إطلالةُ فَجْر
(ناَم الحَرَسُ)
خُلْوَةٌ في ليلةٍ داخِلَ قَصْرِ المَلِيكْ, جَثَوْتُ فيها لِعَظَمَتِةِ !
يُحكى أنَّهُ في أرضٍ بعيدةٍ تَفيضُ لَبَناً وعَسَلاً بُنِيَ قصرٌ أسوارُهُ الشاهِقَةُ تَصِلُ حدودَ السماءِ.
يُحيطُ بِهِ جَيْشٌ مِنَ الحُرَّاسِ يَمْنَعونَ دُخولَ الغرباءِ.
وَيُحكى أنَّ الحَفَلاتِ كانت تُقَامُ كلَّ ليلَةٍ, وَتَسْتَمِرُ حتى الصبَاح.
تُحيطُ بالقصرِ حَدَائِقُ كَتِلْكَ التي يُرْوى عَنْها في حِكاياتِ ألفِ لَيلَةٍ وليلَة.
ويُروى أنَّ مَلِيكَ القَصْرِ كانَ في رَيْعَانِ الشبَاب
وَ أنَّ جمَالَهُ يَأسِرُ الألباب. وَكم مِنَ الزُّوارِ لَمْ يَخْرِجُوا مِن هذا القَصْرِ مُنذُ سنوات, بَعْدَ أنْ رأتْ عُيونُهُم هذا الجَمَال.
فَبَعْدَ أنْ تَذَوقُوا حَلاوَة كَلِماتِهِ وَغَمَرَتْهُم حرارَةُ مَحَبَتِه
حَكَمُوا على أنْفُسِهِم بالعَيْشِ بالقُرْبِ مِنهُ يَسجِدونَ وَيُسَبِحونَ لِعَظَمَةِ ذَلِكَ الجَمال.
كُنَّا صِغاراً وَ كانَتْ تُرْوى عَلى مَسَامِعِنا كُلُ لَيْلَةٍ هَذِهِ الحِكايَة قَبْلَ أنْ نَنَام,
فَنَغْفوا ونَحْلُمُ بأنَنا نُحَاولُ اجتِيَازَ القَصرَ, وأنَنا نُحَارِبُ الحُرَّاسَ وَ هُمْ يُحَاولِونَ
اللَحَاقَ بِنَا, وَيَمْسُكُونَ حِرابَاً طَويلَةً حادَةً وَ مِنْ أفوَاهِهِم تَخْرِجُ النِيرانُ.
وَ أنَّ أقْدَامَنا كانت تُدْمِيهَا الأشْوَاكُ. كُنَّا نَرْكُضُ وَ لَكِنَنا لَمْ نَشْعُرُ بالأَلَمِ حِينَها,
وَ يَرْكُضُ خَلفَنَا حُرَّاسُ القَصْرِ, وَ كُنا نُحَاوِلُ الإِفْلاتَ وَ كاَنتْ شُجَيْراتُ الوَردِ تَحْمِيْنا.
كانَ الشَوْقُ لِمُلاقَاةِ الَملِكِ يُعَزِيْنَا, وَ كُنَّا نَرْسِمُ في مُخَيِلَتِنَا صُورَةً لوَجْهِ المَلِكِ الشَابِ.
كَبِرْنَا.. لَكِنَّ قِصَّةَ القَصْرِ والمَلِكِ كَادَتْ تَأكُلُ عُقُولَنا.
تَسَلَلْتُ خِفْيَةً في اللَيْلِ, وَ الجَمِيْعُ نِيّامٌ. خَرَجْتُ أبْحَثُ عَنْ ذَلِكَ القَصْرِ وَ مَلِكِهِ الشَاب.
وَ قَدْ قِيْلَ لِي أنَّ الطَريْقَ إلى القَصْرِ وَعِرَةٌ وَطَوِيلَةٌ.
كانَ الصَمْتُ لُغَةَ ذاكَ المَكَان, خَلَعْتُ حِذائِي كي لا أوقِظَ الحُرَّاسَ,
وَ رِحْتُ أختَبئَ بَيْنَ شُجَيراتِ الوَرْدِ وَ كانَتِ رائِحَةُ المَكانِ عَطِرَةً جِدَّاً.
وَ لا أدْري كَيْفَ لَمْ يَرانِيَ الحُرَّاسُ.
كُنْتُ أرَدِدُ كَما عَوَدَتْنِيَ جَدَتِي, "بأنَّ عَلَيْكَ يارَبُ أنا تَوَكَلتُ",
حَتَى وَصَلْتُ بَابَ القَصْرِ...
وَلَمْ يَكُن آنَذاكَ يَحِسِّهُ سِوَى اللّيلُ وَ خُيوطُ أوّلِ النَهارِ.
دَخَلْتُ, وَ كانَ النُورُ سَاطِعَاً كَأنَّ الشمْسَ قَدْ أشْرَقَت في الدَاخلِ بينَما في الخارِجِ كانَتِ العَتْمَةُ تَلُفُّ المكَانَ.
انْتَظْرتُ بَعضَ دَقَائِقَ, لَكِن لَمْ يَخْرُج أحَدٌ لِرُؤيَتي..
أيْنَ يا تْرَى ذَلِكَ المَلِكُ الشَابُ؟..
هَلْ كانُوا يَضحكُون َ عَلَيْنا كي نَنَام؟..
تَأمَلْتُ الَمَكَانَ جَيِّداً, وَلاحَتْ فجأةً أمامَ عَيْنَي صُورَةٌ لا بُدَّ أنَّها صُورَةُ
المَلِكِ الشَابِ,
يَحْمِلُ قَصْبَةً وَعلى جَبِيْنِهِ إكلِيلٌ مِنَ الشّوْكِ وَعَلى كَتِفِهِ أُلْقِيَ رِدَاءٌ أورجُوانيٌ وَكَأنّ وُرودُ الَحَدِيْقَةِ قَدْ أعَارَتْهُ وُرَيْقَاتِها كي تَسْتُرَ جَسَدَهُ المُتَألِمْ.
جَثَوْتُ أمَامَ مَلِكِ المَجْدِ.
كَيْفَ تَسَلَلَ الغُرَباءُ إلى القَصْرِ؟..
كَيْفَ أثْقَلَ النَوْمُ جُفُونَ الحُرَّاسِ؟..
كَيْفَ تَسَلَقَتَ الأشْواكُ هامَتَهُ وَ اسْتَرَاحَت على جَبينِهِ؟..
كَيْفَ هَجَركَ أحِبَائُكَ؟..
أيْنَ القَنَاديْلُ التي كَانَتْ تَشِعُّ في القَصْرِ؟..
يَكَادُ الرَيْتُ يَنْفَذُ وَ القَنَادِيْلُ ضَوئُها يَخْبُو!..
أَيُعْقَلْ؟ أنْ يَسْتَحِيْلَ هَذا القَصْرُ قَبْرَاً؟..
أَيُعْقَلْ؟ أنْ يُخْتَمَ على مَلِكِ الحَياةِ باخْتِيَارِه؟..
كَيْفْ؟..
وَأنا الذي كُنْتُ أتُوقُ لِرُؤيةِ الحَيَاةِ, أرى الآنَ مانِحَ الحَيَاةَ عَادِمَ النَسْمَة!
كَيْفْ؟..
وَ أنا الذي كُنْتُ أتُوقُ لِشُرْبِ كَأسَ الحَيَاةِ مَعَهُ, أراَهُ وَ قَدْ تَجَرَّعَ مَرَارَةً وَ خَلَّاً!
انْهَضْ يامَلِكي.. مَّزِّقْ جَوْفَ الجَحِيْمِ, انْهَضْ كَيْ أتَعَظَمَ بِكَ.
انْهَضْ! كَيْ يَتَفَتَحَ الوردُ وَ يُزْهِرَ اليَاسَمِين على شُرُفُاتِ النُّفوسِ.
انْهَضْ! وَ اسْبُقْ الصُبْحَ وَ أشْرِقْ علَيْنا يا شَمْسَ الحَيَاةِ..
انْهَضْ يامَلِكي وَ رَجائي.. وَ افْتَحْ لنا أبوبَ الفِرْدَوْسِ.
انهَضْ يا سَيِّدي وَ حُبِّي.. انْهَضْ يا نُورَاً بَهِيَاً.
انْهَضْ! فَفي نَفْسْي تَوْقٌ للحَدِيْثِ إلَيْكَ, للسَيْرِ مَعَكَ, تُحْيِيْكَ لنا الوُرُودُ رِدَاءً وَ نَخْتَبِئُ بيْنَ كُرُومِ العِنَب.
قِيْلَ لي: أنَّ كَرْمَتَكَ لَذِيذَةٌ وأنَّ نَبِيْذَكَ طَيِّبٌ وأنّ كَلاَمَكَ أحْلى مِنَ العَسَلْ.
سَيِّدِي وَ مَوْلاي!.. جِئْتُ لأسْتمِعُ لِلَحْنِ الحَيَاة.
لحْنٌ لا يُجِيْدُ عَزْفَهُ سِوَاكَ, لَحْنٌ تَعْزِفُهُ على عوْدِكَ.
سأحمِلُ عودِي أنا أيْضاً لِنَعْزِفَ سَوِيَاً وَ نَسْهَرَ حَتى الصَباح.
لَكِنَني سَأتْرُكَ أنامِلَكَ اليَومَ تَعزْفُ هذا اللَحْنَ على أوْتَارِ قَلْبي.
انهَضْ يا سَيِّدي.. يَكَادُ الُصُبْحُ أن يَطْلَع.
نَهَضْتُ..
قَبَلْتُ جَبِيْنَ الحَيَاة..
وَ أنا على مَوْعِدٍ مَعَهُ في كَرْمِ العِنَب مَعَ إطْلالةِ فَجْرٍ جَدِيْد.
-تمّتْ-
[line]-[/line]
تنبيه
اتضح لنا في 21 آذار 2009
أن صاحبة هذا التأمل هي الأخت
رولا كنهوش
نرجوا التوجه بالشكر والثناء لشخصها الكريم
وليس لنا كوننا كل ما أردناه للأخوة رواد الشبكة هو إشراكهم في هذا التأمل الطيب, فحين تمّ نشره عام 2008 جَهلنا صاحب القلم الذي خطّه.
[line]-[/line]
بســــــــــــ إلى الرّب نطلب ــــلام
المصدر: إذاعة من الإيذاعات الأورثوذكسية ترسل ذبذباتها الرقمية عبر بروتوكولات الشبكة العنكبوتية
ولا أذكر الآن أي منها, أرَجّح مذياع البشارة
الكاتب: انظر التنويه أعلاه!
المذيع: مجهول
تاريخ البث: ظهيرة أحد أيام عيد الفصح منذ عامِ أو إثنين
مصدر آخر: التسجيل الرقمي محفوظ في القرص الصلب ضمن الحاسوب المكتبي الصغير في البيت
تحرير النص: عبداالله الفقير إلى رحمته
مدة التحرير: تقريباً اسبوع.. سطرين أو ثلاثة أسطر كل يوم
أتمنى للقارئ و للسائل الفائدة الجمّة
وأن لاتزهق "معرفة مصدر الكلمات" رونق تلك التأملات وروح المحاكات الطيبة مع الرّب .
(صفط مقدّس من"راحة حلقوم" علاج وقائي- ماركة مسجلة منذ أكثر من ألفي عام - مخصص لشفاء الروح ذات الأجنحة المتحطمة)
يــــــــــــ ارحم ــــــــــــارب
[line]-[/line]
تعديل 21 آذار 2009
المَجدُ لَكَ يَامُظْهِرَ النّورْ
... مَجاناً أخذتُم مَجاناً اعْطوا...
إطْلالَةٌ مُبَاركَةٌ أُخْتنَا بالرّب رولا كانهوش
وَأيضاً لقد سُرِرْتُ بَعدَ انتِظارٍ طَويلٍ بغِبطَةِ مَعْرفةِ صاحب ذلك الفكر وَ وَكِيْل تِلْكَ الوَزْنَات السماوية المُقَدّسَة اللتي مَنّ الإله عليك بها. كَما أتَضرَعُ له أنْ يُديمها لكِ ويفيضُ عَليكِ من لُدنهِ أضعافاً مُضاععفةً من وزناته.
حاضِرْ أختي لَقدْ تَمّ -حسب رغبتك- إضافة اسمك في المشاركة الأصل ونُسِبَ التأمُل لقلمك, كما أدعوا الأخوة توجيه الثناء والدعاء لشخصكِ الكريم.
أسألك رّبّي
يا كلمة الله الابن الوحيد
أن تتحنن عليّ وتَجْعلَ من عَبدك الفقير هذا معَ خاصِيته
خدامَاً لهَيكَلَك المقَدّس
قاطعينَ باستقامة كلمة حقك.
يا شفيعة المسيحيين غير المخذولة, المتوسطة لدى الخالق غير المردودة, لا تعرضي عن أصوات طلباتنا نحن الخطأة, بل تداركينا بالمعونة بما أنك صالحة نحن الصارخين نحوك:
هَـلِــــــــلـُــويــَـا

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات