ينبغي على من يريد اختيار زوجة له، أن يأخذ الحيطة والحذر، والتزام البحث والاستعلام. إذ لا يشتري أحد بيتاً دون أن يقتضي ذلك معرفته لحالة البناء من الداخل والخارج، ولا سيما أخلاق من سيكونون له جيراناً، وإن لم يرق له يبيعه أو يبدله. أما من يختار زوجة فلن يستطيع أن يبدلها أو يردها إلى أهلها. وعندما تريد الزواج ليكن نصب عينيك ناموس إلهك الذي ستحاكم وفقه، والذي بعصيانك له ترمي نفسك في النار والعذاب الأبدي. ولا بد من وجود توافق في الطباع، وأن تكون من ستختارها طيبة كريمة مطيعة، وبحسن اختيارك تربح شيئين مهمين: عدم رغبتك في الانفصال عنها مطلقاً، ومحبتك اللا محدودة لها. وكما يوصيك الرسول بولس: "أيها الرجال أحبوا نساءكم" (أف5: 25)، واضعاً لك مقياساً لهذه المحبة "كما أحب المسيح الكنيسة" (أف5:25)، إلى حد أن يحتمل الموت لأجلها، طالباً منا الإقتداء بالسيد في محبتنا لشريكة عمرنا. وكما أن الرب افتقد عروسه كنيسة العهد القديم، فغسلها وطهرها وألبسها أبهى الثياب وصعد بها إلى السماء، هكذا يطلب من الزوج أن يصفح لزوجته متناسياً أخطاءها عاملاً على تقويم اعوجاجها، واعداً إياه بالمكافآت الغزيرة على صبره وطاعته تجاه هذا العضو الذي لا ينفصل عنه. ويقول القديس بولس: "يجب على الرجال أن يحبوا نساءهم كأجسادهم... لأنه ما من أحد يبغض جسده قط بل يقوته ويربيه كما يعامل المسيح الكنيسة. لأننا نحن أعضاء جسده من لحمه ومن عظامه" (أف5: 28-30). كما أن الله سنَّ لنا ناموساً وواجباً "لأجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته فيصير الإثنان جسداً واحداً" (تك2: 24 و أف5: 31). وبذلك أوصى للرجل بحب امرأته. وبعد أن يذكرنا الرسول بولس بهذا الناموس يقول: "إن هذا السر لعظيم" (أف5: 32)، موضحاً لنا ذلك الاتحاد السامي الذي يخلقه الله بين الزوجين، وموجباً علينا تقديره، وألا ننظر إليه كمعاملة مادية، فالزواج ليس تجارة بيع وشراء، بل هو تجارة حياة. وإن كنا نبتغي السعادة، فلا نلتمسن الثروة. فكم من الأغنياء، بعد زواجهم من نساء أكثر غنى منهم، أضاعوا في يوم زواجهم هدوءهم وسعادتهم، وانقلبت أيامهم خصومات وحروباً متواصلة. وكم من الفقراء تزوجوا نساء أشد فقراً منهم، استمروا ينعمون بالسلام مع زوجاتهم، ويتذوقون طعم السعادة في دفء نعمة الله، التي تنير أذهان المتوكلين عليه، فلا يطلبون في الزواج سوى فضائل النفس والصفات الأخلاقية، فيستقر السلام في بيوتهم، متكاتفين في وحدة تامة، بالغين إلى هدف الزواج في كونه عوناً على الحياة، وميناءً ضد العواصف، وتعزية في الآلام. ورب امرأة حكيمة لطيفة متزنة في تصرفها وكلامها، تنتج من الأعمال في فقرها أكثر مما تنتجه أخرى في غناها. في حين نجد امرأة مخاصمة بدون اتزان، يمكن أن يكون لها كل غنى العالم، تكنس هذا الغنى بأسرع مما تكنس الريح الغبار، وتسرع في إغراق زوجها في الشقاء. إن الجمال بغير فضيلة يمكن أن يجذب الرجل مدة عشرين إلى ثلاثين يوماً، ولا يذهب أبعد من هذا المدى، ومن ثم ومن تأثير تراكم العيوب يفقد الجذب فعله ويسقط. أما جمال النفس فلا خوف عليه من مد الزمن. وكلما وقف المرء على مقدار فضائل المرأة كلما ازداد تعلقه بها، وكلما ازدادت حرارة المحبة لها، وكلما ابتعد عنهما خاطر الطلاق الفاسد. ولنتأمل الآن كيف كان آباؤنا في العهد القديم يفتشون في الزواج عن الفضيلة لا عن الغنى، وسنتحدث عن قصة اختيار أبينا ابراهيم زوجة لولده اسحق (تك 24: 1-67)، إذ اختار أكبر خدامه لهذه المهمة، واستحلفه أن يمضي إلى عشيرته (عشيرة إبراهيم)، ويختار لولده اسحق بنتاً من بناتها. فيا لها من ثقة كبيرة وضعها إبراهيم في خادمه، إذ لم يعهد بهذه المهمة الخطيرة إلى أصدقائه أو أقربائه، بل إلى خادمه الخاص، ولم يطلب من أحد أن يرافقه، بسبب إيمانه الكبير بالله الذي سيتولى حراسته ومرافقته بواسطة ملاكه. فلنتأمل الآن فيما صنع الخادم ولنقتدِ به عند اختيار شريكة حياتنا. فبعد أن وصل الخادم إلى عشيرة سيده، وبسبب إيمانه العميق، استعان أولاً برفيق سفره الذي سلمه إليه سيده ، فقال: "أيها الرب إله سيدي إبراهيم وجِّه اليوم خطواتي". ولنلحظ حكمة الخادم، إذ وقف عند عين الماء وجعل إشارة لنفسه أن الفتاة المستقية التي حين يطلب منها أن تسقيه، تفعل ذلك وتسقي جماله أيضاً، هي التي ستكون زوجة لإسحق، ولنلاحظ هنا أنه لم يقل الفتاة التي أراها في باهر جمالها في عربة تجرها الجياد ويحيطها الخدام، وهذا دليل حكمة. فكثيراً ما نرى في مثل مستقيات الماء أمثلة فضيلة. "وإذ كان لم يفرغ بعد من الكلام إذا رفقة خارجة وجرتها على كتفها"(تك24: 15)، وعندما سألها سقته وسقت جماله، فوجد فيها واحدة من الفضائل الباهرة: الضيافة، التي كانت من أكبر الفضائل في بيت سيده. فهو لا يريد أن يكون عندها مغايرة لهذه الضيافة فيكون ابن سيده منفتحاً لضيوفه وكريماً من جهة ومن الجهة الأخرى تكون امرأته بخيلة تتعرض لأضيافه وأصحابه. إن العلامة الحقيقية لهذه الفضيلة ليست في أن نعطي من يطلب منا ماء ليشرب بل أن نعطيه أكثر مما يطلب. ويذكر الكتاب بالمقدس أيضاً أن رفقة كانت "حسنة المنظر وبكراً"، إن الطهارة شيء يستحق الإعجاب ولكنها إذا اقترنت بالجمال فإنما تستحق الإعجاب أكثر. وفي الواقع نجد الكثير من الفتيات قد حفظن عذرية الجسد، ولكنهن قد فقدن عذرية النفس، على عكس رفقة التي حافظت على الإثنتين، فانطبق عليها قول بولس الرسول: "غير المتزوجة تهتم فيما للرب لتكون مقدسة نفساً وجسداً" (1كو7: 34). لقد قدمت لنا رفقة أمثولة في البذل العاجل مع التحفظ، فإن تحفظها لم يمنعها من أن تضاعف عطاءها، وعطاؤها لم يعب كمال تحفظها. كل هذا صدر عن قلب طيب، وبكل طيبة خاطر، لأن فضيلة رفقة لم تلمع بالخدمة التي قدمتها فقط، بل بالمروءة التي بها قدمت هذه الخدمة أيضاً. ولنلحظ أن رفقة لم تسأل الرجل: من أنت؟ ولم تكن تعلم مقصده من سفره، أو أنه سيطلب يدها. وهنا تكمن فضيلة أخرى فيها وهي أنها قدمت خدمة بمروءة وسخاء إلى إنسان لم تكن تعرفه من قبل. وعندما سألها عن وجود مكان للمبيت في بيت أبيها، دعته إلى بيت أهلها، وقدمت فوق ذلك التبن والعلف أيضاً، رغبة منها في أن يكون لها كل استحقاقات الضيافة. بعد ذلك دخل الخادم إلى بيت أهل رفقة، وعندما أراد الكلام ابتدأ الكلام بقوله: "أنا عبد إبراهيم... وإن سارة امرأة سيدي ولدت إبناً لمولاي بعد أن شاخت" (تك24: 36). وهنا نراه يعظم في قصته شأن العناية الإلهية أكثر من مسألة تغيير نظام الطبيعة. ثم يتابع برواية قصته لأهل رفقة ويطلبها زوجة لإسحق، فيوافق أهلها، ويسافر الخادم عائداً إلى إبراهيم مصطحباً رفقة، يسير معه الملاك الذي طلب إبراهيم من الله أن يكون رفيقاً لخادمه في السفر. والآن وبعد اختيار العروس، فلننظر كيف يتم العرس. إننا لا نرى الزمارين والطبالين وكل آلات الطرب. فها هي العروس تتقدم في وسط البركات الإلهية، التي تشكل لها إكليلاً أكثر لمعاناً من كل اللآلئ. تتقدم غير متشحة بثوب مذهب، بل متشحة بالتواضع والتقوى ومحبة الله وكل الفضائل. تتقدم لا في هودج، بل راكبة ببساطة على جملها. وعندما ترى إسحق تنزل بخفة وقوة عن جملها، فيتخذها إسحق زوجة له ويحبها كثيراً، فأي امرؤ كان من الممكن ألا يحب امرأة في مثل تعقل رفقة واعتدالها ومروءتها وإخلاصها وحبها، امرأة فاضلة النفس وقوية الجسد. لقد كان جمال بنات تلك الأيام حقيقياً ونضراً مثل الزهرة. لم يكن يخشين العمل، وكن يعرفن أن يعرضن أجسادهن للتعب، ويقمن بكل شؤونهن بأنفسهن. ولذلك كن مرضيات لأزواجهن، وكان أزواجهن يزدادون تعلقاً بهن، لأنهم كانوا يرون فيهن نساء صحيحات النفس والجسم معاً. وهكذا إذا كنتم تريدون أن تختاروا زوجاً أو زوجة لأبنائكم، فافعلوا مثل إبراهيم وخادمه، واسألوا أولاً عما إذا كان الزوج أو الزوجة يحظى بصداقة الله ونعم السماء، فإذا كان هذا الشرط موجوداً فكل الأمور الأخرى تتبعه، وإذا كان ناقصاً، فلو كانت لكم كل خيرات الأرض، فقد فقدتم كل شيء. فيا طلاب الزواج لا تعتمدوا في طلبكم على البشر، بل توجهوا إلى الله، واعتمدوا على الرب، فهو لا يستخف بطلبكم، ولا يتوانى عن عونكم. وقد وعدكم هو نفسه قائلاً: "أطلبوا أولاً ملكوت الله وبره وهذا كله يزاد لكم" (مت6: 33). ووسط مثل هكذا زواج يمكن تنشئة الأولاد بسهولة في الفضيلة. وعندما تجمع المرأة بين الحكمة والتواضع سيحبها زوجها ويتعلق بها. وحين تكسب المرأة قلب زوجها سيحسنان تربية أولادهما، وتنزل عليهما كل بركات السماء. وإذا كان الله هو الذي يسود في العائلة، ويهيمن على تربية الأولاد، فسيبعد عنهم الشرور، ويغدق عليهم السلام والسعادة، بنعمة ومحبة سيدنا يسوع المسيح الذي له القدرة والمجد مع أبيه وروحه القدوس الآن وإلى الأبد. أمين.


من كتاب (في الكهنوت أحاديث عن الزواج ورسائل المنفى) للقديس يوحنا الذهبي الفم.