الأحد 21 أيلول 2008

باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين.
أيها الإخوة الأحباء،
قال ربنا يسوع المسيح له المجد:
"من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني".
هذه الجملة تستعمل في سر العماد المقدس عندما يمسح الطفل المعمود بشكل عام على ظهره فيتلو المعمِّد هذه الآية ليسمعها المعمَّد وتكون خاتمة تعهداته إذ قد صار جندياً جديداً منتخباً للسيد المسيح. فكما يحمل الجندي في الخدمة العسكرية همّ الوطن، هكذا من يتجند لربنا يسوع المسيح يحمل همَّ المحبة والخدمة في الجماعة، ولا يجوز أن يوجد معمد على وجه الأرض لا صليب له. وحمل الصليب لا يكون قسراً بل بالإختيار الحر. وقد يكون الصليب علامة للحزن والألم ولكن المسيحية تقول بفلسفة الألم المفرح. الحياة العائلية النقية الطاهرة صليب للمحافظ عليها، ولكنها تعطيه فخراً وفرحاً بالرغم من المحدودية التي تحيط بها. المحبة كما تعلمناها عن ربنا يسوع المسيح، صليب لأنها بذل وتضحيَّة الى النهاية ولولا المحبَّة لما صلب عنّا مخلصنا يسوع المسيح. العمل المستقيم النزيه في مجتمع ضاغط فاسد أناني هو صليب ثقيل قد يقع الإنسان تحت حمله ولكنه في النهاية يُشعر الإنسان بالفخر. خدمة الذين لا يستحقون الخدمة مشاركة في حمل صليب ربنا يسوع المسيح. فكما ربنا يسوع المسيح هكذا نحن نعيش هذه المصلوبية ونعطي ذواتنا حتى النهاية كرامة لملك المجد الذي علّق على خشبة فاستطعنا نحن أن نعلّق على صليبه آثامنا وخطايانا فندخل خفافاً الى حضرته جالساً عن يمين القدرة.
أيها الإخوة الأحباء إذاً لا يستخف أحداً بهذه الأقوال مردداً إياها في زمن المعمودية فقط بل فليعط كل إنتباهه لإدراك معانيها وعمق الفلسفة الحياتية التي يحتاجها لكي يشعر بالفرح وقت الشدة والفرج وقت الضيق والتعزية وقت الحزن. وقد اعتاد العرّابون وقت عماد الأطفال أن يقدِّموا لهم صليباً من معدن ثمين يلبسه الكاهن للطفل بعد خروجه من المعمودية ونواله سر المسحة المقدَّسة (الميرون) كإشارة لتجنُده بين اللابسي الظفر. ولولا وجود أناس يرتضون أن يحملوا صليب ربنا يسوع المسيح في حياتهم
الإجتماعية لصارت المجتمعات غابات ولما تتطوَّرت حياة الغابات الى حياة التمدُّن والحضارة ولما إرتفعت قيمة الإنسان. ولكن إذا حمل الإنسان صليب ربنا يسوع المسيح جبراً وقهراً أي إذا لم يحاول أن يجعل من الألم والضيق والشدة صلباناً له بحريته وإرادته صارت الحياة جحيماً وهوت بالمتألمين الى جب الموت ووادي البكاء.
وقد يتساءل شخص ما، هل صليب ربنا يسوع المسيح فقط في الألم والحزن والشدة والضيق؟ نقول هو في الرخاء أيضاً والسرور والفرح. فكما تصيب الكآبة الشخص وقت السوء فينزوي هكذا من الممكن أن تصيب الأنانية الإنسان في فرحه فيمتنع عن المشاركة ويتعالى على الناس وعلى الله في كثير من الأحيان.
إذاً ضرورة وجود صليب المسيح في الفرح لهو معادل في أهميَّة حمله وقت الحزن. فتأمرنا الكنيسة بأن نتشارك مع الآخرين النعمة والسعادة والمال والهناء والرخاء لكي نخفف عنهم أثقالهم كما خفف عنا المسيح له المجد أثقالنا ولنجعل عليهم نير الحياة هيّناً خفيفاً كما ألقى السيد علينا نيراً هيّناً وحملاً خفيفاً.
في النهاية نقول من يحمل صليب سيّدنا له المجد يليق به أن يكون القدوة والقائد في مجتمعه وليس القدوة والقائد من يلقي بالعناء والشدة والضيق على أعناق الناس.
حاشا لنا أن نفاخر بغير هذه الحياة كما لا نفتخر بغير صيبك يا ربنا وسيدنا. فأنت هويَّتنا ورفعة رؤوسنا وبك نفتخر على العالمين.
مطران عكار وتوابعها
باسيليوس منصور