يا لدهشتي بالأرثوذكسية.....
نُقدِّم هنا اختباراً للرئيس العام لتحرير موسوعة Ancient Christian Commentary on Scripture Series: Thomas C. Oden عن تعرُّفه على الأرثوذكسية ودراسته لآباء الكنيسة القديسين القدامى. عن كتابه:
The Rebirth of Orthodoxy, (Harper Collins, 2003).
المسيحية القديمة تعتمد، لا على آراء الأفراد الشخصية، بل على كيف يصوغ الإجماع القديم للكنيسة الحياة اليومية الخاصة للفرد. وقصتي هي شهادة حيَّة على كيف يمكن أن تنقلب حياة شخص من أساسها إذا تقابل مع قديسي المسيحية الكلاسيكية القديمة.
فبعد دراساتي التمهيدية للدكتوراه في جامعة ييل، درَّستُ في معهدين للاَّهوت. وبالرغم من أني كنت أظن أني أُدرِّس علم اللاهوت، إلاَّ أن قلبي كان يُركِّز رؤيته على الأفكار الراديكالية للتغيُّر الاجتماعي وعلى المحاولات الصارخة لتسييس رسالة الكنيسة (أي انغماسها في السياسة). وكنت بدون نقد ذاتي أحاول أن أتلاءم مع حركة التحديث هذه التي تدَّعي أنها بمثابة صوتٍ نبويٍّ للعالم، ولكني لم أكتشف مدى القيد الذي وقعت فيه حركة التحديث تحت عبودية ادِّعاءات الحركة الإنسانية العلمانية.
أما الانقلاب في حياتي فقد حدث حينما أخبرني مرشدي اليهودي في البحث الذي كنت أعمله، وهو شخصٌ ودود لكنه انفعالي، بأني سأظل أُمِّيّاً لاهوتياً إلى أن أدرس بعمق أثناسيوس، وأمبروسيوس، وباسيليوس، وكيرلس الإسكندري.
وبصوته الأجش المعتاد، قال لي:
- ”يا تـوم، أنت لم تلتقِ بعد مع العقول العظيمة لتقليد مسيحيتك. فأنا بعد أيام الشيوعية، وجدتُ أنه يتحتَّم عليَّ أن أقرأ التلمود والمِدْراش بعمق (وهما الكتابان التقليديان لليهودية اللذان يحويان أقوال وتعاليم المعلِّمين اليهود القدامى)، وذلك لأكتشف مَن أنا كيهودي. وأنت لابد أن تجلس تحت أقدام الكُتَّاب المسيحيين القدامى، لتكتشف هويَّتك كرجل الإيمان المسيحي. وبدون أساس من النصوص الآبائية سوف تتوه في ظنك أنك قد وصلتَ. فإن كنتَ تنوي أن تتعمَّق لتصير عالماً لاهوتياً حقيقياً وليس مجرد مُحيطاً بعلوم اللاهوت، فلابـد أن تقرأ نصوص هؤلاء الرجال“.
فذُهِلتُ من كلامه، مما جعلني ألتزم بنصيحته. وحالما بدأتُ أتصفَّح وأدرس هذه النصوص الجميلة للمسيحية الكلاسيكية القديمة، بدأتُ أخرج من متاهة العلمانية، لأتمتع بأسرار الإيمان المقدسة، وأسترجع معضلات الوجود الإنساني. وبدلاً من أن أُفسِّر النصوص الآبائية، وجدتُ النصوص تُفسِّرني أنا!
لقد أعفَتْني النصوص الآبائية من أن أسأل جمًّا من الأسئلة: كيف يمكن أن يصير الله إنساناً حقاً دون أن يتوقف عن كونه الله؟ كيف يمكن للحرية الإنسانية، التي تشوَّهت هكذا بتاريخ الخطية، أن تُفتَدَى على الصليب؟ إن كـان الله كلِّي القدرة وكلِّي الصلاح، فكيف يسمح للخطية أن تمسك هكذا بتلابيب التطوُّر الإنساني الاجتماعي؟
وكل سؤال كنتُ أظن أنه جديد، كنتُ أجد أنه قد أُجيب عنه. كنتُ على عتبة الدخول في حكمة الأجيال التي في كنيسة الإيمان القديمة، التي اكتشفت أنها ما زالت حية، وهي جماعة قائمة. ها أنا الآن أقف في داخل الحضرة المباركة لشركة القديسين في كل الأجيال.
ولكن ما الذي غيَّر مجرى حياتي؟ الانتباه لنصوص الكتاب المقدس، وعلى الأخص ما فُسِّر منها بواسطة إجماع المفسِّرين: أثناسيوس، وباسيليوس، وغريغوريوس النزينزي، وذهبي الفم (في الشرق)؛ وأمبروسيوس، وجيروم، وأوغسطينوس، وغريغوريوس الكبير (في الغرب).
وفي عام 1972، قرأت المجلد الرابع عشر من مجموعة آباء نيقية وما بعد نيقية: Nicene and Post-Nicene Fathers في أيام قليلة وبتركيز شديد. إنه تقرير مُبسَّط بلا تزويق للقوانين الكنسية، بما فيها الأحكام الرعوية، وليس فقط الإعلانات العقائدية، الواردة في المجامع المسكونية وتلك المكانية التي صبَّت في النهاية في المجامع المسكونية العامة للألف سنة الأولى من المسيحية. ومنذ ذلك الوقت لم أكن كما كنت قبلاً. فقد أثَّرت هذه القراءة بالنسبة لكل شيء يمسُّ عملي باعتباري مدرِّساً للاَّهوت، وكاتباً ورئيس تحرير، بقية أيام حياتي.
لقد سألتُ، فوَجَدَتْني الحكمة القديمة!

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس


المفضلات