العادة المتّبعة في كنيستنا الأرثوذكسيّة أنّ مجمع الأساقفة يختار أساقفة جدداً للكراسي الشاغرة بالتصويت، بالاقتراع. هذه مسؤولية كبرى لأنّ الأسقف هو الراعي بامتياز، هو لولب الكنيسة وخليفة الرسل. المرتجى، في كل حال، أن يختار الأساقفة مَن اختاره الله. هذا يفترض شفافية كاملة بين الربّ الإله والأساقفة قلّما تتوفّر. واقعاً الاعتبارات التي يتمّ على أساسها الخيار، اليوم، بعضها موضوعي وأكثرها ذاتي. ثمّة جانب علمي، ولو بالاسم أحياناً، يتمثّل، أقلّه، بشهادة اللاهوت التي يُفترض أن يكون المرشّح قد نالها. القابليات الشخصيّة تؤثّر. استقامة الرأي مطلب مبدئي. الأنشطة الكنسيّة. المؤلفات بند لافت. التقوى عموماً تؤخذ في الاعتبار. أحياناً الصداقة تلعب دوراً. بعض الأساقفة، والبطريرك بخاصة، له هالته وكلمته تكون نافذة في هذا السياق. ثمّة مَن يُختارون على أساس محاور القوى المهيمنة. إذا لم يكن المقترِع على قداسة، فعملية الاقتراع تستحيل، عملياً، لعبة. الأهوائية فيها، إذ ذاك، أمر محتّم. في الشكل، أقلّه، لا يعود ثمّة فرق بين الكنيسة كمؤسسة وأية مؤسسة دهرية. كما لا يعود هناك فرق، في الخيار، بين المجال الكنسي والمجال السياسي بالمعنى العام للكلمة. طبعاً تتلى صلاة ما وقد يختلف شكل الاقتراع، والحال هذه، لكنَّ هذا لا يؤثّر، بالضرورة، في المضمون ولا في دواعي الخيار.
على أنّ طبيعة الكنيسة تفترض مناخاً مختلفاً واعتبارات أخرى. في الكنيسة، نحن بإزاء كيان بشري إلهي. المسألة ليست بشريّة بحتة ولا يقتصر دور الإلهيات فيها على الشكليات الداعمة لاستنساب البشر. لو راجعنا المناخ الذي جرى فيه اختيار الرسول الثاني عشر الذي حلّ محلّ يهوذا الإسخريوطي، لوجدنا الرسل في سياق مختلف والاعتبارات مغايرة. هذا وارد في الإصحاح الأول من سفر أعمال الرسل. قالوا: "ينبغي أنّ الرجال الذين اجتمعوا معنا كل الزمان الذي فيه دخل إلينا الربّ يسوع وخرج منذ معمودية يوحنّا إلى اليوم الذي ارتفع فيه عنّا يصير واحد منهم شاهداً معنا بقيامته" (1: 21 – 22). كان هناك اعتباران أساسيان متكاملان: واحد بشري وواحد إلهي. فيما خصّ الاعتبار البشري حدّد الرسل الحدود: المطلوب شاهد اجتمع والرسل والإخوة كل الزمان منذ أن دخل يسوع في أفق الجماعة إلى أن خرج منه بالجسد، من معمودية يوحنّا المعمدان إلى صعود الربّ يسوع. على هذا الأساس أقاموا مرشَّحين استنسبوهما، تنطبق عليهما الشروط المحدّدة: يوسف الذي يدعى برسابا الملقّب يوستس ومتيّاس. هذا في شأن الاعتبار البشري. أما الاعتبار الإلهي فجرى التعبير عنه باعتماد القرعة أسلوباً لاختيار واحد من الاثنين. ما له دلالته الصلاةُ التي رفعوها قبل إلقاء القرعة. "صلّوا قائلين أيّها الربّ العارف قلوب الجميع عيّن أنتَ من هذين الاثنين أيّاً اخترته ليأخذ قرعة هذه الخدمة والرسالة التي تعدّاها يهوذا..." (1: 24 – 25). كان يهمّ الرسل أن يختاروا مَن اختاره الربّ الإله. اختيار الله لم يكن متضمَّناً في اختيار الرسل بل مميَّزٌ عنه. هذه كانت نقطة الحسم. والمعيار الأساس كان إلهياً داخلياً: ما في القلب. لذا الخيار في العمق كان للربّ الإله لا للرسل لأنّه علاّم القلوب. ولأنّ الموضوع كان موضوع قلب، بالدرجة الأولى، كان مستحيلاً أن يقتصر الخيار على الرسل. الرسل بذلوا قصارى جهدهم. اختاروا، على طريقتهم، مَن اعتبروهما خيرة مَن هو بينهم. لكن هذا كان، بوضوح، دون المطلوب. قالوا كلمتهم، وكلمتهم كانت ضرورية لأنّهم، في المبدأ، متعاونون مع الربّ الإله، لكن كانت الكلمة الفصل للربّ الإله. فـ "ألقوا قرعتهم فوقعت القرعة على متيّاس فحُسب مع الأحد عشر رسولاً" (1: 26).
طبعاً الجمع بين الخيار البشري والخيار الإلهي لا يحتمل الزغل ولا الانتقاص. إذا لم يكن الخيار البشري قائماً على الأمانة الكاملة للربّ يسوع فلا قيمة كنسيّة له ولا القرعة تعود ذات قيمة. الخيار الإلهي لا يمكنه أن يكون في الشكل. التوحّد البشري الإلهي في الكنيسة، إذ ذاك، ينعطب. كيف تستمر الكنيسة والحال هذه؟ من جهة الربّ الإله، يعمل الله ويرعى كنيسته بطرق هو يعرفها. تستمر الكنيسة لأن روح الربّ هو ضامنها. أما من جهة الناس، فلا شك أنّ بعض الناس، والأساقفة تحديداً، قادرون على عرقلة عمل الله دون تعطيله. قلّة شفافية الأسقف تؤثّر وتُعثر. فلا غرو إن كان الأساقفة، تقليداً، يُختارون بحرص كبير. قديماً كانوا يؤخذون من بين المعترفين أو من بين المشهود لهم بسيرة القداسة. بحسب الرسالة الأولى إلى تيموثاوس، الإصحاح الثالث، "يجب أن يكون الأسقف بلا لوم... صاحياً عاقلاً محتشماً... صالحاً للتعليم... غير طامع بالربح القبيح... حليماً غير مخاصم...". وفي الرسالة إلى تيطس إضافة: "يجب أن يكون الأسقف بلا لوم كوكيل الله غير معجِبٍ بنفسه ولا غضوب... باراً، ورعاً، ضابطاً لنفسه..." (الإصحاح الأول). بكلام آخر يُتوقّع أن يكون الأسقف صورة القداسة في شعب الله بمعنى الكلمة. هو صورة الآب أو صورة الربّ يسوع بامتياز. إذا لم يكن كذلك فلا معنى لما قيل: "حيث يكون الأسقف هناك تكون الكنيسة". السبب ليس إدارياً وحسب. لا شك أنّه يعلّم بالكلمة ولا شك أنّه يشرف على مؤسسات الكنيسة، لكنّه معلّم القداسة أولاً في كل ما يعمل، بالسيرة والكلمة معاً. لذا كانت المعايير العلمية والإدارية والاجتماعية غير كافية لاختيار الأساقفة. غير صحيح أنّ معاهد اللاهوت، بالمعنى الأكاديمي للكلمة، هي الأمكنة المناسبة لإعداد الأساقفة. هناك حاجات تسدّها معاهد اللاهوت في هذا السياق. ولكنْ، الإعداد الروحي مَن يتولاّه؟ هنا السؤال الأساس! هذا لا يُسيَّب ولا يُترك للصدفة. مَن يحكم في أمور القلب الخفي والوجدان القويم لدى الذين يمكن أن يصيروا أساقفة المستقبل؟ لا يحكم في سلامة سيرة القداسة الأساتذةُ الجامعيون بل الآباء القدّيسون، لا بالاسم بل بالفعل. لا يعرف القدّيسين إلاّ القدّيسون. على يد هؤلاء يُفترض أن ينشأ، بخاصة، الأساقفة القدّيسون. أمثال هؤلاء قد لا يكونون كثراً بيننا. هؤلاء لا يجوز تجاهلهم في كل حال. علينا أن نبحث عنهم. منهم نتعلّم بامتياز، ومن دونهم لا تعود الكنيسة كنيسة. نخرج عنها. قد يكونون على أرضنا كثراً وقد لا يكونون. المهم أن يكون لنا هاجس القداسة، هاجس البحث عن القدّيسين، هاجس الاستنارة بأقوال القدّيسين حيثما وُجدوا. الهاجس العلمي ليس بديلاً عن هاجس القداسة. العلم بلا منحى القداسة ينفخ. هو أداة شيطانية بامتياز.
أما بعد فلا شك أنّنا، خارج سياق القداسة، واجدون الشغف بالأسقفية، لدى مَن يشتهونها، مرضاً نفسياً بكل معنى الكلمة. أن ننحدر من مستوى مَن يُعدّون أنفسهم لموت الشهادة، كما كان حال الأساقفة الأوائل، إلى مستوى مَن يعتبرون أنّ حياتهم لا قيمة لها إذا لم يصيروا أساقفة، مَن يحلمون ويتغنّون بالأثواب الأسقفية والسلطات الأسقفية في صحوهم ومنامهم، مثل هذا الانحدار لا شك مرعب لأنّه ينقلنا من الصعيد الإلهي البشري في الكنيسة إلى الصعيد الشيطاني النفساني. الكنيسة، إذ ذاك، تُتعاطى كمرسح للأمجاد الباطلة وحلبةٍ لممارسة السلطة، بالمعنى الدهري للكلمة. الانحطاط الكبير وارد. لا نستغربن! طيّب الربّ الإله ثرى من أبان في نبوءة حال رعاة المسيحيِّين، رؤساءَ كهنة وكهنةً، في أواخر الدهور، لما قال إنّهم "سيصابون بالمجد الباطل (بالإضافة إلى الهرطقة) غير عالمين يمينهم من يسارهم. بعد ذلك سيغيِّرون عادات وتقاليد المسيحيِّين والكنيسة... وستُحرم كنائس الله من الرعاة الأتقياء والورعين. إذ ذاك ويل للمسيحيِّين الباقين في العالم الذين سيُحرَمون كلياً من الإيمان لأنّهم لن يروا نور المعرفة في أي كان" (القدّيس نيلس الآثوسي).
إذا لم نكن قد بلغنا تلك الأيام فلا شك أنّنا بحاجة إلى بذل الدم حتى لا تأتينا سريعاً. هذا لا يكون إلاّ برحمة منه، تمجّد اسمه إلى الدهر.
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات