الشموع في العبادة المسيحية
تعبر الشمعة تعبيراً تصويرياً دقيقاً عن وقفة العابد أمام الله ! فهي تظهر هادئة ساكنة وقلبها يظل يشتعل اشتعالاً بنار ملتهبة تحرق جسمها البارد الصلب فتُذيبه إذابةً ، وتسكبه من فوهتها دموعاً ، تنحدر متلاحقة تاركة خلفها هالة من نور يسعد بها كل من تأمل فيها أو سار على هداها.
والشمعة كالعابد ليس لها فخر في ذاتها فهي معتمة لا نور لها ، باردة لا حرارة فيها وتظل كذلك إلى أن نلهب قلبها بشعلة من نار ، حينئذ تلتهب وتضيء فتتبدد حجب الظلام المحيطة و تبعث الحرارة والدفء إلى من حولها.
فطبيعتها بدون عمل النار تافهة مهملة كطبيعة الإنسان بدون عمل النعمة . حتى إذا اشتعلت بالنار صارت من طبيعة النار وأنارت لا بطبيعتها الأولى وإنما بطبيعة النار المتحدة بها. إن شمعة موقدة في بيت الله هي دعوة للعبادة الهادئة الحارة المنيرة .
أول ذكر لاستخدام الشموع في الكنيسة استخداماً طقسياً بعدما جاء في سفر الأعمال ( 20: 7-8) انحدر إلينا من مخطوطات القرن السادس ، وذلك ضمن وصف طقوس إقامة الصلوات في ذكرى الشهداء تكريماً لأرواحهم اتي أضاءت في العالم ساعة ثم انطفأت "لتضيء كالجلد في ملكوت السموات "
علاقة الشموع ببعض الطقوس :
علقة الشمعة المضيئة بالإنجيل نقرأ عنها في أقوال القديس جيروم:
" جميع كنائس الشرق عندما يقرأ الإنجيل تُضاء الشموع حتى ولو كان نور الشمس يملأ الكنيسة ، فلإضاءة ليست لتبديد الظلمة وإنما لإعلان الفرح، و لكي يكون النور المنظور إعلاناً وشهادة عن نور الإنجيل الغير منظور" .
أما بخصوص طقس إيقاد الشموع أمام الأيقونات فكان بطبيعة الحال البديل الوحيد لتكريم سيرة هؤلاء الشهداء والقديسين الذين لا نعرف مقر أجسادهم الطاهرة. فالنور المنظور يعبر عن عطية النور الإلهي الذي كان فيهم ، وحرق البخور الزكي أمامهم يرمز إلى إلهامهم ومعرفتهم الطاهرة والكاملة وامتلائهم من الروح القدس.
أقوال الآباء عن الشموع :
الشموع الموقدة على المذبح هي علامة نور الثالوث الأقدس . لأن الله لا يسكن إلا في النور ، ولا يقترب إليه الظلام لأنه نار آكلة نحرق كل ما هو خطية أو شر.
الشمعة الموقدة أمام أيقونة المسيح تعلن أن المسيح هو نور العالم ينير لكل إنسان آت إليه.
الشمعة الموقدة أمام أيقونة العذراء تعلن أن هذه هي أم النور.
الشمعة الموقدة أمام أيقونة القديس تعلن أن هذا هو السراج المزين المنير الموضوع على المنارة في أعلى البيت ليضيء لكل من فيه.
توقد الشموع كعلامة رمزية لاشتعالنا بغيرة قداستهم وحبهم، وتقديم آية ملموسة من آيات التكريم والوفاء والتسبيح الصامت والشكر على ما يقدمونه نحونا من شفاعة أمام منبر المسيح.
لكن ما المنفعة أن نقدم الشموع الكثيرة أمام الأيقونات وليست فينا محبة عملية نحو الله، أو نكون مبغضين لأحد الناس أو طماعين ومحبين للمال ! ؟
لا تحتقر أو تستصغر إيقاد الشمعة أمام الأيقونة أثناء الصلاة، واذكر أنك تقدمها لرب العظمة الساكن في النور الغير المقترب إليه. وهذه الشمعة ذاتها ما هي إلا هبة من هباته فمن يديه تأخذ وتعطيه.
تقديم الشمعة هو بمثابة ذبيحة شكر كناية عن تقديم النفس كذبيحة حية مقدسة طاهرة أمامه كما قيل عن يوحنا السابق أنه كان كمصباح ينير أمامه.
نقدم الشمعة أمام الأيقونات توسلاً أن تكون حياتنا منيرة متشبهين بالعذارى الحكيمات ذوات المصابيح المضيئة ومتممين وصية الرب أن تكون سراجنا موقدة لتحفزنا على الصلاة والسهر.
حينما أشعل الشمعة بالنار ، أرجو أن يمنحني الله قلباً مشتعلاً بنار الغيرة المقدسة والحب الطاهر لتحرق الشهوات والخطايا في داخلي.
حينما أثبت الشمعة في موضعها فتظل تشتعل وتضيء أود من كل نفسي أن أدوم هكذا منيراً لمن هم حولي ومعي.
عندما أقدم الشمعة أكون واثقاً أني حتماً سأنال نعمة و معونة من هؤلاء القديسين المكللين بالمجد. لأنه ذُكر بالكتاب المقدس عن قانون تبادل العطية ( بالكيل الذي به تكيلون يكال لكم ويفاض)
إني إنسان ضعيف و جسي مملوء خطية ولا أستطيع أن أقدم كل حين قلباً مضطرماً بالغيرة ونار القداسة. فأنا بالأقل جداً أُقدم تقدمة جسدية ترمز لاشتياق نفسي الداخلية لحياة القداسة والفضيلة حتى ينظر الرب من السماء إلى هذه الشمعة الموقدة ويجعلني أنير مثلها ( بنورك نعاين النور) فهو الغني وحده وأنا المسكين البائس العريان. هو الساكن في النور الأعظم وأنا الجالس في ظلمة الخطية.
ليت قلبنا يضطرم بنار وحياتنا تضيء كنور أمام الرب كشمعة موقدة أمام أيقونته المقدسة .( القديس سيرا فيم ساروفيسكي )
و الرب معنا آمين

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات