الكتاب المقدس والتقليد:
في الكنيسة الأولى لم يكن هناك فصل بين ما كان يحمله الآباء الرسل وتلاميذهم من بشارة شفهية حياتية (التسليم والتقليد) ، وبين ما سجّلوه منها كتابة فيما بعد بحسب الاحتياجات الرعائية للكنائس، بصيغة أناجيل ورسائل وأعمال رسل إلخ (الإنجيل) ،... فكل هذا مع أسفار العهد القديم كان محور تعليم وحياة الكنيسة التي كانت تتسلمه وتسلمه بأمانة بمعونة الروح القدس.
لزوم التقليد لمعرفة الأسفار الإلهية وعددها وقانونيتها:
كانت كرازة التلاميذ والرسل بالتسليم والتقليد، فلم يكتب أحد منهم إلا بعد ثلاثين عاماً من حلول الروح القدس؛ خلال هذه الفترة كان التقليد هو الأساس في الكرازة، فالكنيسة عاشت بدون إنجيل مكتوبِ ولكنها لم تعش يوما واحداً دون طقوس. فالبدع والهرطقات هي التي دعت التلاميذ للكتابة فسجل لنا التلاميذ والرسل الإنجيل بوحي من الروح القدس. وعندما حاول الهراطقة التلاعب بهذه الأسفار، حذفاً أو إضافة، حددت الكنيسة بلسان آبائها ومجامعها المحلية أسفار العهدين القديم والجديد القانونية معتمدةً في هذا على التسليم الذي عندها مكتوباً كان أم شفهياً .
فالكنيسة لم تعرف الكتاب المقدس إلا من خلال التقليد لذلك يقول القديس أغسطينوس " أما من جهتي فأنا لا أؤمن بالإنجيل إلا كما يوجهه سلطان الكنيسة ".[1]
يقول القديس سرابيون أسقف أنطاكية فى ما كتبه عن إنجيل بطرس (ك3ف3) :" لإننا أيها الإخوة نقبل كلاً من بطرس وسائر الرسل كرسل المسيح ، ولكننا نرفض بشدة الكتابات المنسوبة إلى الرسل زوراً عالمين أن مثل هذه لم تسلم إلينا "[2]
ويقول العلامة أوريجانوس " بالتقليد عرفت الأناجيل الأربعة أنها وحدها صحيحة "[3].
فالتقليد سلمنا الإنجيل المكتوب وكمَل لنا ما لم يكتب؛ ولم يسلمنا علماً فقط بل في التقليد والتسليم نتسلم روح الإنجيل وفكره ومفاهيمه والتطبيق العملي؛ كما رأيناه فى الآباء الذين سلمونا وتسلموا هم أيضاً من الأجداد. فمن أين أعرف أن انجيل متى ومرقس و لوقا و يوحنا ؟.
الكتاب المقدس يتطلب وجود تقليد معه :-
كما نلاحظ أيضاً أن كتابة الإنجيل لم تنه دور التقليد؛ فالإنجيل لم يُكتب فيه كل شئ ، ودليل ذلك قول معلمنا يوحنا الإنجيلي " وَأَشْيَاءُ أُخَرُ كَثِيرَةٌ صَنَعَهَا يَسُوعُ إِنْ كُتِبَتْ وَاحِدَةً وَاحِدَةً فَلَسْتُ أَظُنُّ أَنَّ الْعَالَمَ نَفْسَهُ يَسَعُ الْكُتُبَ الْمَكْتُوبَةَ. آمِينَ " (يو21 :25). " إِذْ كَانَ لِي كَثِيرٌ لأَكْتُبَ إِلَيْكُمْ، لَمْ أُرِدْ أَنْ يَكُونَ بِوَرَقٍ وَحِبْرٍ، لأَنِّي أَرْجُو أَنْ آتِيَ إِلَيْكُمْ وَأَتَكَلَّمَ فَماً لِفَمٍ، لِكَيْ يَكُونَ فَرَحُنَا كَامِلاً " (2يو1 :12)
وكذلك يقول معلمنا القديس بولس الرسول لتلميذه تيطس : " مِنْ أَجْلِ هَذَا تَرَكْتُكَ فِي كِرِيتَ لِكَيْ تُكَمِّلَ تَرْتِيبَ الأُمُورِ النَّاقِصَةِ، وَتُقِيمَ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ شُيُوخاً كَمَا أَوْصَيْتُكَ " (تي1 :5)
ويقول القديس كيرلس الكبير " لست أدعى أننى أقول شيئاً أفضل من الذى قاله أسلافنا أو أننى سوف أصيغ الأمور الروحية بشكل أحسن لأننا نجد كفايتنا فيما كتبه الآباء القديسون ، لأن من يقرر أن يتعرف بحكمة على الآباء و يستخدم كتاباتهم بالحرص الواجب فسوف يسكن النور الإلهى فى عقله " [4]
في التقليد أمور كثيرة لا توجد في الكتاب الإلهي ، والذى يحضّنا على التمسك بها الكتاب نفسه " فَاثْبُتُوا إِذاً أَيُّهَا الإِخْوَةُ وَتَمَسَّكُوا بِالتَّعَالِيمِ بالتقليدات الَّتِي تَعَلَّمْتُمُوهَا، سَوَاءٌ كَانَ بِالْكَلاَمِ أَمْ بِرِسَالَتِنَا " (2تس2 :15). القديس يوحنا الذهبي الفم يعلّق على هذا المقطع في تفسيره لهذه الرسالة فيقول " من هنا يتضح بأن الرسول بولس لم يُعطِ الكلّ كتابةً بل أعطى أشياء كثيرة بطريقة شفهية، والأشياء المكتوبة وغير المكتوبة هي مع بعضها قابلة للإيمان بها بحيث نعتبر أن تقليد الكنيسة مستحق للاعتقاد به"
وفي مكان آخر نجد أن معلمنا القديس بولس الرسول يمتدح الكورنثيين من أجل محافظتهم على التقليد " فأمدحكم أيها الأخوة على أنكم تتذكرون كل شيء لي وتحفظون التقليدات كما سلّمتها إليكم " ( 1كو11: 2 ) ، ويوصي تلميذه الأسقف تيموثاوس أن يحفظ الوديعة ( 1تي6: 20 ) .
القديس باسيليوس الكبير يوضح لنا ماهية هذه التقليدات فيقول " بعض العقائد والكرازات قد حُفظَ في الكنيسة كتابةً، والبعض الآخر عندنا إياه من تقليد الرسل إذ انتقل سرياً، والإثنان عندهما نفس المعطيات ونفس السلطة من اجل التقوى ... ... إذا حاولنا أن نحذف العوائد غير المكتوبة لنها ليست بذات أهمية لا ننتبه باننا نسيء إلى البشارة في أهم أركانها ونجعل الكرازة الإنجيلية إسماً لغير مسمّى . ثم يعطي أمثلة كثيرة على هذه التقليدات منها رسم إشارة الصليب والتوجه نحو الشرق حين الصلاة وكلمات استدعاء الروح القدس حين تحويل الخبز والخمر في سر الشكر ومباركة مياه المعمودية وزيت المسحة والمعمّد نفسه وتغطيس الإنسان على ثلاث مرات ... إلخ . القديس يوحنا الدمشقي يذكر أمثلة أخرى كرقاد والدة الإله وحضور الرسل في تلك اللحظة المجيدة ، وأوغسطينوس المغبوط يذكر عماد الأطفال ... إلخ
الكتاب المقدس استفاد من التقليد :-
يوجد مصدر واحد هو التسليم الذي عبّرت الأسفار المقدّسة الموجودة عن جزء أساسي ومهم منه، كما يشهد بهذا كتّاب هذه الأسفار " إِذْ كَانَ كَثِيرُونَ قَدْ أَخَذُوا بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ عِنْدَنَا. كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّاماً لِلْكَلِمَةِ. رَأَيْتُ أَنَا أَيْضاًإِذْ قَدْ تَتَبَّعْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأَوَّلِ بِتَدْقِيقٍ أَنْ أَكْتُبَ عَلَى التَّوَالِي إِلَيْكَ أَيُّهَا الْعَزِيزُ ثَاؤُفِيلُسُ. لِتَعْرِفَ صِحَّةَ الْكَلاَمِ الَّذِي عُلِّمْتَ بِهِ. " ( لو1:1-4 ). تلك الأمور المتيقّنة عند الكنيسة إذاً والمسلَّمة منذ البدء من الرسل ، والتي هي الأساس والمصدر هي ما نسميه بالتسليم. وبالطبع فبعد كتابة أسفار العهد الجديد صارت هذه أيضاً جزءاً مكتوباً من التسليم ذاته ولهذا لا يمكننا أن نكتفي بالكتاب المقدس وحده ، أو نعزله عن تسليم الكنيسة ككل، أو أن ننتزعه من إطار حياتها، وهي جسد المسيح وحاملة مواهب الروح القدس، فنغرّبه عنها لكي نفسّره مزاجياً مدّعين مساعدة الروح القدس لنا، ونحن إنما نعكس مفاهيم عقلنا المنتفخ المحدود وأهواءنا البشرية.
كذلك نجد معلمنا القديس يهوذا الرسول يذكر قصة دفن موسى ، وأن إبليس أراد أن يظهر جسده " وَأَمَّا مِيخَائِيلُ رَئِيسُ الْمَلاَئِكَةِ، فَلَمَّا خَاصَمَ إِبْلِيسَ مُحَاجّاً عَنْ جَسَدِ مُوسَى، لَمْ يَجْسُرْ أَنْ يُورِدَ حُكْمَ افْتِرَاءٍ، بَلْ قَالَ: «لِيَنْتَهِرْكَ الرَّبُّ» " (يه 9) هذه القصة لم تأت فى العهد القديم ، بل أخذها معلمنا القديس يهوذا من التقليد . كذلك نبؤه أخنوخ " وَتَنَبَّأَ عَنْ هَؤُلاَءِ أَيْضاً أَخْنُوخُ السَّابِعُ مِنْ آدَمَ قَائِلاً: «هُوَذَا قَدْ جَاءَ الرَّبُّ فِي رَبَوَاتِ قِدِّيسِيهِ لِيَصْنَعَ دَيْنُونَةً عَلَى الْجَمِيعِ، وَيُعَاقِبَ جَمِيعَ فُجَّارِهِمْ عَلَى جَمِيعِ أَعْمَالِ فُجُورِهِمُِ الَّتِي فَجَرُوا بِهَا، وَعَلَى جَمِيعِ الْكَلِمَاتِ الصَّعْبَةِ الَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا عَلَيْهِ خُطَاةٌ فُجَّارٌ»" (يه 14، 15)
كما جاء فى سفر الرؤيا عن مشورة بلعام وَلَكِنْ عِنْدِي عَلَيْكَ قَلِيلٌ: أَنَّ عِنْدَكَ هُنَاكَ قَوْماً مُتَمَسِّكِينَ بِتَعْلِيمِ بَلْعَامَ، الَّذِي كَانَ يُعَلِّمُ بَالاَقَ أَنْ يُلْقِيَ مَعْثَرَةً أَمَامَ بَنِي إِسْرَائِيلَ: أَنْ يَأْكُلُوا مَا ذُبِحَ لِلأَوْثَانِ، وَيَزْنُوا " (رؤ2 :14) ، وكذلك تعرف بولس الرسول على ينيس ويمبريس اللذين قاوما موسى " وَكَمَا قَاوَمَ يَنِّيسُ وَيَمْبِرِيسُ مُوسَى، كَذَلِكَ هَؤُلاَءِ ايْضاً يُقَاوِمُونَ الْحَقَّ. انَاسٌ فَاسِدَةٌ اذْهَانُهُمْ، وَمِنْ جِهَةِ الإِيمَانِ مَرْفُوضُونَ " (2تي3 :8) كل هذه الأحداث لم ترد فى العهد القديم بل أخذوها من التقليد الشفهي .
التقليد يساعدنا على فهم الكتاب المقدس بصورة صحيحة:-
التعليم القويم المحفوظ في التقليد ، العقائد المصاغة في المجامع المسكونية ، من خلالها نفهم الحقائق الإيمانية التى يعلنها الكتاب المقدس ، ولا يمكن إدراكها أو التعبير عنها بشرياً خصوصاً باعتمادنا المجرّد على عقلنا الفردي.
بالتفاسير الكثيرة لأسفار عديدة من الكتاب والتي حفظها التقليد عن آباء قديسين، بنوا معرفتهم لا على مهارة شخصية في التحليل والشرح، بل على تمثّلهم لتعاليم الكنيسة المتوارثة منذ البدء وعلى خبرة حياة روحية عميقة مع الله.
كان تقليد الكنيسة مرشدًا له فى دراسته للكتب المقدسة، إذ كان يبحث باجتهاد فى كتابات المعلمين القدامى ، كما شهد بنفسه وهو يعلن أنه قد تعلم عن لاهوت المسيح من المعلمين القديسين المُوحى لهم ومن الشهداء. وكان يعتبر أن المعنى السليم للآية هو المعنى الكنسى"[5][9].
كان اهتمام القديس أثناسيوس الأساسى هو الاحتكام إلى فكر الكنيسة، إلى "الإيمان" الذى أُعلن مرة وحُفظ بصدق . لقد استشهد الآريوسيون بمقاطع كثيرة من الكتاب ليقيموا الدليل على ما ناضلوا من أجله، وهو أن المخلص مخلوق. فى جواب القديس أثناسيوس كان الاحتكام إلى " قانون الإيمان " واضحًا فى قوله " لنصلح ، نحن الذين اقتنينا غاية الإيمان ، المعنى الصحيح لما فسروه بشكل خاطئ "[6][13]. وأكد القديس أثناسيوس أن الاستشهاد بفصول ومقاطع معزولة من الكتاب المقدس ، بعيدًا عن قصد الكتاب الإجمالى أمر مضلل. فغاية "الإيمان" أو "غاية" الكتاب هى الفحوى العقيدى الموجود بكثافة فى " قانون الإيمان " كما حفظته الكنيسة . إن القديس أثناسيوس عدّ " قانون الإيمان " المبدأ الأسمى للتفسير ، وعارض أفكار الهراطقة عن طريق الفكر الكنسى ، إذ يقول : "اعتقد إذن أن هذا هو قصد النص الكتابى ، وهو قصد كنسى تمامًا" [7][14]. على أن هذا القانون لم يكن أبدًا سلطة " غريبة " تُفرض على الكتاب المقدس ، فهو " البشارة الرسولية " نفسها المدونة باختصار فى أسفار العهد الجديد . وأشار القديس أثناسيوس إلى أن الكتاب المقدس نفسه هو "تقليد"، ولم يذكر أبدًا لفظة التقليد بصيغة الجمع فى نقاشه مع الآريوسيين [8][15]. - (إن جميع الذين اخترعوا الهرطقات الخبيثة, وإن كانوا يستشهدون بالأسفار المقدسة إلا أنهم لا يتمسكون بالآراء (التفاسير) التي سلمها القديسون بل يعتبرونها مجرد تقاليد للناس, ولذلك يضلون إذ لا يعرفونها بالحق ولا يدركون قوتها, ولهذا السبب يمدح بولس أهل كورنثوس لأن آراءهم كانت موافقة لآرائه (1كو2:11)) (رسالة فصحية6:2).
[1] - Contra epist Ma,ichae `uam V ca,t Fundamenti 6 عن القمص تادرس يعقوب ملطى – مقدمات فى علم الباترولوجى – 1984 – ص 87 .
[2]- يوسابيوس القيصرى - تاريخ الكنيسة - تعريب القمص مرقس داود – الطبعة الثالثة 1998 - 6 :12 :3 .ص 259 .
[3]- القمص تادرس يعقوب ملطى – مقدمات فى علم الباترولوجى – 1984 – ص 87
[4]-حوار حول الثالوث ج2
9 القمص تادرس يعقوب: الكنيسة القبطية الأرثوذكسية: كنيسة علم ولاهوت ـ كنيسة سبورتنج بالأسكندرية 1986 ص8.
13 القديس أثناسيوس : ضد الاريوسيين35:3.
14 القديس أثناسيوس : ضد الاريوسيين44:1.
15 -الأب جورج فلورفسكى : الكتاب المقدس والكنيسة والتقليد ـ وجهة نظر أرثوذكسية ـ نقله إلى العربية : الأب ميشال نجم ـ منشورات النور 1984ـ الفصل الخامس .

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات