وجوه من نور
من كتاب بذات العنوان للأب إيليا متري
21– سلام معرفة
كانت ممدّدة على سريرها لا تعرف أحداً، ولا أخصّارها المقرّبين. وكان رحيلها قد حان. فدعت ابنتُها، التي كانت ترعاها في منزلها، أخاً لها كان مسافراً ليأتي، ويودّع أمّه. وصادف رجوعه يوم الأحد. ولمّا وصل إلى البيت، تزامن دخوله عليها مع دخول الكاهن الذي كان يأتيها بجسد الربّ ودمه المقدّسين، بعد انتهائه من الخدمة الإلهيّة، في صبيحة كلّ أحد. وكم عجّبه أنّها لم تعرفه، وأنّها حيّت حامل القرابين، الذي كانت تنتظره، بسلام معرفة !
22– دلالة ثـوب
كان غيّافاً. وكان يصرّ على أن يظهر دائماً بكامل قيافته الكهوتيّة. وهذا كان يعرّضه لإهانات جمّة كلّما كان ينتقل في شوارع المدينة الأوروبيّة التي يقطنها. قال له، مرّةً، أحد تلاميذه العارفين بما يصيبه: خفّف عنك الهزء، واحصر ارتداءك جبّتك في الكنيسة، أو المعهد. فأجابه: صحيح أنّ كثيرين يهزأون بي في كلّ يوم، وأنّ بعضهم يبصق عليّ في غير طريق! ولكنّ واحداً رآني مرّة وأنا راجع إلى منزلي، وسجد أمامي في الطريق، وطلب أن يعترف. وأنا من أجل هذا الواحد أتحمّل التعيير، وأرتدي هذا الثوب.
23– قصد الله
ترك بلده بعد أن يئس من إيجاد عمل له. وذهب إلى بلد بعيد يلتمس الخبز. واختار هناك أن يعمل في مؤسّسة كبيرة كان قد راسلها، واتّفق معها قبل سفره.
كان يعمل طيلة أيّام الأسبوع. وفي نهايته، كان يحجّ إلى كنيسة أرثوذكسية قريبة من منزلي ليصلّي، ويلتحق بمجموعة شباب كانوا يلتفّون حول كلمة الله.
ما كانت خبرة هؤلاء الشباب كبيرة، ولكنّه كان يحسّ أنّهم محبّون وصادقون، وأنّ بعضهم يشاركه في الشوق وحلم الرجوع إلى بلده.هو، كانت الكلمة قد صقلته كثيراً، وتمرّس بها وبنقلها في بلاده. وشعر أترابه الجدد بأنّه نعمة هبطت عليهم من السماء.في سرّه، كان يتعبه البعد. ولكنّ تعزيته كانت صلوات الكنيسة "الجديدة"، وهذه اللقاءات التي أعطاه الله أن يشارك فيها، ويساهم في تفعليها. ورغم هذا كلّه بقي يشعر بأنّه وحيد. وكان يتلقّط كل! فرصة، ليراسل بعض مؤسّسات، في بلاده، لربّما ينجح بإيجاد عمل، ويعود إلى أهله وشعبه. وطال انتظاره. ولكنّ الله كان له معه قصد آخر. كان يريده أن يراسله هو ليحظى بنصبيه في الخدمة التي أعدّه لها.
ثمّ فهم. وعاد إلى بلده ليركب ركب الذين يجاهدون في خدمة شعب الله، ويحاول أن يمسح البكاء عن عيون حزينة، ويقدّم لنفوس جائعة خبز المعرفة.
24– الغنى بالله
استدان أبوه ليعلّمه، وينهي له دراسته الجامعيّة. وحفظ هو هذا "المعروف" في قلبه. ووضع أمامه هدفاً أوّل: أن يساعد أباه على تسديد الدين.
لتحقيق هدفه، اضطرّ إلى ترك بلاده وكنيسته التي شجّعته أترابه على أن يخصّص حياته لها. وعمل في غربته، وحصّل مالاً وفراً، ولكنّه لم يسقط في وفرته، وبقي حرًّا من كل إغراء. وعندما عرف أنّ الدين قد سدّد كلّه، ترك المجد، الذي خبره في غربته، وعاد فقيراً إلى الله ليغتني بخدمته.
25– حكمة طفلة
قالت طفلة صغيرة لوالدها: كيف يمضي، يا أبي، العمر بسرعة !
فردّ عليها بإعجاب وتعجّب: اجعلي، يا بنّيتي، ما قلته ذخيرة في قلبك طيلة عمرك، لتدركي إنّ الدنيا زائلة، وإنّ الباقي هو وجه الربّ.
...
المفضلات