خبرة الصليب كل يوم"مَن أحبّ أباً أو أمّاً أكثر مني فلا يستحقّني. ومَن أحبّ ابناً أو ابنة أكثر مني فلا يستحقّني. ومَن لا يأخذ صليبه ويتبعني فلا يستحقّني" (متّى 10: 37 – 38).
للمحبّة وجهان: وجه العاطفة والشعور والإحساس ووجه الموقف والعمل. من ناحية الإحساس، لا أقوى، بعامة، من محبّة الأب والأم لأولادهما، ولا أقوى من محبّة الابن والابنة لوالديهما. هذه هي الطبيعة البشريّة في حالها الراهنة. من هنا ينطلق الإنسان، في علاقته مع الله، من كونه يحبّ أولاده أو أبويه أكثر مما يحبّ الله. مَن ظنّ غير ذلك كان، بالأكثر، موهوماً أو مدّعياً. ثمّ ليس الإحساس من صنع الإنسان. يأتي، في الحقيقة، من حميمية أحشائية تميل به إلى مَن يحبّ تلقاء. لا يمكنك أن تتوقع من أحد أن يحسّ بغير ما في كيانه.
على أنّ الأمر، في الوجه الثاني، وجه الموقف والعمل، مختلف. هنا الموضوع مرتبط بالإرادة. والإرادة مرتبطة بالقناعة. إذا ما كان الإيمان بيسوع قد مسَّك ونعمته، في لحظة مبارَكة، قد حرّكتك، وباتت لديك قناعة أنّ كلمته حقّ، فإنّ الرغبة تتكوّن فيك أن تلتمس ما يوصيك به أنّى تكن الصعوبة. مواقفك وأعمالك، إذ ذاك، تكون على نحو ما يرضيه. على هذا محبّتك ليسوع لا تبدأ شعوراً وعاطفة وإحساساً بل موقفاً وعملاً. لذا كان بديهياً أن يقول يسوع: "إن أحبّني أحد يحفظ كلامي" (يو 14: 23). حِفْظ الكلمة بمعنى الطاعة والطاعة بمعنى الموقف والعمل اللذين يرضى عنهما الله. نتمّم الوصيّة أولاً، ثمّ، بعد ذلك، يعطينا الربّ الإله، في وقت موافق، بركة الإحساس بحضوره. هذه مؤشِّرها فرح عميق هادئ وسلام راسخ لطيف وشعور بنخس القلب وعدم الاستحقاق. ولا وصيّة من وصايا يسوع تبدأ عاطفة بل عملاً. العواطف، في أول المسير، تشوِّش. خذ الصوم، خذ الصلاة، خذ حتى المحبّة، تجدْ أنّ الكل، في العلاقة مع الله، يبدأ عملاً. لا نصوم لأنّنا نحسّ براحة. ومع ذلك نغصب أنفسنا على الصيام. أول الأمر نشعر بضيق ولا نشعر براحة. وإذا ما شعرنا، بدءاً، براحة كان ذلك دليل هوى مخبوء في النفس. على أنّه، شيئاً فشيئاً، تنشأ راحة أعمق من راحة النفس والجسد. هذه تأتي في تعب. الشيء نفسه يقال عن الصلاة. خطأ أن يطلب المرء الصلاة، في مراحلها الأولى، بإحساس: إذا ما شعر بالنعمة الإلهية صلّى، وإذا لم يشعر بها امتنع. هذا موقف غير سليم. الصلاة عمل إرادة لا فعل عاطفة. نصلّي كما تعلّمنا الكنيسة أن نصلّي، بالجسد وبالفكر، بالكلمة، بالحركة وبالصوت. نجعل الذهن في الكلمة عالمين أنّ الكلمة صار جسداً وحلّ بيننا لأنّه هكذا قال القدّيس يوحنا في إنجيله. ولها نُخضع الحركة والصوت بلا خيالات ولا تصوّرات ولا مشاعر. نغصب أنفسنا عليها فتُدخلنا إلى حضرة العليّ من حيث لا ندري. والشيء نفسه أيضاً يُقال عن المحبّة. محبّة الله أعمق من العواطف البشريّة.
على ذلك يكون معنى القول: "مَن أحبّ أباً أو أمّاً أكثر مني فلا يستحقّني" أن نحبّ الله أكثر من أبينا ومن أمّنا، وتالياً أكثر من أيّ كان، لا في مستوى الإحساس والشعور بل "بالعمل والحقّ" (1 يو 3: 18) وإلاّ لا نستحقّه. إذا قال لي أبي نذهب صباح الأحد إلى البحر، لا حاجة للذهاب إلى القدّاس الإلهي، الله يسامح، من حقّنا أن نُمضي أويقات طيّبة في عطلة الأحد، أَمتنع ولو قال أبي كلمته، ولو كنت أفرح بالذهاب إلى البحر. الله أولاً! القدّاس الإلهي أهم من كل شيء آخر. مساهمة القدسات خير من مساهمة النشوة. متى فعلتُ ذلك أكون، فعلاً، أكثر حبّاً ليسوع من أبي ومن نفسي. وإذا ما قالت لي أمّي، في مطلع الصوم الكبير، لا حاجة لأن تصوم لئلا يصيبك ألم في الرأس، هذا يؤثّر في دروسك، امتنعتُ عن اتّباع ما تقوله لي لأنّ الصوم أولى. إذا ما كانت الكنيسة لتوصي بالصوم فطاعتها أبرّ لأنّ طاعتها من طاعة يسوع. الصوم أهمّ من درسي ونجاحي وعلاماتي. "ينبغي أن يُطاع الله لا الناس" (أع 5: 29). بأعمال كهذه الأعمال وبمواقف كهذه المواقف أكون مستحقّاً ليسوع. ماذا سيقول أبي، وماذا ستقول أمّي؟ لا يهمّ! سينجرحان؟ لا بأس! أنا لا أشاء أن أجرحهما مجّاناً، معاذ الله! ولكنْ، يسوعُ أولاً! وإذا ما كان تقديم يسوع على والديّ يجرحهما فهذا لهما جرح نافع ومبارَك. خير لي أن أجرح والديّ من أجل يسوع من أن أجرح يسوع إكراماً لوالديّ. علاقتي مع ذويّ لا تستقيم على حساب يسوع بل بطاعتي ليسوع تستقيم هذه العلاقة. إذا لم يكن يسوع فيما بيننا فالذي بيننا وما يجمعنا فاسد ولا يرضى عنه الله. العلاقات التي لا تقوم على أساس وصايا يسوع، يسوع طعن بها لما قال: "جئت لأُفرِّق الإنسان ضدّ أبيه والابنة ضدّ أمّها والكنّة ضدّ حماتها. وأعداء الإنسان أهل بيته" (مت 10: 35 – 36).
هذا بالضبط، هو صليبي اليومي، الصليب الذي عليّ أن أحمله كل يوم (لو 9: 23). كل ما يخالف كلام يسوع في علاقتي مع الآخرين أتنكّر له، وكذلك رغباتي التي لا تتّفق ووصاياه. علينا أن نتعلّم يومياً أن نغلب أهواءنا، أن نقطع مشيئتنا. الآخرون سينفرون مني لأنّي لا أماشيهم في ما يشتهون ويطلبون؟ لا بأس! وسأشعر، أنا نفسي، بالضيق والانزعاج؟ لا مانع! عليّ أن آخذ صليبي وأتبع المعلّم. هذه هي قضيّتي! هذا هو الطريق، ولا طريق سواه، إلى الراحة الحقيقية، إلى الفرح الحقيقي، إلى الحياة الحقيقية، إلى يسوع، إلى الخلاص، إلى الحياة الأبدية. هكذا أُحبّ يسوع، بحمل الصليب واتّباعه، بحمل الصليب لأجله، وصليبُ يسوع، من ذاته، يبثّني القيامة. بعد ذلك حضور يسوع، في كياني، يتبع، عمل النعمة يتبع، يستنير الذهن، أتنقّى من الزغل الذي فيّ، أصير مهيّئاً لسكنى روح الربّ فيّ، أدخل إلى فرح الربّ. كيف لا و"بالصليب أتى الفرح إلى كل العالم"؟!الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس.gif)
.gif)

المفضلات