تنفرد بشارة يوحنا الرسول في ذكر هذا المقطع. مقطع لقاء يسوع بالمرأة السامرية و حواره معها.
هنالك الكثير من المواقف و الحوارات التي ينفرد بذكرها يوحنا الرسول في بشارته و هذا ما جعل علماء الكتاب المقدس يصنفون هذه البشارة في خانة واحدة مستقلة فيما البشارات الثلاث الأخرى تُجمع ضمن خانة أخرى و تسمى الأناجيل الإزائية ( أي المتشابهة ).
ربما كان الاختلاف بين بشارة يوحنا و البشارات الثلاث الأخرى يعود إلى أن هذه البشارة كتبت في وقت متأخر نسبياً، أي بعد قيامة الرب بحوالي تسعين سنة. ويبدو أن هذا سمح ليوحنا الرسول بذكر العديد من الأمور التي كان لا بد من الانتظار فترة حتى يتبلور هذا التعليم الجديد و يصبح مفهوماً لعامة المؤمنين. لذلك نرى مثلاً ذكر حديث يسوع مع نيقوديموس ( يو 3 )، هذا الحديث الذي لا يمكن أن يفهم إلا في إطار ممارسة سر المعمودية الأمر الذي جعل نيقوديموس نفسه يشعر بصعوبة في فهمه. و كذلك حديث يسوع مع اليهود حول تناول جسده و دمه ( يو 6 : 22-66 ) الذي أثار تساؤلاتهم و الذي لا يمكن أن يفهم إلا في إطار ممارسة سر المناولة. و كذلك نجد في إنجيل يوحنا توضيح للعقائد المسيحية بشكل أوضح و أعمق من البشارات الأخرى التي كان لا بد من انتظار بعض الوقت حتى يستطيع الناس فهمها بالعمق بعد انتشار التعليم المسيحي. و لذلك كان يوحنا أول شخص في تاريخ المسيحية يدعى ( اللاهوتي ).
إنجيل السامرية هو المقطع الذي يروي لنا قصة لقاء يسوع مع المرأة السامرية. نجد هذا المقطع الإنجيلي في الاصحاح الرابع من الآية 1 حتى الآية 29.
وصل يسوع إلى مدينة في السامرة تدعى سيخارة و هي التي كانت تدعى شكيم فيما مضى و جلس دون تكلف على حافة البئر عند الظهر. تأتي إمرأة من السامرة لتملأ جرتها من ماء البئر فيبدأ يسوع في التكلم معها بطلب الماء للشرب، و عندها يبدأ حوار بينه و بين هذه المرأة السامرية التي يبدو أنها لم تكن تأخذ ما يكلمه بها على محمل الجد إلى أن قال لها ” قد كان عندك خمسة أزواج و الذي عندك الآن ليس بزوجك “. كان هذا دليلاً على أن الشخص الذي يكلمها ليس شخصاً عادياً فقد استطاع أن يعرف أمراً غيبياً. رأت فيه المرأة نبياً فتفتح معه نقاشاً دينياً يبدو أنه كان من النقاشات التقليدية الشائعة بين اليهود و السامريين و يتعلق بمكان العبادة. قالت له المرأة ” آباؤنا تعبدو في هذا الجبل و أنتم تقولون إن المكان الذي فيه يجب التعبد هو في أورشليم ” و الجبل الذي قصدته هو جبل جرِّيزيم حيث تلا بنو إسرائيل البركات قديماً ( تثنية 11 : 29 ) فالسامريون يعترفون فقط بالكتب الخمسة الأولى من العهد القديم ( التوراة ) و ليس فيها أي ذكر لهيكل أورشليم الذي يعتبره اليهود مكان العبادة الحقيقي.
إلا أن الرب أراد أن يرفع النقاش إلى سوية أعلى من مكان العبادة أراد أن يدخل في أساس الدين؛ العقيدة.
قال لها “صدقيني أيتها المرأة تأتي ساعة فيها تعبدون الآب لا في هذا الجبل و لا في أورشليم. انتم تعبدون ما لا تعلمون و نحن نعبد ما نعلم لأن الخلاص يأتي من اليهود ”
يبدأ الرب هنا في طرح العقيدة القويمة. يبدأ من الأمر الذي يتفق عليه الجميع، اليهود و السامريين ( بل و المسيحيين و المسلمين و غيرهم )؛ إنه ألوهية الآب! بقوله “تعبدون الآب“. لكن هذا لا يكفي فالخلاص هو من اليهود، أي من شعب الله. ما الفرق بين شعب الله و غيره من الشعوب؟ يجيب الرب قائلاً ” أنتم تعبدون ما لا تعلمون و نحن نعبد ما نعلم” يجب علينا أن نعرف الله أكثر من ذلك. نحن متفقون على ألوهية الله الآب لكن لكي هنالك أشياء أخرى يجب معرفتها.
يقول “ و لكن تأتي ساعة – و قد حضرت الآن – فيها العباد الصادقون يعبدون الآب بالروح و الحق فمثل أولئك العباد يريد الآب. إن الله روح فعلى العباد أن يعبدوه بالروح و الحق ”
ها هو الآن يطرح بنداً آخر في العقيدة القويمة، إنه ألوهية الروح القدس! بقوله “الله روح” ذلك أن الإيمان بألوهية الروح القدس شرط أساسي لكي تفعل فينا نعمة الروح القدس و لتكون عبادتنا لله بالروح و الحق و لكي تكون عبادتنا صادقة أي نابعة من إحساس روحي صادق. إن هذا شيء جديد، “تأتي ساعة و قد حضرت الآن” إنه تعليم جديد لشعب الله، شعب الله الجديد.
كعادة الرب يؤجل الكلام عن نفسه إلى الأخير معلماً إيانا منهج التواضع، لكن هذه المرة تبدأ المرأة في الكلام و كأن هنالك ما تحرك بداخلها فأخذت تتفاعل أكثر مع سياق الحديث حسب إرادة الرب.
قالت له المرأة “إني أعلم أن المشيح آتٍ. و هو الذي يقال له المسيح، و إذا أتى، أخبرنا بكل شيء ”
قال لها يسوع : “ أنا هو، أنا الذي يكلمك ”
كانت المرأة السامرية قادرة على فهم عبارة “أنا هو” بدون لبس، ففي كتب التوراة “أنا هو” هو اللقب الذي أطلقه الله على نفسه في كلامه مع موسى عند العليقة المشتعلة ( خروج 13 : 14 ). ها هو إذن الرب يعلن لها بنداً عقائدياً جديداً؛ ألوهيته هو!
و أيضاً يعلمها عقيدة التجسد بعبارة واضحة لا لبس فيها “أنا الذي يكلمك” بشحمه و لحمه، ها أنذا أتكلم معك كما ترينني إنسانٌ تام!
بعد ذلك تركت المرأة جرتها ( لأنها ستعيق سرعة تحركها ) و انطلقت إلى المدينة فقالت للناس ” هلموا انظروا رجلاً قال لي كل ما فعلت أتراه المسيح ” فكانت أول رسولة للرب إلى السامريين، و من ثم سأله السامريون أن يقيم عندهم فأقام عندهم يومين و قالوا بعدها للمرأة “لا نؤمن الآن عن قولك فقد سمعناه نحن و علمنا أنه مخلص العالم حقاً“.
ملاحظات مهمة جداً يمكن تبيانها في هذا المقطع و تستحق أن نتوقف عندها مطولاً :
- بخلاف الأمر مع اليهود لم يختر الرب رجالاً ليكونوا رسلاً له بل اختار هذه المرة امرأة. ربما هذا يجعلنا نفهم أن اختيار الرب للرجال ليكونوا رسلاً إلى اليهود لا يعود إلى طبيعة الرجال أو النساء بل إلى خصوصية المجتمع اليهودي. و كذلك في المسيحية بعد ذلك لم تميز الكنيسة كثيراً بين الرجال والنساء في أمر الرسولية، فنسمع مثلاً عن القديسة تقلا المعادلة للرسل. ربما هذا يجعلنا نعيد التفكير في أهلية المرأة للتكريس و لأخذ دور كهنوتي ما، إلا أن الأمر يظل أوسع بكثير من أن نحصر نقاشه هنا.
- في شرح الرب للعقيدة للمرأة استخدم عبارات بسيطة واضحة تستطيع أن تفهمها المرأة. التعقيد الذي نجده أحياناً في النقاش العقائدي سببه الحاجة إلى الرد على الهراطقة الذين يدخلون تعقيدات كثيرة في العقيدة الأرثوذكسية القويمة. عقيدتنا بسيطة جداً و يمكن شرحها لأي شخص كان شريطة استخدامنا لغة ذلك الشخص فيفهمها بدون لبس ( إن أراد )، و لهذا استخدمت الكنيسة ( تمثلاً بالرب ) كلمات بسيطة و معبرة، كلمات “الآب” و ”الابن” و “الروح القدس”.
- رأى الرب أن المرأة ستكون رسولته إلى السامريين فكان أول ما لقنه لها التعليم العقائدي المتكامل. الذي تجب ملاحظته هنا أن البنود العقائدية التي ركز عليها الرب هي نفس البنود التي طالما ركزت عليها الكنيسة في كل تاريخها لتكون الأساس الذي يجب أن يؤمن به كل عضوٍ فيها؛ إنها عقيدة الثالوث و عقيدة التجسد الإلهي. طبعاً هنا جواب للذي يتساءل عن صحة العقائد الأرثوذكسية أو عن ذكرها صراحةً في الكتاب المقدس، لكنه أكثر من ذلك؛ إنه جواب شاف لكل من يتساءل عن أهمية تعليم العقائد الأرثوذكسية و اعتبارها أول ما يجب أن يتعلمه المؤمن و أساس الدين.
إن هذا المقطع بالتالي يجعلنا نركز أكثر فأكثر على أهمية التمسك بالعقيدة القومية وتعليمها لأبناء الكنيسة لأننا بذلك إنما نكون متمثلين بالرب نفسه.
المصدر :http://www.ramivitale.com

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس


المفضلات