[frame="13 95"]
. ملكيصادق وابراهيم[1]
إنّ ملكيصادق هذا هو ملك وأيضًا كاهن لله العليّ، كما نرى في قوله "وأخرج ملكيصادق ملك شاليم خبزًا وخمرًا لأنّه كان كاهنًا لله العلي"[2]. فالملك كان عهد ذاك، في الشرق، يرمز إلى الألوهة وإلى السلطة المطلقة، وقد ذكر المزمور شليم، والتي ستدعى أورشليم "في شليم محلّته وصهيون مظلّته"[3]. وظهور ملكيصادق المفاجئ والغامض في الكتاب المقدّس يدلّ على السيّد المسيح، فإن رأينا قول اليهود في المسيح نجد التفسير الحقيقي لذلك. قد قال اليهود بأنّهم لا يعرفون من أين يأتي المسيح "أمّا المسيح فمتى جاء لا يعرف أحد من أين هو"[4]، ونطابق هذا مع قول بولس "لأنّ ملكيصادق هذا ملك شاليم كاهن الله العلي... ملك البر ثمّ أيضًا ملك شاليم، أي ملك السلام. بلا أب بلا أم بلا نسب لا بداءة أيام له ولا نهاية حياة، بل هو مشبّه بابن الله هذا يبقى كاهنًا إلى الأبد"[5]. من هنا نرى أيضًا أن العهد القديم قد سكت عن ذكر أبناء ملكيصادق وهذا السكوت يدلّ دلالة واضحة على قانونيّة كهنوت ملكيصادق وشرعيّته وقدمه، حتىّ أني أرى بأنّ كهنوت ملكيصادق قد يعود إلى عهد أنوش بن شيت الذي أخذ يدعو الناس ويجمعهم إلى الدعاء باسم الله[6]، وبالطبع كان تجمّع الدّاعين باسم الربّ يحتاج إلى مرشد، وكان أنوش أوّل كاهن بالمعنى الحصري، وهكذا أرى التسلسل الكهنوتي الذي أصبح فيما بعد كهنوتًا ملوكيًّا[7]. وهذا الكهنوت وصل إلى ملكيصادق الذي قدّم خبزًا وخمرًا عند ملاقاته لإبراهيم، بما أنّه كاهن، وإلاّ لما جاز له تقديم الخبز، هذا ما أظهره الكتاب المقدّس، إذ أعطى المبرّر لتقديم الخبز والخمر بقوله "لأنّه كان كاهنًا للعلي" وزاد قائلاً: "وبارك أبرام"[8]. فالبركة هي من اختصاص الكهنة[9]. قد رأى جميع الآباء بأنّ هذه التقدمة هي رمز للسرّ الإلهي العظيم الذي سيصنعه السيّد المسيح، يوم ظهوره بالجسد على الأرض، إذ يعطي تلاميذه والعالم أجمع جسده ودمه تحت شكليّ الخبز والخمر، ويرسم كهنوته الأبديّ في تلك الليلة العظيمة التي فيها أبدل عهد موسى والذبائح الحيوانيّة بذبيحة ذاته على الصليب بالجسد بنوع دمويّ ليكمل ما تنبّأ عنه الأنبياء، وبذلك قال بولس الرسول: "إنّما كان التغيّير في الوصية السابقة لضعفها وعدم نفعها، لأنّ الناموس لم يكمل شيئًا، فدخل بدله رجاء أفضل منه به نتقرّب إلى الله أثبته بالقسم"[10]، أي أنّ الكهنوت المسيحي قلّما يقسم على غرار الكهنوت الملكي صادوق القديم، الذي أراه يمتدّ من أنوش ابن شيت، ممّا يدلّ على تأصّل الكهنوت منذ البدء، حين لم يكن الإنسان قد عرف الله حقّ المعرفة، كما نرى في الكتاب المقدّس نفسه، وفي التاريخ. وكهنوت أنوش هذا، ولو لم يصرّح به الكتاب المقدّس، هو أساس وأصل لكهنوت ملكيصادق الذي حصل عليه بقسم "أقسم الربّ ولن يندم أن أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكيصادق"[11]، إذ لو لم يكن هناك كهنوت أو رسامة كهنوتيّة في الأصل وشرعيّة دائمة لما كان لهذا القسم من مبرّر. وعليه نرى بولس يكمل قائلاً: "أنّ الكهنوت اللاوي هو كهنوت مؤقت وغير دائم، لأنّ أولئك صاروا أحبارًا بغير قسم، أمّا هذا فبالقسم..."[12]. وهذا ظاهر بأنّ كهنوت هارون كان بالوصيّة، إذ قال الله لموسى: "... وتلبس ذلك هارون أخاك وبنيه معه وتمسحهم وتكرّس أيديهم وتقدّسهم ليكهنوا لي"[13]. فنرى أنّه سيأتي يوم فيه يضع الله حدًّا للكهنوت اللاوي ليقوم بدله الكهنوت الأبدي على حسب القسم. وهذا ما أفادنا به وشرحه لنا بولس الرسول في عبرانيّين 7 كلّه، ويرينا أيضًا أنّ الكهنوت الملكيصادقي مستمدّ من الله نفسه ليكون رمزًا لكهنوت المسيح الإله. وقد حدا ببعض الآباء القول: "بأنّ ابن الله نفسه قد ظهر في ملكيصادق"[14]. يظهر ملكيصادق هنا حبرًا عظيمًا للكهنة ويستوفي العشر من إبراهيم ومن سائر ذريته، كما يقول بولس: "إنّ لاوي الذي كان يأخذ العشور قد أدّى العشور بواسطة إبراهيم لأنّه كان بعد في صلب إبراهيم أبيه حين استقبله ملكيصادق"[15]. قد يعترض أحدهم قائلاً إنّ المسيح الذي هو من ذريّة إبراهيم[16] قد أدّى العشور بواسطة إبراهيم إلى ملكيصادق، إذ كان بعد في صُلب إبراهيم. فالجواب: إنّ المسيح الإله لم يولد من صلب إبراهيم على الإطلاق، ولم يولد بحسب الشهوة اللحميّة أو بقوّة الطبيعة الجسديّة، بل كانت ولادة المسيح بقوّة الروح القدس ولم يأخذ من إبراهيم إلاّ جوهر جسمه، أي المادة اللحميّة فقط فخطيئة آدم، ودفع العشور إنّما تلحق للذين يولّدون ولادة طبيعيّة بزواج طبيعي فقط، أمّا الذي يولد ولادة بطريقة مخالفة للطبيعة البشريّة، أي بدون زواج، فهذا لا تلصقه هذه كلّها...
قد ذهب الآباء أكثر من ذلك، فقد قال اكليمنضوس: "إنّ المسيح اتّخذ من إبراهيم الطبيعة البشريّة وحدها، بل بحسب اتحاد الطبيعة الإلهيّة بها". قال برنردوس بيكونيوس: "إنّ تأدية الكهنة هو لطلب صلوات وتضرّعات الكهنة لأجل خطايا الذين أدّوا هذه العشور وطلبًا لبركة الله عليهم". وهذا ما أفادنا به القدّيس أغسطينوس. ثمّ أنّ المسيح لم يكن بحاجة إلى كلّ ذلك، فهو الذي أتى ليغفر خطايانا ويهبنا بركته ونعمته "مغفورة خطاياك"[17]، "إني أتيت إلى الخراف الضّالة من آل إسرائيل"[18]، "أتيت لأبشّر المساكين وأشفي منكسري القلوب..."[19]. فتكون تأدية العشور إلى ملكيصادق طلبًا لبركة المسيح بواسطة ملكيصادق، وله ولأولاده، وهذا ما جعل بعض الآباء يظنون أنّ المسيح قد ظهر في ملكيصادق، لكنّ هذا بعيد...
4. أصل كهنوت ملكيصادق
إنّ كهنوت ملكيصادق، بحسب ما رأينا، مستمد من كهنوت قديم، هو كهنوت قديم، هو كهنوت أنوش، إذ يستحيل أنّ يكون هناك كاهن دون مسحة الكهنوت، وعليه فكهنوت ملكيصادق آتٍ من سلالة كهنوتيّة ملكيّة، وإلاّ لما جاز له تقديم الخبز والخمر. وبتأمّلنا جيّدًا قوله "وأخرج ملكيصادق خبزًا وخمرًا لأنّه كان كاهنًا للعلي"، هذا التقديم هو عهد مقدّس لا يجوز أن يخونه أحد، وعليه قد جعل ابن الله جسده ودمه عهدًا جديدًا لنا[20]. وبولس يجعل من يخون عهد المسيح الجديد بالخبز والخمر مجرمًا إلى جسد المسيح ودمه، وتصيبه دينونة عظمى في الآخرة، وأمراض وسقم وموت في هذه الحياة[21]...
إنّ عيد الخبز والخمر كان جاريًا بين أكثر قبائل الشرق، ولا سيّما الكنعانيّين والشعوب الساميّة الأخرى كما جرى بين يعقوب وحميه[22] حيث أكلوا طعامًا فوق كومة الحجارة ودعاها لابان "يجر سهدوتا" - الحجر الشاهد... ويعقوب دعاها باسم "جلعاد" أي: كومة الحجارة الشاهدة. وكذلك فعل يشوع وأقام عهدًا مع الجبعونيّين[23]...
هذه التقادم التي قدّمها ملكيصادق إنّما كانت تقدّم للإله العظيم، الذي كانوا يدعونه: إيل إيلون الله العالي أو إله الآلهة، الذي كان يراه ملكيصادق وإبراهيم على حدّ سواء الإله الواحد السرمدي الأزلي. والدور الذي قام به ملكيصادق هو دور الكهنوت المسيحي الذي يعمّ جميع الناس وجميع العائلات، فيما الكهنوت اللاوي، الذي رآه إبراهيم، فلا يشمل إلاّ عائلة واحدة هي عائلة لاوي، وهو كهنوت أدنى من كهنوت ملكيصادق الذي هو كهنوت المسيح. ويسعى الربانيّون في تأويلاتهم وتفاسيرهم إلى نسيان هذه الحادثة، فيما التفسير والتأويل المسيحي يذكره كمقدّمة لما سيفعله المسيح عند تجسّده لخلاص البشر...
[1] تكوين 14/18...
[2] تكوين 14/18.
[3] مزمور 75/3.
[4] يوحنّا 7/27.
[5] عبرانيّين 7/1-3.
[6] تكوين 4/26.
[7] 1 بطرس 2/9.
[8] تكوين 14/18.
[9] راجع تكوين 14/18 وعبرانيّين 6/20 و7/1-28.
[10] عبرانيّين 7/18-20.
[11] مزمور 109/4 وعبرانيّين 7/21.
[12] عبرانيّين 7/21.
[13] خروج 28/41 وأحبار 8 كلّه.
[14] راجع الحاشية على الفصل 14/18 من التكوين في التوراة الأورشليمية الفرنسية والطبعة الجديدة للعهد الجديد.
[15] عبرانيّين 7/9-10.
[16] متّى 1/1.
[17] متّى 9/2.
[18] متّى 15/24.
[19] لوقا 4/18.
[20] متّى 26/27-28 ومرقس 14/22-24 ولوقا 22/19-20.
[21] 1 قورنثس 11/23-35.
[22] 31/44-46.
[23] يشوع 9/3-18 ولا سيّما الأعداد 12 - 13 – 14.
[/frame]

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات