·مقدمة بسيطة :
مبدأياً أنا أغلقت الموضوع مؤقتاً كي أعطى نفسي فرصة للرد ، الأمر الذي كان من المستحيل عمله في ظل سيل الرسائل من الإخوة ، و أنا طبعاً أقدّر هذا الموضوع و اختياري بالذات لطرح مثل هذه الأسئلة العقائدية المعقدة ، أنا أشكرهم على هذه الثقة و لكن لن أستطيع أن أعطي كل رسالة حقها في ظل هذا التزاحم ، لأني ما أريده هو نشر فكر موثق ، الأمر الذي يحتاج وقت و تأنِّ. و هو على هيئة رسالتين ، الأولى هي التي سأنشرها اليوم ، و التالية بعد يومين و فيها ترجمة لكتابات الآباء القديسين. و لكن قبل ذلك أرجو أن يحتفظ كل الإخوة بأسئلتهم لكي يطرحوها كلها بعد ذلك ، الأخ George the Great لديه رسالة قيمة و فيها نقاط خلاف و اتفاق و له حتى طلبات أخرى عن فتح موضوع كامل عن الكاثوليك ، و أيضاً نقطة اعتباري ( و لا أعرف صراحةً ما فائدة رأيي الشخصي ) البابا الحالي رجل مميز ، و نقاط أخرى كثيرة . لذلك أطلب منه أن يرجئها حتى أنتهي من النقطة الأولى.
هذا الأمر أقوم به انطلاقاً من إن الموضوع هو تساؤل موجه لشخصي ( كما هو العنوان) و بالتالي أنا لا أستطيع أن أوجد وقتاً كافياً لكل هذه التساؤلات و الرد عليها دفعة واحدة ، تحياتي لكل الأحباء
أخذ القرار اتجاه اعتبار شخص معين إنه مهرطق أو منشق أو غير ذلك مبنٍ على دراسة فكره أم اتهامه فقط دون الأخذ بالإعتبار حواره ؟
هذا السؤال لطالما سألته لنفسي ، فمثلاً هنا في مصر ، كنت بسبب انتمائي للكنيسة القبطية أعيش مجموعة ثوابت لا يمكن نقاشها ، و هي إن ديسقورس قديس معترف قام " الخلقيدونيون " بضربه و تكسير أسنانه ، و حاولوا إجبار المصريين على اتباع عقيدة نسطور.
هناك أيضاً إحدى أهم الثوابت التي بنى عليها اللاخلقيدونيين عقيدتهم ، و هي عدم الإتفاق على أي شيء إلا شيء واحد و هو أن البابا لاون الكبير هو " لاون الحاقد " كما يردد الأثيوبيون في إحدى صلواتهم. و بالطبع السبب هو طومس لاون الذي يعتبرونه طومس هرطوقي يردد عقيدة نسطوريوس.
هذه الثوابت يتنفسها الأقباط إلى اليوم. و أنا كنت واحداً منهم ، لكن طالما تساءلت ، ماذا قال هؤلاء الخلقيدونيون ؟ ما هي ثوابتهم ، و أصلاً ماذا قال طومس لاون؟ فوجئت إنه لا يوجد في الكنيسة القبطية بإكليروسها كاملاً مكملاً بأساتذة الكلية الإلكيريكية بالعباسية ، و الذين لطالما جلست و حاورتهم في الماضي ، لا يوجد فيهم واحد قرأ طومس البابا لاون ، و لا يوجد منهم من كلف نفسه و حاول قراءة التاريخ من مصادره. هنا اكتشفت شيء قبل أن أكتشف خطأ موقف الكنيسة القبطية، و هذا الشيء هو الخطأ فيما يُسمى الMethodology أو أسلوب البحث ، و ليس محتوى البحث.
فهذه المجموعات تقوقعت على آراء فردية بحتة ، و قدستها و ألهتها حتى بلغت بها قدسية و كمال الكتب المقدسة.
من هذا المنطلق كان اول خطوة لي ببساطة هو البحث السليم ، و هو ليس الإكتفاء بالتعليقات المبتورة و المنثورة هنا و هناك ، بل الإتيان بالنص نفسه و قراءته. هذا هو لب الحقيقة ، و لا ضير بعد ذلك من قراءة تعليقات و دراسات العلماء و المفكرين حول هذا النص. لكن لا أظن إنه من الحكمة أن يقرأ أي إنسان تفسير الكتاب المقدس دون قراءة الكتاب المقدس نفسه. و هذه كانت مأساة الشعوب التي تتقوقع عاطفياً حول ثوابتها دون أساس علمي .
لم تكن هذه هي إشكالية المجموعات القومية التي شكلت كنائسها المستقلة في مصر و الشام و أرمينيا . بل هي مشكلة ثقافة موجودة للأسف في اماكن منتشرة من ضمنها مجموعات التقويم القديم في اليونان مثلاً ، و الذين صدروا فكرهم " كحماة للأورثوذكسية " ضد الكنيسة الأم التي تمرغت في " الماسونية" كما يرون.
هذه المجموعات نستطيع أن نربط بينها كلها بخيط واحد و هو ببساطة : التخلف عن ركب الدراسة اللاهوتية ، فمعظمهم يفتقرون للدراسة الأكاديمية و كثيراً حتى المؤهل العالي . و هذا الكلام من واقع حواري معهم ، فأنا أعرف منهم الكثير رهباناً و أساقفة على صعيد شخصي و حاورتهم كثيراً و يوماً ما سأنشر الحوار.
·قضية الآخر و المسكونية:
ليست الإشكالية هنا في قضية "المؤهل" بل في قضية القدرة على صنع قرار غير مبني على بحث أمين و جاد و خالٍ من مفردات الكراهية " للآخر المحروم" . هذه النقطة جوهرية. أنا لي رأي في قضية النشاط المسكوني و تكلمت عنها كثيراً ، في نقطة وجود بابين ، أحدهما باب أمامي ، و آخر باب خلفي. الباب الأمامي هو باب فتح الحوار اللاهوتي بين أساتذة لاهوت و طرح الأبحاث ثم تقديمها للقيادات الكنسية لاعتمادها ، على نسق كثير من الوثائق في التاريخ الحديث. أما الباب الخلفي فهو ببساطة ما يحدث من تجاوزات فردية تسمح باختراق الأفكار و العقائد الغير أورثوذكسية و وصولها للرعية عن طريق الأنشطة التي يغلب عليها الطابع العاطفي كصلوات الوحدة و التي تحتوي بدورها على اعتراف بكيانات غير مقبولة إطلاقاً و لا يجوز الصلاة معها.
بين هذين البابين يقف تياران غير أورثوذكسيين إطلاقاً :
التيار اليساري الذي يقبل نظرية الفروع Branch Theory ، و التي تساوي بين كل الطوائف و أحياناً الأديان ، و تضعهم كلهم كأجزاء من حقيقة أكثر كمالاً تجمعهم كلهم ، و بالتالي تعطي حِلاً لكل الأفراد في الصلاة هنا و هناك . هذه النظرية التي رأيناها في حالات مثل فاسولا التي سبق و تطرقنا لموضوعها كثيراً.
الفريق الآخر هو فريق " أتباع التقويم القديم" المتمركز المتشتت في اليونان و بعض بلاد شرق أوروبا و الذي للأسف أسلوبه كان رومانسياً يخاطب العقول الضعيفة لدرجات متقدمة ، فوجدنا مفردات حتى الآباء القديسين لم يستخدموها ، ككلمة " كافر تعاد معموديته" و هي مكافئ لكلمة مهرطق ، فلا يوجد مهرطق مسيحي ، بل هناك مسيحي و هناك مهرطق ، فاتهام الكاثوليك بالهرطقة هو اعتبارهم بأنهم غير مسيحيين. و هذا أمر لم يقبله حتى الآباء الذين عاصروا مأساة الإنشقاق ، كما سنرى.
كلا الفريقين هم حيود عن الفكر الأورثوذكسي ، المبني في الأساس على القراءة اللاهوتية و ليس الإنفعال التكفيري.
·مشكلة المصادر
المصادر هي الطبقة التي تحتوي على النصوص نفسها ، و للأسف فإن معظمها لم يتم نقله للغة العربية ، في حين معظمها موجود بالإنجليزية ، سواء كان يونانياً ، او لاتينياً. و لهذا السبب فإن الإضطلاع على مشكلة لاهوتية كقضية الإنبثاق مثلاً ، يتطلب منا أن نعود لما قاله الآباء سواء اللاتين أو اليونان ، لكي نعرف ماذا قيل أصلاً ، الأمر الذي معه يبدأ الإنفعال العاطفي في التفسخ تدريجياً و ننتهي إلى بساطة " الحقيقة" و ليس نزاع التأويل.
·المشكلة تاريخية أم لاهوتية؟
هنا يتبادر التساؤل ، هل اعتبار شخص مهرطقاً ( أي غير مسيحي) مبني على : هذا فعل و آخر فعل .. أم هذا يفكر بطريقة ما و عقيدته كذا و كذا ؟
هذه النقطة لا يمكن طرحها على شكل مجموعة حوادث تاريخية ( كما فعل الأخل اطناسي) لأنه ما فائدة أن أقول على فرد معين إنه مخطئ دون أن أعرف ماذا يقول ، بل و أكثر من ذلك ، أعتبر من يحاول أن يحاور هو مخطئ.
فعلى سبيل المثال و ليس الحصر ، لما نشرت ورقة أو رسالة القديس مكسيموس المعترف و التي تبرئ الذهنية اللاتينية من غباء تكفيرهم ، بل و أيضاً تشرح قاعدة توضح مدى اتساع و عمق فكر الرجل بالمقارنة بعقول التكفيريين من زماننا المر ، كان الرد هو الإنطلاق نحو محاسبة البطريرك أثيناجوراس و فتح أمور لا علاقة لها بعقائد الكاثوليك ، و أقرب نقطة لها علاقة بالقديس مكسيموس هي إن القديس مكسيموس في زمانه لم يكن هناك نضج لعقيدة الفيليوك.
طبعاً و بلا أدنى شك مسألة الحكم على النضج و تطور العقيدة Doctrinal Development يحتاج لمجلدات و دراسات تبدأ أولا بنصوص الآباء اللاتين و المحفوظة في مجموعة Jaque Paul Migne المعروفة بالباترولوجيا لاتينا PL . و قام العالِم فيليب شاف بترجمتها إلى الألمانية ثم الإنجليزية في مجموعته الشهيرة NPNF و الموجودة كاملةً على موقع جامعة Calvin .
و لكن قبل ذلك ، فإني اعتبر كل من يقتصر قراءته على ما تسرب من هذه الكتابات من شذرات مبتورة مُفعّلة في سياق معين ، في الكتابات العربية ، فعليه أن يعيد التفكير ليس في قناعاته بل في ادواته في البحث.
يتبع ...

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات