22 ) . يسير على اليابسة حتى يبلغ الحرية مترنما للرب بتسبحة النصرة ، قائلا
" أرنم للرب فإنه قد تعظم " ع 1 ] .
( 2 ) مريم المرنمة :
يرى القديس جيروم فى مريم أخت هرون كقائدة روحية للنساء فى ذلك الوقت صورة حية لعمل المرأة فى الكنيسة ، هذه التى تكرس حياتها لتسبيح الرب وتعلم الأخريات هذا العمل .
كما رأى فيها القديس أمبروسيوس صورة رمزية للكنيسة المترنمة للرب على الدوام ففى حديثه عن العذارى ، قال : [ ألم تكن رمزا للكنيسة البتول بروح بلا عيب تجمع الجماهير المتدينة لتنشد الأناشيد الإلهية ؟! إذ نسمع أنه كان يوجد عذارى مهتمات بذلك فى الهيكل بأورشليم ؟! ] .
( 3 ) من مارة إلى إيليم :
طريق البرية هو طريق الدخول فى ضيقات كثيرة ، بل بالحرى هو طريق خبرة العمل الإلهى فى حياتنا وسط الآلام ، وانفتاح القلب نحو السماويات .
ما أن عبر الشعب وفرح وتهلل ، حتى تحولت أفراحه إلى مرارة وضيق إذ شعروا بالعطش فتذمروا على موسى ( ع 24 ) ، إذ وجدوا ماء مرا لا يقدر أن يرويهم . ألقى موسى النبى بالشجرة فى المياة المرة فصارت حلوة .
ما هى هذه المياة المرة إلا وصايا الناموس ، التى أعطت مرارة للإنسان بسبب عجزه عن التنفيذ ، لكن دخل السيد المسيح ، شجرة الحياة فى الوصية ، فصير الناموس روحيا وجعله مرويا للنفس .
يرى كثير من الآباء فى الشجرة رمزا للصليب الذى يعمل فى مياة المعمودية فتتحول حياتنا من المرارة إلى العذوبة ، وعوض ما نحمله من أعمال الإنسان القديم نتمتع بالطبيعة الجديدة التى صارت لنا فى المسيح يسوع .

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات