بعض الناس يتصوّر أنّ الأرض وما فيها يتحرّك وفقاً لنواميسه الخاصة وأنّ الله لا يتدخّل في ما يجري إلاّ، لماماً، بصورة عجائبيّة، كَمِن الخارج. بصورة عامة، الأرض متروكة لمَن فيها ولما فيها.
أما عندنا فالله هو الضابط الكل. إذاً كل شيء يتحرّك وفقاً لمقاصد الله. نعمة الله منبثّة في الأرض بحيث لا شيء ولا أحد يتحرّك من ذاته أو على نحو عشوائي. وراء الخليقة خالق مدبِّر ووراء حركة المخلوقات ضابط ميسِّر. وطالما الله ضابطٌ الكل، فالكل، حتى أبسط التفاصيل، مشتمَل بقوّة الله. لا فقط ما هو منسجم وقصدِ الله بل ما هو مخالف لمقاصد الله خاضع ومسيَّر أيضاً بفكر الله. لا الخير وحده يخدم تدبير الله بل الشرّ، أيضاً، بحكمة الله، يخدم هذا التدبير، لا عن قصد من الأشرار ولا بقوّة منهم بل رغماً عنهم وبطرق وحده الله عارف بها واقتدار. لذا أضحى الموت، بنعمة الله، مولِّداً للقيامة. أفرعت الخطيئة المتعة والمتعة الألم والألم التوبة والتوبة الخلاص. من بطون الخطيئة أخرج الله القدّيسين ومن الغثّ الثمين. "من قِبَل الربّ كان هذا وهو عجيب في أعيننا".
الله يعين في كل أمر لأنّ "كل شيء يعمل معاً للخير للذين يحبّون الله". محبّة الله في الأكباد تنمو. تبدأ طفيلية. وهي مزروعة، بدءاً، في ناموس الطبيعة عينه. الخليقة تعرف خالقها لأنّ فكره فيها. إذاً هي مائلة إليه بالفطرة. لا ترتاح ولا تستقرّ إلاّ لديه. تبقى في اضطراب حتى تدخل في نطاقه. هنا تلقى مستهَلَّ مسير الإنسان إلى محبّة الله. غصّةٌ في القلب على فقير. قَرصَةٌ على نملة تعرج. وجعُ نَفْسِ على شجرة يابسة. حسرة على نَفْس تتألّم. انقباض الحشا على ظلم يحدث. انتشاءٌ بحقّ يُعلى. شهوة الحقّ. رَفْضٌ، في العمق، للباطل والكذب. كل هذا من ناموس الطبيعة إن لم يَفْسُدْ. وكل هذا من رائحة محبّة الله فينا. هذا أول الطريق إلى حضن الله. الإقامة في استقامة ناموس الطبيعة، ولو النسبيّة، يشدّ المرءَ، عفواً، إلى ربّه ويستدعي نعمة الله عليه. كذا تكبر المحبّة، محبّة الله، في الأكباد لأنّ الله كلَّمنا، في الأيام الأخيرة، في ذروة الأيام، في ابنه "الذي جعله وارثاً لكل شيء الذي به أيضاً عمل العالمين" (عب 1: 2). الله يُعين لأنّه ليس، عن عبث، خلق العالمين ولأنّ الخليقة، من دونه، لا تستطيع شيئاً. يُعين مَن يقيمون في استقامة ناموس الطبيعة ويُعين المنحرفين أيضاً. أولئك يميلون إليه طبعاً وهؤلاء يستميلهم إليه بالتوبة. والتوبة تأتي من وجع وفراغ. إذاً هو لا يترك أحداً. كل نفس لديه إسرائيلُ في الروح، يدنيها منه إنْ سلكتْ في الأمانة ويَدَعُ خطيئتها تؤدّبها إنْ شردتْ عنه. في كِلا الحالَين يبقى القدير حاضناً لابنه الشاطر. وكل ابن انشطر، لا محالة، عن أبيه قليلاً أو كثيراً. الأمانة الكاملة لناموس الطبيعة لمّا تَعُدْ واقعاً، في الوجدان، إذ "الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله" (رو 3: 23). على أن ما تبقّى من استقامة في النفس يساعد وينفي لزوم الألم أو حدّته.
المهم أن ندرك أنّه ليس أحدٌ منسيّاً. الله حاضر وفاعل في أدنى التفاصيل في حياتنا. "أعين الكل إيّاك تترجّى وأنت تعطيهم طعامهم في حينه". "تأمّلوا الغربان إنّها لا تزرع ولا تحصد وليس لها مُخْدَع والله يقيتها. كم أنتم بالحري أفضل من الطيور" (لو 12: 24). أنت لا تملك على ما تعمل ولا على ما تفكّر فيه. أنت لا تعرف إلى أين يمكن أن يفضي بك هذا وذاك. وحده الله يملك ويعرف. فقط بإمكانك أن توقن أنّ ثمرة ما تأتيه تؤول إلى خيرك من جهة الله. شيمتك، فقط، أن تقبل وأن ترضى بما يأتي عليك كَمِن الله. أتاك ما تعتبره خيراً لك؟ اشكر الله عليه وسَلْه أن يعينك لكي يكون كذلك حقّاً في عينه هو أولاً. على أنّ معيارك، بالأحرى، في ما يحدث لك، هو أن تقبل الصليب، أن تقبل النير، أن تقبل الألم بصمت، بشكر، بلا تذمّر. فقط صلِّ أن يُعطى لك الرضى. لا همّ إن لم تفهم. ليس لك، في كل حال، أن تفهم. فقط أن تقبل، أن تُسْلِم نفسك إلى ربّك واثقاً بأحكامه وتدابيره. خيرٌ لك، أحياناً، أن تفشل من أن تنجح. الفشل، إن عرفتَ، مدخلٌ إلى الصبر، إلى تواضع القلب، إلى التسليم لله، إلى الحبّ. هذه وغيرها، من ثمار الروح، هي النجاح الحقّ. وخيرٌ لك، أحياناً، أن تتألّم من أن تصيب متعة. الألم، إن عرفتَ، يعيدك إلى نفسك، إلى أصالتك، إلى حجمك الحقّ. هو سبيلك إلى الدمعة، إلى التوبة، إلى التنقية. أحياناً يعينك ربّك بالفرح وأحياناً بالحزن، بالعطاء حيناً وبالإمساك حيناً آخر. هذا يكتمل بذاك وذاك بهذا. لا تعرف قيمة العطاء، عطاء ربّك لك، إلاّ بالحرمان ولا الفرح إلاّ بالحزن. كل شيء في حياتنا يُعرَف قياساً بخلافه. لو كنت تفرح أبداً لكنت تبطر وتفسد ولو كنت تحزن لكنت تيأس وتموت. حُسْنُ الميزان بين الأمور من حكمة ربّك وحده. يزيد ربُّك من هذا ويُنقص من ذاك لأنّه يروم لك المنفعة. أنت لا تعرف كيف يحدث لك هذا وذاك. اكتفِ بأن تعرف أنّه ليس شيء بلا معنى وليس أمرٌ عشوائياً. ما لم تكن عينك هناك فلا يمكنك أن تُحسِن التعاطي وما هو ههنا. ما هو ههنا أداة لما هو هناك. الحياة الحقّ هناك لا هنا. هنا أنت في عبور، كَفِي حلم. أنت وكل ما يجري لك وما يدور في خِلْدِك مَرْكَب يسير ليرسو في المرفأ هناك.
عناية ربّك بك كاملة لا لَبْس فيها. يمتدّ إليك وأنت لا تحسّ بها. فقط متى نَمَتْ حضرتُه فيك وملأ وعيَك أدركت أنّه يشتملك من كل صوب. من اليمين ومن اليسار. من فوق ومن تحت. من الداخل ومن الخارج. عرفت معنى ما قاله مرنّم المزمور: "رحمتك يا ربّ تتبعني جميع أيّام حياتي". وأيضاً "إنّي ولو سلكت في وسط ظلال الموت لست أخشى شرّاً لأنّك أنت معي. عصاك وعكازك هما قد عزّياني". بإمكانك أن تقاوم الله؟ طبعاً! الله لا يأتيك قسْراً. يعطيك أن تصدّه إن أردتَ. حتى موقفه منك، في مثل هذه الحال، محبّة. فلأنّه قادر على أن يمحوَك من كتابه، وهو "الشّدَاي" القدير، فإنّ إبقاءه عليك رفق بك وعناية. يتركك لمسراك يؤدّبك. ليس الجحيم من صنع الله. إذا كانت الجنّة أن تكون في نعمة ربّك فالجحيم هو أن تكون بمنأى عن النعمة من جرّا عدم اقتبالك لها. فإن أدّبتك آلامُك وتأدّبتَ تَلْقَه في انتظارك سمّاحاً، وإنْ لم تَعُدْ وآثرت البعاد تكون قد ابتنيتَ جحيمك بنفسك.
في الإنجيل لِعَازَران، ولعازر الإسم معناه "الله أعان"، واحد مات وأقامه السيّد بعد أربعة أيّام (يو 11: 1 – 44) وآخر انتقل إلى حضن إبراهيم بعد مسكنة حتى الموت عاناها (لو 16: 20 – 25). الأول ردّه من النتن الكامل والثاني من الشقاء الكامل. أما الثاني فلازمَتْهُ النعمة على مدى حرمانه، ولما حان ميعاد إنصافه استقرّ في حضن إبي المؤمنين رمزاً للآب السماوي حتى نفطنَ إلى أنّ الحرمان الحقيقي هو من نعمة الله وأنّ النعمة تؤازرنا في كل أحوالنا. وأما الأول فلمّا يكنْ طعماً للموت ولو مات بل كان مرضه "لأجل مجد الله" (يو 11: 4)، صدًى للقول السيّدي "مَن آمن بي ولو مات فسيحيا" (يو 11: 25). إذاً دنيا وآخرة "الله معنا" معواناً، وإن كان الله معنا فمَن علينا؟ تبارَك اسمه إلى الدهر!
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما