الكنيسة المقدسة
يستحيل على من لا يحيا في الكنيسة أن يتكلم عنها، لأنها لا تدرك بالفكر المجرد، بل من خلال الحياة والعيش في كنفها. ولقد أطلق عليها ألقاب عديدة فهي "منزل الله" {1تيمو15:3}، "مدينة الله" {عبرا23:5}، "جسد الرب يسوع" {رو5:12}. تكلم عنها السيد المسيح فسماها "حظيرة" و"كرمة" و"شبكة"، وشبهها بحبة الخردل التي تنمو حتى تصبح شجرة كبيرة. كما يقال: إنها النمو الحاصل فينا بكلمة الله، "كلمة الله تنمو وتتكاثر" {أع24:12}. وقد قال العديد من الآباء: إنها "خميرة الحياة الجديدة الملقاة في العالم" {لو20:13}.
وحدة الكنيسة:
يدرك من يعيش في الكنيسة، أن الحياة فيها حياة في الحب الإلهي. فيها تتحقق وحدة المسيحيين على صورة وحدة الثالوث الأقدس {يو17}، وكل من ينضم إليها يشترك في الجسد الواحد. الكنيسة بهذا الشكل هي واحدة، وعندما نعلن "أؤمن بكنيسة واحدة" فنحن نعترف قبل كل شيء بوحدتها.
لماذا الكنيسة واحدة:
إنها واحدة لأنها مقدسة، وهي مقدسة لأن رأسها هو الواحد القدوس، وعندما نعترف في دستور الإيمان أن الكنيسة واحدة مقدسة، نؤكد على حقيقة الرباط القائم بين المؤمنين فيما بينهم من جهة، وبينهم وبين الله من جهة أخرى. إن الرباط مع المسيح الإله، يجعل الكنيسة مشتركة في قداسته. لقد أسس السيد المسيح الكنيسة، وهو حجر الزاوية فيها، لكنها لا تظهر بكل بهائها إلا يوم العنصرة عند انحدار الروح القدس على الجماعة المؤمنة. إن الرب يسوع يجمع أبناء الله في كنيسته الواحدة، أما الروح القدس فيقدسهم ويجعل لكل منهم طريقه الخاصة المميزة. من أجل هذه الوحدة، صلى الرب يسوع "لكي يكون الجميع واحداً كما أنت أيها الآب فيَّ وأنا فيك، حتى يكونوا واحداً فينا ويكونوا مكملين إلى واحد" {يو20:17}. يُشبّه الكتاب الكنيسة بعروس المسيح، وفيها تتوجه محبة الأبناء لأبيهم السماوي. فالكنيسة ملكوت المحبة، وصورة الثالوث الأقدس: "بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي، إن أحب بعضكم بعضاً" {يو35:13}. إن الكنيسة جسد حي، و لا يمكن لأي عضو فيها أن يحيا إلا وفق ناموس هذا الجسد، الذي هو المحبة. أما تجاوز المحبة فهو الخطيئة التي تجعل الإنسان خارج الجماعة، الأمر الذي لا يمكن العودة عنه إلا بالمصالحة مع الجماعة المؤمنة عن طريق التوبة.
علامات المحبة:
إن وحدة الكنيسة تتضح من خلال وحدة الإيمان، ووحدة الأسرار والصلاة، ومع وحدة التسلسل الكهنوتي والإدارة الكنسية. يقول القديس بولس: "يوجد جسد واحد وروح واحدة، كما أنكم دعيتم إلى رجاء واحد بدعوتكم، كما يوجد ربٌ واحدٌ وإيمانٌ واحدٌ ومعموديةٌ واحدةٌ وإلهٌ واحدٌ رب الجميع الذي هو فوق الجميع وما بين الجميع وفي جميعكم" {أف4:4}.
جامعية الكنيسة:
ترتبط الكنيسة بالكل، وتحفظ الإيمان وتعلنه للعالم. فهي ليست محدودة بأي شيء، لقد سلمها الرب يسوع رسالته لتنقلها إلى الجميع بلا استثناء، في كل زمان ومكان. هذه الكنيسة الجامعة تحمل الحقيقة المطلقة، لأن روح الحق أُرسل إليها لا إلى أشخاص أو مجموعات منعزلة: "أنا هو الطريق والحق والحياة" {يو6:14}، هذه الحقيقة هي المسيح، كما أن الروح القدس، هو روح الحق الذي يستقر في الكنيسة. فهي جسد المسيح، وهي شركة حية على صورة الثالوث الأقدس. لقد أعلنت هذه الكنيسة العقائد في مجامعها المسكونية، كما رفضت عدة مجامع معتبرة إياها كاذبة، فالحقيقة فيها ناجمة عن حضور ابن الله الوحيد: "ها أنا معكم كل الأيام والى إنقضاء الدهر آمين" {متى 20:28}. كل من عاش وفق تعاليم الكنيسة وتقاليدها التي تجسد حضور السيد المسيح ورسالته، كان من أبنائها. ومن خالفها، فصل ذاته عن الحياة الإلهية فيها. لقد اتخذت الكنيسة أحياناً قرارات بحق هؤلاء المخالفين فقطعت الشركة معهم، وعدَّتْ من يعلم تعاليم غريبة عن إيمانها، هرطوقياً. ومن خالف القوانين الكنسية والرسولية، منشقاً.
كنيسة رسولية:
لقد اختار الرب يسوع رسله وأرسلهم إلى البشارة، فكان أن:
1-وضعوا العهد الجديد أساس الحياة المسيحية الحقة.
2-أسسوا الكنائس في أماكن مختلفة، ووضعوا فيها بداية السلسلة الكهنوتية بعد أن أنعم الرب يسوع عليهم بهذه الوظيفة، وما زالت هذه السلاسل مترابطة حتى اليوم.
3-كانوا أمثلة في القداسة والسيرة الشريفة لجميع الناس.
الكنيسة الأرثوذكسية هي كنيسة رسولية، لأن كل ما يوجد فيها، من كتاب مقدس وتقاليد وحياة روحية، قد استلمته من السيد المسيح بواسطة الرسل الذين أرسلهم للكرازة: "كما أرسلتني إلى العالم هكذا أرسلتهم إلى العالم" {يو 18:17}. وكل من ينتمي إلى هذه الكنيسة، يحمل هذه الرسالة. فالجميع مدعوون، ليكونوا رسلاً وشهوداً في المجتمعات التي يعيشون فيها.
نظام الكنيسة:
حددت التقاليد والقوانين الكنسية، نظام الكنيسة المتبع الذي يبرز طبيعة الكنيسة ووحدتها وقداستها وجامعيتها ورسوليتها. وفيه نلاحظ بوضوح:
1-وحدة الكنيسة المحلية: "حيث يوجد المسيح هناك توجد الكنيسة"، من رسالة القديس إغناطيوس الإنطاكي إلى أهل سميرنا في القرن الأول الميلادي. فالسيد المسيح هو الرأس الواحد للكنيسة التي تشكل جسداً له والتي لا توجد بدونه. فحيث يوجد المسيح، توجد الكنيسة بملئها. وهو موجود وحاضر قبل كل شيء في الليتورجيا الإلهية التي أقامها بذاته في العشاء الأخير، في الخبز والخمر المحولين إلى جسد السيد ودمه، وهي تقام في محفل يرأسه الأسقف، على صورة العشاء نفسه الذي أقامه الرب يسوع لتلاميذه في العلية. إن السيد يحضر اليوم، كما حضر في ذلك الزمان، في الجماعة التي هي شعبه والتي يرأسها الأسقف الذي يشغل مكانه. هذه هي الكنيسة الجامعة في وحدتها المحلية. يشكل المسيحيون وحدة بالحياة، والشركة في قلب كل كنيسة محلية. هذه الوحدة تعني أنه على المؤمنين التعبير عن وحدتهم بالاشتراك في ليتورجيا واحدة أو افخارستيا واحدة، تحت رئاسة أسقف واحد. وهو ينتدب نواباً عنه، هم الكهنة، في رعاية الكنائس المختلفة.
2-الاستمرار في الزمان: لقد أقام الرسل خلفاء لهم، هم الأساقفة في الكنائس التي أسسوها. ومنذ ذلك الحين يشرطن الأساقفة خلفاء لهم، والكنيسة تستمر بهذا التسلسل الكهنوتي المتواصل غير المنقطع، فهي كنيسة رسولية متصلة.
3-وحدة الكنيسة في العالم اليوم: إن الأبرشية أو الوحدة الكنسية التي يرأسها الأسقف، تنتمي إلى الكنيسة المكانية. فاجتماع الأبرشيات في هذه الكنيسة يعبر عنه في اجتماع الأساقفة في المجمع المقدس، والذي يرأسه أسقف المدينة الكبرى تاريخياً فيها، وهو الذي يحمل لقب البطريرك أو رئيس الأساقفة في الكنائس الأرثوذكسية المستقلة. تتوافق حدود هذه الكنائس مع التقسيمات الإدارية القديمة، وتلتقي فيما بينها بالاعتراف المتبادل وبوحدة القوانين والأسرار، وتحتفظ للبطريركية المسكونية في القسطنطينية بالأولية في الكرامة بينها، وبهذا تصان وحدة الكنيسة في هذا العالم.
الكنيسة الأرثوذكسية والكنائس الأخرى:
لقد اتخذت بعض الكنائس خلال التاريخ، منحى خاصاً في إيمانها وتعليمها عن حقيقة المسيح المعلنة، والمحفوظة في الكنيسة بالروح القدس. وقد سبب هذا الأمر شرخاً في جسد المسيح، وافتراقاً عنه وبعداً، على الرغم من عدم رفض إمكان عمل النعمة، في هذه الكنائس المختلفة. لهذا لا تطالب الكنيسة الأرثوذكسية، بإعادة معمودية من يرغب بالانضمام إليها من هذه الكنائس المنشقة، بل هي تتعامل بالمحبة وتصلي من أجل البعيدين. فالقديس غريغوريوس اللاهوتي، يقول: "نحن لا نفتش عن الانتصار بل عن عودة الإخوة الذين نتألم لكوننا منفصلين عنهم".
الكنيسة الظافرة:
لا تقتصر الكنيسة على الأشخاص الذين يعيشون على الأرض ويجاهدون ضد الشر ويعملون من أجل خلاصهم، لكنها تضم أيضاً السيدة العذراء الفائقة القداسة والنبي يوحنا المعمدان والملائكة والرسل والأنبياء والشهداء والرعاة القديسين والأبرار، وجميع الذين تكللوا بالقداسة. وترفع أيقوناتهم في الكنائس، من أجل تذكيرنا بحضورهم وسط الجماعة المؤمنة. أما الراقدون بالرب، فيبقون أعضاء في الكنيسة مع انتظارهم يوم الدينونة الأخير.
القديسون:
لقد سمي المسيحيون في العهد الجديد بالقديسين، لاشتراكهم في حياة الواحد القدوس يسوع المسيح. أما من يُعرفون اليوم بالقديسين، فهم الذين بلغوا درجة الكمال، وتألقوا بالمجد في إظهارهم صورة الله ومثاله، برغم شعورهم الذاتي بأنهم في مقدمة الخطأة. إنهم يجتهدون من أجل التوبة والغفران، ولا يطالبون باستحقاقات بسبب أتعابهم. إنهم هياكل الروح القدس، لاتحادهم الدائم بالرب يسوع. وهم أيضاً أبناء حقيقيون لله، بحيث تأهلوا للتوبة والقداسة، مع تجاوزهم للذات وارتقائهم إلى العلاء، برغم العقبات العالمية المختلفة. أما أعدادهم فغير محدودة، وهم يبادرون لمساعدة المؤمنين لأنهم يحملون النور، نور المسيح، أي نور حبه الإلهي. إنهم يساعدون الجميع، بصلواتهم وتضرعاتهم. ومن خلال الاقتداء بهم والاشتراك معهم خاصة في خدمة الذبيحة الإلهية، نصبح أعضاء في الكنيسة جسد المسيح الواحد.
العذراء مريم:
تشارك السيدة العذراء في حياة الكنيسة، بما يفوق جميع القديسين. يسميها التقليد الشريف، والليتورجيا "المحامية عنا". وإذا كان السيد المسيح هو النعمة الغزيرة والمحبة الكاملة، فالسيدة العذراء هي التي تسمح لنا، بمساعدتها، بقبول النعمة وفق درجة تحملنا. لقد قبلت السيدة العذراء نعمة تفوق النعم الأخرى، فحملت الإله المتجسد ولم تحترق بناره المحرقة. وقد وجد الآباء صورتها في العليقة الملتهبة غير المحترقة، فهي تساعد في قبول النار الإلهية بلا أذية. لقد اتخذ الرب يسوع منها جسداً، وبها يقدم لنا هذا الجسد الممجد بنار ألوهيته. إننا نصبح، من خلال الاشتراك في هذا الجسد، أعضاء في جسد الرب يسوع، أي في الكنيسة.
النشرة العددين الخامس والسادس 2007
المفضلات