أحببت نشرها مرة ثانية بعد عام من المرة الأولى
[frame="9 98"]
إنها إحدى الأمسيات الشتويّة والمدينة قد رمَتْ بنفسها في أحضان الليل الصاخب واستسلمت له، فألبسها ثوباً من أبيضٍ ناصع ووشّحها بأنوارٍ كثيرة بعد أن شرب معها كأسَ الغروب وراح يفرش آلافاً من النجوم في فضائها وينثرها هنا وهناك واستعدّ ليزفّها لشهره كانون الأول...
مساءٌ مميزٌ حقاً، كيف وهو مساء الميلاد الإلهي، مساءُ المحبّة الخالصة، فالمجد للّه في العلى وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرّة...
سلامٌ على الأرض ومسرّةٌ في الناس، لكنّ الصخب والضجيج ملأا أرجاء المدينة الواسعة، في الساحات والشوارع والأزقة والمنازل والمتاجر، كلّها ازدحمتِ اليوم وغصّت بالناس، وقد راحوا يسرعون الخطا ليقصدوا حاجاتهم الكثيرة، لا يحول دونهم ودونها شيء.
وفي وسط هذه الجلبة المثيرة، خرجت طفلةٌ من منزلٍ في إحدى ضواحي المدينة المترامية الأطراف، أطلّت بسنيها الثمانيةَ بيضاء كحبّة ثلج، وشعرها المغزولُ بالليل يسدلُ الستار عن عينين برّاقتين كمئة نهار : (بارك يا رب مسائي)، قالت هذا وتناولت سلة الكبريت ومضت لساحاتِ المدينةِ المزدحمة تبيعُ إلى الناس الكبريت، فتبتاعُ بدورها الدواء لأمّها المريضة...
يا لبرودة الطقس اللّيلة، إني لأتعجّب كيف تخرج فيه طفلةٌ لا يستر جسدها سوى ثوبٌ بالٍ كالذي ترتديه، كان أمر أن تبيع طفلة الكبريت في ليلة الميلاد يصعبُ عليّ تقبله، إلّا أن ما كان يدور في ذهن البائعة الصغيرة مختلفٌ تماماً، فهي كانت تعرف أنّ عليها اليوم أن تبيع أكثر علّها تشتري ثوباً جديداً بما يزيد من ثمن الدواء أو تشتري لعبةً جميلةً تؤنسُ وحشتها المريرة، وكانت تعلم أيضاً أنّ عليها الليلة أن تسرع أكثر من ؟أي ليلةٍ أخرى وقبل أن يمضي الناس لسهراتهم واحتفالاتهم...
وهكذا ركَضَتْ وكنتُ أركضُ معها..
سمعت لهثها، وكنت ألهث معها...
تَعِبت، وأنا تعبتُ لها
حتى وصلنا سويةً ساحة المدينة، دُهشت لمّا رأتها، كانت جميلةً اليوم تشعّ بالألوان والأضواء، وكذلك كانت نفسُها تشعّ بالأحلام والأمنيات...
فكّرت برهة ثم اتّجهت نحو أحد المتاجر المزدحمة، فهناك بالتأكيد ستجد مقصدها وستبيع كلّ ما معها من كبريت وتعود باكراً إلى بيتها تحتفل بالميلاد المجيد.
هل تريد الكبريت يا سيدي؟
لا.
سيدتي علبة كبريت؟
لا يا صغيرة.
علبة كبريتٍ أيها النبيل؟
شكراً ولكنني لست بحاجة لها
يا إلهي ماذا حدث للناس اليوم؟ هذا رجلٌ آخر: أرجوك علبة كبريت واحدة فقط يا سيدي؟
لا.لا.لا.
يا ربي إن أمي مريضة اليوم وأنا بحاجةٍ على المال؟
لقد تتالى الأسياد في العبور أمام طفلة العيد الحزينة:
فمنهم من لم يرغب..ومنهم من لم يمتلك الثمن! ومنهم من لم يسمع النداء!! ومنهم من لم يرى طفلة تتعب ببيع علبة كبريتٍ وظنّها تلهو وتلعب؟!!
ولم يوجد من بين هؤلاء جميعاً من يملأ يد الصغيرة بقطعة نقودٍ واحدة تعيد إليها الأمل بليلةٍ أجمل...
لا تريد الإحسان هي، تريد بيع ما لديها والرحيل عن هذا المكان الذي أخطأت عندما اعتبرته جميل...
ولكن ماذا تفعل؟ إنها ذاتُ حظٍّ عاثر؟ فاليوم هو عيد الميلاد، ولا أحد هنا يمتلك المال، إنهم هنا لا ليشتروا كلَّ ما لذّ وطاب ويفرشوا ويزيّنوا موائدهم بها، إنهم هنا لا للتبضّع بكلّ أنواع الثياب وأفخره ويتأنّقوا به في سهراتهم الصاخبة، وليسوا هنا ليعودوا حاملين أغلى الهدايا وأجملها...
لقد سمح الحظّ العاثر للمسكينة بأن يتسلّل اليأس إلى نفسها ويزعزع مملكة الطمأنينة في داخلها، فهذي ساحة المدينة تفرغ من حولها، فما تفعل بسلّتها الممتلئة والحصاد القليل، لن تعود إلى بيتها هكذا، فكيف تدخل إلى أمّها ويديها فارغتين...
لقد ذبحتِ يا مدينة حلمها البارحة، فلقد جمعتِ الطفلةُ في اللّيلة الماضية كلّ أحلامها ووضعتها في علبة الكبريت هذه، لكنّ الأمنيات تجمدت في زمهرير كانون، وأحلامها البريئة اغتيلت على الأرصفة والطرقات...
أمّا أنا فكنت واقفاً أحتار..أجل أحتار فبعد قليلٍ سوف يبدأ القدّاس وكان عليّ بسرعةٍ أن أختار، فإن بقيت واقفاً سيفوتني الترتيل الجميل ولن أتمكن من سماع الإنجيل، ولكن في الطريق إلى الكنيسة طفلةٌ تبيع كبريت وأنا ليس معيي سوى مالٌ قليل، سأشتري به أشياء كثير وسأُضيءُ شمعةً أمام أيقونة يسوع الجليل.
وبعد تفكيرٍ طويل اتخذت قراري ومضيت بخطىً متردّدةً عبر الطريق، لم أشأ أن أنظر في عينيّ الطفلة الحلوة خشية أن تعتقد أني أريد كبريت، فاجتزتها بحذرٍ شديد، بيد أنّها همست بصوتٍ أشعل النار في نفسي( هل تريد يا سيدي كبريت)، تسمّرت في مكاني وتجمّد الدم في عروقي، لم ألتفت إليها ولكنّي شعرت بيدها تربت على جسدي وعادت تسألني بإصرار عجيب: (هل تريد كبريت)، فكان ملاكٌ وشيطان يتصارعان في نفسي صراعاً ضارياً، ولكنّ أجراس الكنيسة أعلنت في تلك اللحظة بدء الاحتفال، فآثر الشرير في داخل الرحيل عن هذا المكان، وقرّر ملاكي البقاء مع طفلة العيد التي لم تعد وحيدة، فهناك كان العشرات من الأجناد الملائكية الطاهرة تحمي الطفلة المسكينة، وتلبسها ثياباً دافئة نوريّة، وتسير بها بموكبٍ مهيب أعده ربّ الأقدار السماوية، ستمضي اليوم على مكانٍ لا برد فيه ولا وجع، لا حزن فيه ولا ألم، فيسوع سيمسحُ بيديه الحنونتين كلّ دمعةٍ تذرف...
[glint]امضي يا طفلة العيد امضي.. وأخبري الحبيب يسوع قصّتك، واسأليه كيف سيأتي الليلة أرضنا، فأيُّ استقبالٍ هذا الذي نعدّ للربّ القدوس الابن الفادي الحبيب..؟ [/glint]!
[/frame]

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس

المفضلات