[frame="13 95"]

7. ملكيصادق ويسوع[1]،
خلاصة البحث
إنّ يسوع الإنسان (الطبيعة البشريّة) متحدّر من آدم فإبراهيم وداود[2]، فنرى استنادًا إلى هذا، بحسب ما جاء في رسالة بولس إلى العبرانيّين أنّ يسوع الكاهن مارس رتبة الكهنوت الكامل، الذي لا علاقة له مع كهنوت لاوي، كما رأينا، فإنّ كهنوته يكمّل الكهنوت الملوكي لداود المسيحاني، خلفًا لملكيصادق[3]، إذ منذ التكوين نرى أنّ هذا الكاهن الملك يظهر كرئيس على الكهنوت اللاوي، لا بل أعلى منه، إذ أنّ نسل لاوي، بشخص إبراهيم، خضع لملكيصادق وأدّى له العشور عن كلّ شيء، ونال منه البركة[4]...
نرى، أيضًا، أنّ شخصيّة ملكيصادق، واسمه وجميع صفاته تبرز بعدّة نواح صفات يسوع. فقد ظهر ملكيصادق فجأة في الكتاب المقدّس "بدون بداءة أيام ولا نهاية"[5]، فهو هنا صورة سابقة للسيّد المسيح، كاهن أبديّ، واسمه ملكي-صادق الذي تفسيره: "ملكي هو محبّ العدالة"، فنرى قول الملاك للقدّيس يوسف، مفسّرًا له نبوءة أشعيا "لأنّ الذي حبل به هو من الروح القدس. فستلد ابنًا وتدعو اسمه يسوع (الله يخلّص) لأنّه يخلّص شعبه من خطاياهم ليتمّ ما قيل بالنبي (أشعيا): ها إنّ العذراء تحبل وتلد ابنًا ويدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره: الله معنا"[6]، ملك شاليم، الذي معناه ملك السلام أو كما يقال له بالسريانيّة: (ملكو شلومو - ملك السلام) وهذا ما أوضحه أشعيا عن المسيح بأنّه "... أبا الأبد رئيس السلام، لنمو الرئاسة ولسلام ولا انقضاء له..."[7]، وأيضًا قوله عن ألوهيّة المسيح "أنا مبدع النور وخالق الظلمة ومجرى السلام"[8]. أو لم يجلب يسوع السلام والعدالة للعالم؟ فالقسم الذي ذكره المزمور 109 أو 110/4 يقول الربّ لداود بصورة رمزيّة بأنّه يقرّ ملكه إلى الأبد[9]. ويوضحه أكثر في زكريا عن السيّد له المجد "هوذا الرجل الذي اسمه النبت أنه ينبت من ذاته ويبني هيكل الربّ"[10]. فهذا النبت أو يسوع المسيح لا يمتّ بصلة إلى الكهنوت اللاوي الخاطئ والمائت والكثير العدد، والذي كان كهنوت اللاوي بالموعد فقط لا بالقسم، بل إنّ هذا القسم وهذا الكهنوت راجع للملك الكاهن لابن داود الحقيقي يسوع المسيح البرّ الصادق غير المائت والوحيد الأزلي سيّد العهد الجديد، فضلاً عن أنّه سيّد جميع العهود وربّ السماء والأرض وخالق الكائنات بلاهوته، النهائي الذي جاء بالخبز والخمر كما كان يفعل ذلك قبلاً، وبدعوة إلهيّة وإلهام الروح القدس، بملكيصادق الأمين...
إنّ ملكيصادق كان غريبًا عن إسرائيل، كما أنّ المسيح غريب عن سلالة لاوي الكهنوتيّة، فملكيصادق كان من عامّة الناس ولكنّه كان شخصيّة دينيّة تلقّن على ذاته معرفة الله وعبده وقام على خدمته فوهبه الله ما لم يهبه لآل إسرائيل وجعله رمزًا لذاته الإنسانيّة ولكهنوته الأبدي. كان ملكيصادق شخصًا ذا قوّة روحيّة صديقًا لإبراهيم، فنرى روحانيّته في كلمات البركة التي بارك بها إبراهيم: "مبارك أبرام من الله العلي مالك السماوات والأرض. تبارك الله العلي الذي دفع أعداءك إلى يديك"[11]. واسم مليكصادق لا يزال يتردّد أبدًا في رسامة الكهنوت المسيحي وفي تكريس المذابح. وفي القداس الروماني يتردّد في الصلاة الافخارستيّة. وفي الطقس الماروني، في صلاة الدّعاء في الأعياد الكبرى: الميلاد والفصح...
يبقى ملكيصادق الشاهد الأمين على شموليّة مخطّط الله العالم أجمع، لا لشعب واحد، وليقودنا إلى المسيح الإله الإنسان الكاهن الأبدي الذي لا يخدمه إسرائيل فحسب بل جميع شعوب العالم وجميع الأمم. وكلّ المخلوقات المنظورة وغير المنظورة...



[1] عبرانيين 5/6-10 و 6/20 و7 كلّه ومعه 8 للتوضيح.

[2] متّى 1/1-6 ولوقا 3/23-34 و38.

[3] مزمور 109/4.

[4] تكوين 14/18-19 وعبرانيّين 7/1-5.

[5] عبرانيّين 7/3.

[6] متّى 1/20-23 أشعيا 7/14.

[7] أشعيا 9/6-7.

[8] أشعيا 45/7.

[9] 2 ملوك 7/13-14...

[10] زكريا 6/12.

[11] تكوين 14/19-20.

منقول


[/frame]