التسليم (التقليد)
إعتمد المسيح في تأسيس الكنيسة على البشارة الشفهية التي كانت بالروح القدس: "وفيماهو مجتمع معهم أوصاهم ان لا يبرحوا من أورشليم بل ينتظروا موعد الآب الذي سمعتموه منّي ... لكنكم ستنالون قوّة متى حلّ الروح القدس عليكم وتكونون لي شهوداً في أورشليم وفي كل اليهودية والسامرة وإلى أقاصي الأرض" (أعمال 1: 4 – 8). ويقول بولس الرسول "وكلامي وكرازتي لم يكونا بكلام الحكمة الإنسانية المقتع بل ببرهان الروح والقوّة" (1 كورنثوس 2: 4).
يقول في إنجيل متى "دُفع إلي كل سلطان في السماء وعلى الأرض فاذهبوا وتلمذوا كل الأمم وعمدوهم باسم الآب والإبن والروح القدس" (متى 28: 19)، وفي إنجيل مرقس "اذهبوا في الأرض كلها وأعلنوا البشارة للخليقة كلها، فذهب أولئك يبشرون في كل مكان والرب يعينهم" (مرقس 16: 15 – 16).
تعطى البشارة بالتسليم، وللأسف تُستعمل في اللغة العربية كلمة تقليد بدلاً من تسليم وهي ترجمة غير دقيقة لكلمة Paradosis اليونانية التي تحمل المعنى الأساسي وهو التسليم. حيث يقول القديس بولس "فإنني سلّمت إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضاً أنّ المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب" (1 كور 15: 3)، "لأني تسلمت من الرب ما سلّمتكم أيضاً أنّ الرب يسوع في الليلة التي أُسلم فيها أخذ خبزاً" (1 كور 11: 23). ويقول القديس بولس "نوصيكم ايها الأخوة بإسم ربنا يسوع أن تتجنبوا كلّ أخ يسلك بلا ترتيب وليس حسب التسليم الذي تسلّمه منا" (2 تسالونيكي 3: 6).
على هذا المنوال تعيش الكنيسة وتحافظ الوديعة الصالحة بالروح القدس. هكذا كانت وتكون حياة أعضاء الكنيسة الحقيقية، تستلم وتسلّم، التسليم الشفهي، ومن ثم المكتوب، أي الرسائل والأناجيل وغيرها، والتي كُتبت لأسباب رعائية عندما لم يستطع الرسل ترك بعض الأماكن التي كانوا فيها.
ولا يسلَّم إلا من هو كفؤ لتعليم الآخرين والمحافظة على التسليم، "وما سمعته مني بشهود كثيرين أودعه أناساً أمناء يكونون أكفاء أن يعلموا آخرين أيضاً" (2 تيم 2: 2).
لكن ما هو التسليم؟ التسليم هو أسفار الكتاب المقدس، ودستور الإيمان، وقرارات المجامع المسكونية، وكتابات وتصرّفات الرسل والقديسين وآباء الكنيسة، "وما ما تعلمتموه وتسلّمتموه ورأيتموه فيّ فهذا افعلوا، وإله السلام يكون معكم" (فيليبي 4: 9). كما يعني أيضاً القوانين الكنسية والكتب اللوترجية والأيقونات المقدسة، أي كل ما عبرّت عنه الأرثوذكسية عبر العصور من عقيدة وتنظيم كنسي وعبادة وفن.
تلك هي العناصر الأساسية التي تكوِّن التسليم، ولا يمكن فصل هذه العناصر عن بعضها البعض لأن الروح القدس يتكلم من خلالها جميعاً. وهي تشكّل وحدة متكاملة ويُفهم العنصر منها في ضوء العناصر الأخرى.
فلا تعتمد الكنيسة الأرثوذكسية على الكتاب المقدس وحده بل على البشارة التي بشر بها الرسل وتسليمها للكنيسة منهم. والكنيسة الأرثوذكسية محافظة على ما أسسه الرب وبقيت حتى اليوم محافظة على ما تسلمته من الرسل. فرغم كل الإضطهادات والهرطقات والصعوبات، التي لا يمكن تصورها لمدة الفي سنة، لا تزال الكنيسة مستقيمة الرأي وحاملة الإيمان الأول بنقائه والحياة الأولى بنقائها. والمسيحي الأرثوذكسي يعتبر نفسه حارساً لهذا الإرث الكبير المتناقل ويدرك أن واجبه نقل هذا الإرث كاملاً إلى الأجيال المقبلة.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس

المفضلات