الأحد 3 آب2008

لتنسني يميني إن نسيتك يا بلادي
كلمات عبّر بها المرنم في سفر المزامير عن حنينه لوطنه وهو في أرض الغربة بعيداً عن المدينة المقدسة أورشليم، وتحت ظلال الزيزفون والصفصاف على ضفاف نهر دجلة جاشت في نفسه مشاعر الحنين الى موطنه وشعبه فأنشد قائلاً: "لتنسني يميني وليلتصق لساني بحنكي إن نسيتك يا اورشليم".
عنوان مقدس وقول لا بد وانّه يعالج مشاعر الحنين الصادقة في كل مغترب أو مهاجر الى أرضه وبلده الى أهله وخلاّنه.
في كل عام بعد أن تغلق المدارس أبوابها وقبل كل عيد يقرع أبواب الزمن مهيّجاً الحنين يتحرك التفكير في الوطن بزخم نحو الذين خارجه وتتحرك الأشواق والأذهان خارج البلد نحوه وتجاه الذين فيه. وكل ذلك في إطار معاهدة حبّ طبيعي كتبها الله ووثق بنودها جمالٌ سكبه على بلادنا حتى صارت أرضنا رمزاً لجنة عدن وأشجارنا الأرز والسنديان والشربين رمزاً للحياة التي لا تشيخ. لقد ورث الناس هذا الجمال والإصرار على الحياة ومعاندة عوامل الزمن وإلا أين التفسير في أن يعطي الصخر ثماراً وغلالاً والجبال تصبح سهولاً. وحيث لا يستطيع النسر أن يضع له مسكناً صارت القرى والبلدان. لم تستطع بلاد الإغتراب أن تقوى على هذه النفسية الجميلة المجاهدة والخلاقة ولا أن تؤثر في جمالها. عشق سكان هذه السهول والجبال السفر منذ عهود ضاربة عميقة في التاريخ وتحكي صفحاته حكايات رائعة عنهم. لقد بنوا البلاد وعمروا المدن وأقاموا حضارات ونشروا الثقافة حيثما حلوا. ولكن ذلك لم ينسهم أرضهم ولم يطفئ لهيب الشوق الى وطنهم لا يحنون رؤوسهم لحضارة القوة ولا تخنقهم قوة المادة كما لا يختنق الصياد مع الصيد في البحر.
في كلِّ صيف تنتظر البلدات والقرى المغتربين ليلتقي الوطن المهاجر مع الوطن المقيم في أنشودة تأكيد أنهما بلد واحد. فلبنان الوطن هو عنوان حضارة والحضارة لا تحدها الجغرافيا. والأرض بدون أبنائها هي غير الأرض بأبنائها وبدونهم تفقد هويتها وتصبح أرضاً أخرى وبهوية غير هويّتها.
في ظروف صعبة غابت فيها عن الكنيسة معاهد العلم واللاهوت،

تحرّك اللاهوت للتعبير عن الإيمان بطرق شعبية، التي صارت تعبيراً عن نواحي إيمانية، كالبيض في عيد الفصح والنزول الى مياه الأنهار والينابيع في عيد الظهور الإلهي وغير ذلك. هكذا عمدتم أن تحملوا معكم بعضاً من حضارتكم فصارت الأطعمة بالنسبة لكم تعبيراً عن حبكم لوطنكم ولكن غير مكتفين بذلك. نعم إنَّ بلادكم إضافة الى أنَّها بلاد الحروف والكتاب والإنسانية فهي بلاد الحياة وللتعبير عن هذه الحياة طرق كثيرة منها الأطعمة ومنها اللباس وطريقة صنعها. ألم تكن هذه تعبير عن حضارة إنسانية رائعة أليست هذه الأطعمة الملهمة للكثير من الأطعمة في بلاد الله الواسعة.
هذا الحب الذي في نفوسكم لوطنكم تأكيد على أن لعبة الغرباء في شرقنا تبقى غريبة وكلُّ غريب راحل لا محالة مهما طال به الزمن. أرضكم تلفظ الأشرار كما يلفظ العسل النقي كلّ الشوائب. عودتكم الى دياركم يزرع فيها وفينا الأمل ويغير كثيراً من نوع أحلامنا. عودتكم في كل عام وفي كل عيد برغم صعوبة الظروف وقساوة الزمن يزرع الثقة في البلد ويعطينا اليقين أن الهويَّة محفوظة ليس على الأوراق ولوائح الإنتخابات فقط بل على صفحات القلوب وطياتها.
لا نريد أن نداعب عواطفكم بكلمات مطرب لبنان "يا مهاجرين ارجعوا غالي الوطن غالي" بل أن نراكم تداعبوا الأرض التي منها هويتكم بأياديكم كما داعب أباؤكم صخورها فصارت تراباً معطاءاً وتحسست أغانيهم وترانيمهم أغصان وأوراق أشجارها ففاضت بركة وخيراً.
نعرف جيداً أن الغربة لا عيب فيها لأنها تعبير عن رفض الظلم وثورة على واقع مرير ولعلَّ الله أرادكم أن تكونوا في زمن العمل خارج الوطن ليكون ذلك خيراً مخبأً الى زمنٍ آتٍ. الكنيسة التي تغرّبت معكم تبارك
إصراركم على محبة بلادكم وتدعوكم للإصرار على التملّك فيه ليكون لكلِّ منكم بيتاً وأرضاً أن تكونوا حماة بلادكم من تغيير يلاحقها بكل قوّة لكي يبقى للأرض أهلها وناسها الذين هم منها وهي منهم. إن بَيْعَ الأرض في الوطن كفرٌ بالمقدسات واستهتار بأهم القيم الإنسانية. هكذا يعلمنا إيماننا وهكذا عاش قديسونا وعليه تربى آباؤنا وجاهدوا ولن نكون أقلّ منهم. إن الحفاظ على الأرض جهاد يسموا الى جهاد الروح. ينزعج الوطن من أبنائه المتخلين عنه كما يتمرمر الآباء إذا هجرهم أبناؤهم.
ومع الوطن الباسط ذراعيه لإستقبالكم ومع كل أبنائه نصلي الى الله أن يهب بلداتنا وقرانا سلاماً يجنبها مخاطر لعبة الغرباء. ليتسنى لكم أن تفرحوا بفرح البلد يداعب وجه الطمأنينة وممسكاً بيد الاستقرار. فتشتاقوا اليه أكثر عندما تعودون الى بلاد عملكم. ولتنسنا يميننا نحن الذين في البلاد إن نسيناكم ولم نحملكم على أجنحة محبتنا وأصدق مشاعرنا ومنياتنا لكم بالتوفيق والإقامة الهنيئة السعيدة.
مطران عكار وتوابعها
+ باسيليوس