[frame="13 95"]

5. ملكيصادق وداود[1]
مارس داود، لمّا جلس على عرش أورشليم، سياسة تتوافق مع ما كان عليه الملوك السابقون، وعليه نرى المزمور 109 يقدّم لنا الملك الإسرائيلي كمكمّل للمملكة والسياسة الملكيصادقيتين، وقال في ذلك بما معناه: بما أنّك ملك أورشليم، وقد أقسمت بأنّ كل ملك في أورشليم يجب أن يسير سيرة ملكيصادق، إذن، فهو كاهن إلى الأبد وعلى رتبته، ويقوم بأعماله إلى أن يأتي ذلك السيّد الذي له الملك والحبريّة والكهنوت... راح إسرائيل ينتظر ذلك المخلّص الذي يجمع في شخصه الملك والحبريّة والكهنوت معًا، وقد صرّح كثير من الأنبياء أنّه في زمن مجيء المسيح ستجتمع السلطتان معًا "ها إنّها ستأتي أيام يقول الرّب... أنبت لداود نبتًا صديقًا الحكم والعدل في الأرض، في تلك الأيام يخلص يهوذا وتسكن أورشليم في الدعة..."[2]. وكذلك يصرخ زكريا في نبوءته[3]، ووعد إسرائيل وأورشليم بالملك الذي يأتي إلى أورشليم وديعًا على جحش ابن آتان[4]، لكنّ بعضهم يعزّي الملك والكهنوت معًا للكاهن الأعظم، وهذا كان فعلاً في عهد المكابيّين "نحن نقيمك كاهنًا أعظم وتسمّى ولي الملك..."[5]. رضي سمعان أن يكون كاهنًا أعظم ورئيسًا وقائد أمّة اليهود... هذا ما كان يرجوه الكتبة اليهود الذين كتبوا عهد الاثني عشر أبًا (سفر الأحبار). بينما هناك كثيرون بقوا محافظين على أمانة النبوءة والعهد الملكيصادقي، والتوجيهات التي أعلنها داود عن الملك الكاهن المخلّص الآتي الذي يجمع ويوحّد المملكة المطهّرة والكهنوت الشرعي إلى واحد، كما جاء في قول بولس: "وجعل من الاثنين واحدًا"[6]. وهذا ما سيتمّمه يسوع المسيح الملك والكاهن الأبديّ، على ما يرضي مجده الإلهي...
6. العائلة الكهنوتية
لنتوقّف قليلاً ونتأمّل بقول بولس الرسول: "لو كان بالكهنوت اللاوي الذي به وضع الناموس المشعّب فما الحاجة بعد إلى حبر آخر يقوم على شبه ملكيصادق، ولم يقل على شبه هارون. لأنّ كان التغيّير في الحبريّة كان التغيّير في الشريعة أيضًا"[7]. ونرى هنا أنّ الله قد فضّل ملكيصادق على آل لاوي، لأنّه لو كان الكهنوت اللاوي الذي جاء بالأمر لا بالرسامة، كما رأينا، أي بالعهد "كرّس يدي هارون وأيدي بنيه"[8]، لأنّ رسامة ملكيصادق مسيحانيّة، ممتدّة من الله إلى آدم، حيث قال الله: "لنصنع الإنسان على صورتنا كمثالنا"[9]، ولمّا خطئ آدم احتاج إلى من يستمدّ له البركة، ويكون مثالاً للكاهن الأعظم الإله الإنسان، إذ أنّ الله وعده بالمخلّص، لذلك رسم الله آدم كاهنًا، وهذا نستنجه من قوله تعالى "هوذا آدم صار كواحد منّا يعرف الخير والشرّ"[10]، وذلك بعد أن صنع لآدم وامرأته أقمصة من جلد[11]، ومن آدم إلى قايين البكر[12]، لكن لمّا خطئ وقتل أخاه هابيل حسدًا[13]، ومن بعده رسم آدم ابنه شيتا الذي هو على مثاله[14]، إذ اعتبره بعضهم بمنـزلة البكر بعد قايين[15]، وبذلك نرى أنّ آدم مخلوق على صورة الله، وشيت على صورة آدم وهكذا نرى التسلسل البشري والكهنوتي[16]، وشيت رسم أنوش، الذي ذكرنا. وفي ذلك قال آدم عند ولادة شيت: " قد أقام الله لي نسلاً آخر بدل هابيل"[17]، ولم يذكر نسله من قايين، وفي زمن آنوش تكاثر الناس أكثر ممّا كانوا عليه، وراح أنوش يجتمع بهم للدعاء باسم الله[18]، وأنوش رسم قينان[19]، وهكذا تسلسل هذا الكهنوت حتّى وصل إلى أخنوخ[20]...

[1] مزمور 109 أو 110/4.

[2] إرميا 33/14-22.

[3] فصول: 3، 4، 5، 6.

[4] زكريا 9/9.

[5] 1 مكابيّين 10/20 و14/41-49.

[6] أفسس 2/15.

[7] عبرانيّين 7/11-12.

[8] خروج 29/9.

[9] تكوين 1/26.

[10] تكوين 3/22.

[11] تكوين 3/22.

[12] تكوين 4/1.

[13] تكوين 4/1-8.

[14] تكوين 5/3.

[15] تكوين 5/3.

[16] تكوين 1/26-27 و5/1-2.

[17] تكوين 4/25.

[18] تكوين4/26.

[19] تكوين 5/9-12.

[20] تكوين 5/19-24.


[/frame]